وشوشات
هدى عيد
19 مايو، 2020
بقلم : * هدى عيد
مع من نتكلم إذا لم نُجدِ الغوصَ في أعماق قلوبنا؟ وإذا لم نَجد لصدى أصواتنا من ارتداد؟ هاجسٌ ملحاحٌ يطرق أبواب رأسي، ويدفعني طوال الوقت إلى طرح السؤال ؟
أليس القلب هو منزل الإنسان الحميم، مأواه يسكن فيه ومنه يغتذي، ليقول للحياة من خلال تدّفقه عليها : أنا ابنُكِ الأحلى فهيتَ لك!
هي لعبةُ الحضور والغياب، لعبة اهتزاز الثوابت، أوتوالي الانهزامات. من ينتشلنا من شرّهزائمنا حين وقوعها، وكلٌّ منّا فريسة لها في لحظة من اللحظات؟
تنهزم يا الإنسان، فلا يكاد يعبأ بك الآخرون، لأنّ أؤلئك لا يحبون إلاّ نجاحاتِكَ، صورة ما يتمنونه لأنفسهم أن تكون هي عليه يوما. يحدث أن تنجح فيلّتفون حولك، أمّا أن تسقط فستهوي وحدَك في الفراغ.
تبقى لك عندها لعبةُ المرايا والارتداد نحو قيعان الذات. هناك ستعاود تأملَ الخطوط التي رسمتها أناملُ الزمن على الوجنات.وحدَه قلبك سيجتازُ بكَ الصعوبات. يساندك بشجاعة ليس لها مثال.
أنا شخصياً أعتبرُ كلَّ إنسان هرقلاً كبيراً أو صغيراً، قادراً على اجتراح العجائب متى آمن بها؛ أنت تضحكُ الآن لأنك تضع حدوداً حاسمة بين الحقيقة والأسطورة، ذاك خطأ فادح صدّقني. فأنْ تبقى مستمراً في الحياة على الرّغم من هزائمك، فتلك معجزة حقيقية، وعليك أن تصدقها، وتؤمن بها بقوّة وإصرار.
لطالما كان يدهشني أن أرى جداولَ الماء التي تخرج من أكمام الجبال. هل حدث لكم أن رأيتم مثلَ هذه المعجزة الصغيرة، حين تقفون مذهولين تمعنون النظرَ في شَلال، أوتتملّون صفحة بحيرة أو تحدقون بجذلٍ إلى تراقص طائر ملوّن الذّيل، أو تصغون لوشوشات منابعَ تنبجسُ من بين صخرة، أو من خلَل الوحولِ والتّراب ؟
هل سبق لكم أن لاحظتم عند سفح الجبل تماماً، بل عند قدميه الرّاسختين بثبات، عيوناً تتدفق باردة، سخية أو شحيحة، لا يسمعها أحد، ولا يُدرَك سحرُها إلا من خلال الحدائق والعصافير المنبثّة في الوادي.
هذه الجبال تبكي في صمت أو تضحك في صمت، من يدري ما يدور في رأس جبل صلدٍ أصمّ؟
يمكنكم أن تعيدوا تفحّصَ الحياة من حولكم، مؤكّد أنّ بإمكانكم أن تفعلوا، أقول لكم ذلك عن تجربة، فكم زحزحتُ من أحجارٍ في دواخلي، حتى أعيدَ إلى مسامعي صوت شلاّل!
أصغوا جيداً، وأنصتوا لما قاله يوماً شاعر العشق الأصفى جلال الدين الرومي: ” لا تجزع من جرحك،
وإلا كيف للنّور أن يتسلل إلى باطنك ؟”
لا بأس ببعض الهزائم، إذاً، في الحياة .
شكرا لكم إذ أصغيتم إلى ترّهاتي، أو إلى إيماني، حديثي موّجه إلى ذاتي قبل آذانكم، لكن سيُشجيني حتماً أنّكم تسمعون!
عودوا مسحورين إلى دواخلكم السّخية، ولتجيدوا استخراج وُرودها قبل أشواكها، ولتؤمنوا بأنكم أنتم جميلون بما تزخرون به، رائعون بكل ما فيكم من سحر وأشواك. ولم لا ؟ فالورودُ كذاك مخلوقات جميلة عبقرية على الرّغم من أشواكها التي قد لا تُعدّ أحياناً. أحبّوا أنفسكم بعفويتها، وبتدفّقها اللامبالي والمتواضع في آن.
فالوردةُ لا تُسأل لماذا تزهر
إنها تزهر لأنها تزهر،
من دون أن تهتم لنفسها،
من دون رغبة في أن تُرى.
كيف تكون السعادة في الحياة ؟
قلوبنا وحدَها سرُّها، وكنزها المخبوء اللؤلؤي في عالم الوهمِ والسّراب.
للعالم من حولي معاركه وآلامه وهزائمه التي يتحدثون طوال الوقت عنها، وأنا معركتي ملحمية لا نهاية لها، لكن ستكون لي معها بعدُ جولات. هو “ناموس الحياة” أحدّثُ بشغبٍ نفسي، والسعادةُ تفيض في أحشائي:
– لا انتصارات أبدية، ولا هزائم تُشبهها… قلوبنا وحدَها الهداية والصّواب.
* روائية واستاذة جامعية- لبنان
2020-05-19