الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 12:55:23
أخبار عاجلة
ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى( السي الحاج الدرعاوي ..أيقونة الجد والاجتهاد ..) الدكتورة منال إمام تكتب: أكتوبر 1973.. حين تكاملت البندقية مع الدبلوماسية: الاستاذة السعدية بنسهيلي تكتب: اليوم العالمي للمدرس 5 اكتوبر له اكثر من دلالة تربوية و سياسية و اجتماعية و ثقافية قيمية حكايات من هجوم الغربان للاديب والكاتب المصري محمد إبراهيم الشقيفي  (رجال الظل) عبد النبي عيدودي والمسؤولية الحكومية: قراءة في محددات الكفاءة والتمثيلية السياسية وهبي بعد نهاية حبية مالي : انا راض على مستوى الاسود والمقابلة حققت الغاية الأساسية ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى( منشور وفاء لرجل استثنائي ..الاخ والصديق والأستاذ  .. عبدالإله منار .) انتخاب أكبر رئيس جماعة بالمغرب ..بأولاد عمران بإقليم سيدي بنور افتتاح المحطة الثانية للمعرض الوطني الكبير بالدار البيضاء «60 سنة من الفن التشكيلي بالمغرب» عيدودي يكتب: انتهى زمن الاستفتاء وبدأ زمن هندسة الحكم الذاتي
الرئيسية / أقلام وأراء / حكاية انعتاق طالبة أستاذة من الجنون للكاتبة والاديبة ماجدة غرابو [البيضاء.. حبيبتي..]

حكاية انعتاق طالبة أستاذة من الجنون للكاتبة والاديبة ماجدة غرابو [البيضاء.. حبيبتي..]

الرباط نيوز
إن كتاب: “البورناوت” Burn- Out انعتاق طالبة أستاذة من الجنون؛ هو صرخة بصيغة نون النسوة؛ لانطلاق طائر الفينق وإحيائه من جديد، والانبعاث من الرماد للانطلاق بكل قوة وحرية..

ماجدة غرابو
لم أفكر يوما أن أكتب سيرة ذاتية، فحياتي ليست بثراء حياة نوال السعداوي أو مغامرات كازانوفا أو صدمة وقسوة حياة شكري! فما أنا إلا أستاذة أو معلمة بسيطة عاشت حياتها بكل هدوء وهي تحادي الجدران، تحلم بغد أفضل لأبنائها وأسرتها الصغيرة. وما هذه السيرة الذاتية إلا صرخة نملة/ أستاذة في هذا المجتمع بصوت جميع ممتهني مهنة التدريس؛ الذين احترقوا مهنيا دون أن يفهموا ما أصابهم ودون أن يجدوا من يشد بأيديهم وعلى. عضدهم لينعتقوا من مصابهم، فمنهم من ظل قابعا في قسمه شبه ميت وكأنه جذع شجرة خاو محترق إلى أن تقاعد، ومنهم من انتهى به الأمر كالمجذوب في الحواري والشوارع أو البراري، ومنهم من انتهى به الأمر في مستشفى المجاذيب أو المجانين ومنهم من انتحر منهيا عذابه وصراعه مع الواقع رغم إيمانه الشديد ووثوقه بالله أكثر من أشد الواثقين به سبحانه. فدافعي الأول لكتابة سيرتي الذاتية هو إصابتي بمرضي الذي أتقدم له بجزيل الشكر؛ وممتمنة له أيما امتنان لإصابتي به، فهو كان دافعي للخلاص إما منه أو من الحياة، وصدفة كنت من المحظوظين لوجود أشخاص رائعين بحياتي وجدتهم حولي كما الخبيثين لدفعي بقوة وللتحدي لأظل بهذه الحياة وهذه الدنيا لأتقاسم معناتي بمرض “الاحتراق المهني” المشخص بمرض القلق الذي أثار اهتماما خاصا لدى أحد أعلام الحرية الوجودية كيير كيغارد. (Kier Kegard) من حيث هو دافع إلى الإنجاز والإبداع، ويراه كيير كيغارد -أي القلق الخلقي- على أنه موجود منذ عصيان آدم عليه السلام ربه. ولكنه لا يتضح لدى الفرد إلا بعد ارتكابه إثما يعترف به أو يكون منبعا للإبداع، وبأن قوة النفس تنبثق من نجاح الفرد في مواجهة الخبرات التي تثير القلق، فالقلق سبيل إلى نضج النفس الإنسانية وتفتحها عن طبيعتها العميقة الخلاقة، ولكنه يقود إلى الانسحاب أحيانا بدلا من الخلق والإبداع، ويمكن أن يتطور إلى عصاب شديد الأثر.فانبثقت أولى بوادر هذا الانعتاق والخلاص والخلق حين فكرت في أن أتابع دراستي الجامعية بشعبة السوسيولوجيا وأن ألقى أساتذتي الأجلاء الذين أتوجه إليهم بكل الامتنان والاحترام والتقدير، فلم يبخل أساتذتي علي في شعبة الفلسفة ومسلك السوسيولوجيا على إمدادي بالطاقة اللازمة لأواصل دراستي وبكل التشجيع لأطور من عطائي وكتاباتي، فكانت الدراسة بالنسبة لي شفاء وبلسما، وكانت الكتابة تحررا من أسر الذات وميلادا منبثقا من الرماد والاحتراق وأسر المرض ومن ضروب الجنون من زاوية النظر المغربية…

البيضاء.. حبيبتي..

أيام كثيرة من السعادة عشتها في بداية عملي ولسنين تلتها خلال تدريسي بنواحي مدينة الدار البيضاء في أول تعيين لي مع مجموعة من ممتهني التدريس لازالت علاقات الصداقة تجمعني وإياهم إلى الآن، مع أن إكراهات عديدة عانيت منها لست وحدي لكن كل العاملين معي، وكنت أعلم أن هناك العديد غيرنا من تمنى مثل إكراهاتنا، لأنهم يعيشون القسوة أثناء تأديتهم لعملهم أكثر منا.
كنت محظوظة جدا لأن تعييني كان بثاني منطقة من بين ستة وخمسين، كنا نرتبها حسب أولويات كل طالبة معلمة سنة التخرج كل حسب منطقة انتمائها ورغبتها، فكانت النتيجة المذهلة وهي أن تعييني كان بنيابة عين الشق الحي الحسني وهي ثاني منطقة في الترتيب، فقد بدأت بالنيابات الخمس حينها لمدينة الدار البيضاء حبيبتي، حيث يسود عدم التجانس الشديد لكن مع تعايش جميع الفئات والطبقات الاجتماعية النازحة من مختلف الأقاليم، هي البيضاء مدينة المقاهي والفنادق الضخمة المصنفة والحانات والمراقص الليلية وأيضا أحياء الصفيح التي تأوي عددا هائلا من البشر “كلشي في كازا” كما يتغنى بها أحدهم في أغنية جد معبرة عن ذلك الخليط العجيب المتعايش يوميا.
حبيبتي البيضاء حيث عشت طفولتي ومراهقتي وشبابي وأغلب سنين عمري وأنجبت بها أولادي وتزوجت فيها بزميلي في الثانوية الذي يقطن غير بعيد عني وبها اشتغلت لمدة فاقت السبع عشرة سنة، ولا أعرف العيش في مدينة سواها.
جاء تعييني بمدينتي الحبيبة، وانتهى الترقب والخوف من منطقة التعيين. وأعرف من بين الطالبات المعلمات من دفعت بزواج سريع شبابها وحياتها بكاملها نظير تعيينها بالمنطقة التي تريد التحاقا بالزوج، ولمهازل الزمن وبعد الإسراع بدفع عقود الزواج لإدارة مركز التكوين، وبعد تخرجنا جميعا متزوجات وعازبات استفدنا من تعييننا في اختياراتنا الأولى بعد موت إحدى الأستاذات اللواتي هاجمتها مجموعة من الكلاب، فمزقت أوصالها، رحمة الله عليها. وأذكر أن أحد الأساتذة الذين عملوا معي سألني عن الثمن الذي أعطيته نظير حصولي على تعييني!؟ استغربت سؤاله الذي مرده أنه يستحيل حينها أن يصل أحد الأساتذة إلى مثل ذلك التعيين إلا بعد أن يكون قد انتقل عبر مناطق عديدة نائية ممضيا جل حياته وسنين شبابه قبل أن يصل إلى المكان الذي يفضله، لم يكن حينها التعليم جهويا، وفعلا فسنة تخرجي كانت استثنائية بامتياز.
فكل طالبة أستاذة تم تعيينها حسب اختيارها الأول أو الثاني وعلى العكس من ذلك الذكور الذين لم يستفيدوا من هذا الامتياز، ومع ذلك فالعديد من الطالبات الصغيرات السن كن قد قمن بعملية استعجالية للزواج من أجل الالتحاق بالزوج/ المنقذ وحتى لا يقذف بها كحجر المنجنيق إلى أبعد منطقة حدودية. وأذكر أننا كتبنا أسامي مناطق لم نسمع عنها قط من قبل كفم الجمعة وتندوف وآسا الزاك وبصعوبة وضعنا توقيعنا مكرهين أسفل الورقة وتحمُّلنا لكامل مسؤوليتنا، والالتحاق بأي مكان مدون في تلك الورقة.
وكانت البداية في مجموعة مدرسية، ورغم كل الإكراهات التي كنت أعيشها لا أذكر إلا الأيام الجميلة التي قضيتها في المجموعة المدرسية مكان تعييني الأول، كان الحماس كله والفرحة كلها، فهي لا تبعد عن بيتي إلا بحوالي عشرة كيلومترات عبر الطريق المؤدية إلى مراكش، وبها طريق غير معبدة لا تتجاوز ثلاثة كيلومترات. حين أوصلني أبي رحمة الله عليه أول مرة وكنت خلالها متدمرة جدا كونها في البادية وطريقها غير معبدة ومتخوفة من قلة عدد الناس! استسهل الأمر ضاحكا وقال لي: إنك جد محظوظة بتعيينك هذا، فكل يوم ستعودين لبيتك وفراشك ولن تتغير حياتك! إنها الجنة (يقصد التعيين)، عكس الظروف التي عملت بها. حيث حكى لي فيما حكاه أن أول تعيين له كان بمناطق جبلية ناحية إقليم أزيلال، اسمها “تيسقي” و”تيلكيت”، كان ينام محيطا فراشه بالجرائد والكتب والمجلات التي يمتلك حتى إذا سقطت أي عقرب أو تمشت عليها إحدى الزواحف السامة فإنه يسمعها ويحس بها وتعطيه إنذارا فينهض لينقد حياته، هكذا حكت لي أيضا إحدى صديقاتي أصولها من منطقة أزيلال عن إحدى زميلاتها في العمل النازحات من مدينة الرباط اللواتي أصبحن يضرمن النار في فرن القسم أحسن منها هي بنت المنطقة الثلجية والتي لا يمكن لأستاذ أن يبدأ درسه قبل أن ينظف الفرن داخل القسم ويملؤه بالخشب مع إضرام النار فيه حتى يستطيع الحركة والكتابة والكلام من شدة البرودة، وحتى يستطيع الأطفال مسك القلم والكتابة التي تستعصي إذا لم يتم إضرام النار بالأعواد التي يحضرها الأطفال، كل وعوده رغم فقرهم وحاجة أسرهم لكل قشة من أجل التدفئة التي يستحيل العيش بدونها في بعض المناطق، فهل المتحكم هنا بالنسبة للأستاذ الوعي أم الاضطرار…؟ فأين التجهيزات اللازمة في مناطق ثلجية كهاته؟..
حين تبنى المدارس فإن البناية توضع عبارة عن حجرات بأربعة جدران لا غير خصوصا في المناطق القروية.
كانت مدرسة عملي الأولى “لحفاية” بدون سور، فيمر أمام الأقسام الجميع، حتى العطارين المتجولين أو بائعي الأواني الطينية وغيرهم أو السكان، كانت بدون سور وبدون ماء وبدون مراحيض، فالأرض وهبها أحد الأعيان وتم بناء بعض الأقسام بها، ومع مرور السنين بدأت تعرف بعض الإضافات، فيكفي بالنسبة لنا وجود أربعة جدران ومدرس لممارسة مهنة التدريس مهما كانت الظروف ولو بدون توفر أية وسائل تعليمية، وأدنى الشروط التي تحفظ كرامة الإنسان وليس الأستاذ وهو يمارس مهنته، فطيلة مدة عملي كلها بمدينة الدار البيضاء “حبيبتي” لأكثر من سبعة عشر سنة اشتغلت في ثلاثة مدارس بالمجال القروي كانت كلها بدون مراحيض لا بالنسبة للتلاميذ ولا للأساتذة، أحاول أن أسترجع ذاكرتي وكيف كانت لي القدرة على التحكم بجسمي يوميا وأن لا أقضي حاجاتي حتى أعود إلى بيتي!
في أول عهدي بالعمل كان التوقيت المدرسي بصيغته الأولى حيث نبقى في المدرسة طيلة اليوم من الساعة الثامنة أو العاشرة صباحا إلى الخامسة مساءا. لأن فترة التوقف عن العمل من الثانية عشر زوالا إلى الثانية ظهرا غير كافية للذهاب والإياب، كنا أكثر حظا من الذكور لأننا نذهب لسكنين مدرسين آهلين بعائلات زملائنا لقضاء حاجتنا إن اضطررنا لذلك، محرجين كل مرة، لكننا على الأقل أكثر حظا من الذكور الذين لا يستطيعون اقتحام السكن المدرسي لوجود أسر زملائنا به، فكنا نسمع عن أحد زملائنا الذي يقضي اليوم بكامله في المدرسة أنه بين الفينة والأخرى يرمي بكيس بلاستيكي أسود بعد أن يقضي فيه حاجته داخل القسم حين لا يكون معه التلاميذ، أما عن التلاميذ فلا يجدون البديل والمفر من قضاء حاجاتهم وراء الأقسام التي تتصاعد منها روائح كريهة لا يمكن تحملها لمن سولت له نفسه أن يمر خلف جدرانها.
فحتى بعد بناء السور للمدرسة وللمراحيض فقد بقيت بدون ماء مما جعل الحال يبقى على ما هو عليه. كنت أخجل أن أنبه الأطفال إلى أن النظافة من الإيمان، مع أنها أول جملة تكتب على جدران المدرسة، فأية نظافة وأي إيمان يمكن أن يتحدث عنها الأستاذ والحال هكذا؟ فهل سلوك الأستاذ نابع عن وعي أم عن اضطرار؟
قبل بناء السور كنا نطالب التلاميذ بالابتعاد لقضاء حاجاتهم التي لا يمكن حصرها أو التحكم بها لمدة طويلة لصغر سنهم، ففي أول عهدي بالتدريس فوجئت بوقوف امرأة من أعيان المنطقة تنتمي للعائلة الواهبة لأرض المدرسة، تصيح مستشيطة غضبا لذهاب الأطفال للحقول المجاورة التي تملكها بعد خروجهم من المدرسة، حينها لم يطبق بعد التوقيت المستمر بصيغته الحالية، فكان التلاميذ وبحكم بعد بيوتهم عن المدرسة بأكثر من ثلاثة كيلومترات يمكثون بجوار المدرسة مدة ساعتين، كنت أستغلها لتصحيح كراريسهم، لتطالبني بضبطهم -حتى خارج وقت العمل- لتستطرد وكأنها تعطف على حالي: «أعرف أنكم تتقاضون “زوج فرنك”» كما نطقت بها بعد سنين إحدى الوزيرات قاصدة بذلك الإشارة إلى القدر الهزيل الذي يتقاضاه موظفوا الحكومة بعد التقاعد، أما المرأة الأولى فقد قصدت تجريحي والإساءة إلي، وإلى أن موظفي التعليم لا يتقاضون إلا أجرا هزيلا عن أداء مهمتهم التدريس.
طبعا كلامها فيه الكثير من الصحة، لكني لم أستشعر حينها ذلك، بل أحسست بالفخر لعلمي أنها امرأة أمية وجاهلة، ورغم توفرها على سيارة وبيت كبير فسيح وأراضي لا حدود لها كما يحكون عنها، فقد قصدت تجريحي لأنها لا تملك مكاني مع أنها صاحبة الأرض.
طيلة مدة عملي لأكثر من عشرين سنة، نُفذت أهم بادرة أعجبت بها أيما إعجاب وهي تلك التي قام بها أحد وزراء التربية الوطنية الذي لم يتجاوز مكوثه بها شهرين اثنين، حيث أمر أن تتم صباغة جميع المدارس العمومية أينما وجدت وطلاؤها بألوان زاهية حتى في حالة عدم توفر الميزانيات لتتكفل جمعيات الآباء بذلك وتدخل على الخط. وفعلا كان، فقد أصبحت المدارس العمومية زاهية بألوانها المتنوعة التي تزينها وتميزها عن باقي المباني الحكومية. فقبل هذه البادرة كنت لا تستطيع أن تميز بينها وبين مقر الدرك الملكي أو المستوصف أو مقرات العسكر في القرى لأنها كلها مبنية بنفس الطريقة بواسطة الجدران سريعة البناء “les murs préfabriqués” ويعلوها كلها علمنا الأحمر، هذا النوع من الجدران الغير صالحة لصحة الإنسان حسب ما جاء في أحد البرامج الصحية التي شاهدتها على شاشة التلفاز الذي يشرح خطورة هذه الجدران وكونها تتكون من مواد مسرطنة إذا عمل بها الإنسان لمدة طويلة، لم أفهم كيف يبثون في الإذاعة الوطنية برامج توعوية مثل هاته والموظف لا يملك حتى حق اختيار المكان الذي يعمل به، هل هو مبني من جدران بطوب وإسمنت أم من جدران سريعة البناء؟ فالأجدر بالمشرفين على الإذاعات الوطنية عدم إدراج مثل هاته البرامج خصوصا وأن العديد من الموظفين مجبرين على العمل بأماكن غير صحية خصوصا بالعالم القروي والتي تنعدم فيها كرامتهم، وكان الأجدر بوزارة التربية والتعليم قبل الإعلان عن الحق في التربية والتعليم للجميع التي تحظى بكونها تأتي في صدارة الأولويات والانشغالات الوطنية، أن تعلن عن مراحيض لجميع المؤسسات التعليمية وعن الحق في الماء وعن قاعة للأساتذة بجميع مؤسسات الابتدائي التي لا تتوفر عليها استثناء دون بقية المستويات كالإعدادي والثانوي، وأن تعلن عن قرار توفير مطعم خاص لأساتذة التعليم الابتدائي بجميع مؤسسات العالم القروي بدل أن نلوم الأستاذ إن هو طالب تلميذا بأن يحضر له ما يقتات به في مجال قروي لا يمكن أن تجد به ما تسد به الرمق، فلا يحق لهذه الوزارة التي تهتم بالشأن التربوي التعليمي أن تقذف بأساتذة في كل بقاع العالم القروي ومناطقه النائية المستعدين لتأدية مهامهم في هذه المناطق، بدون توفير مراحيض لهم وبدون ماء كأدنى حق وتوفير مطاعم وقاعات تضمن كرامتهم وتحفظ ماء وجههم وخصوصا وجههن، فنحن أمة تعودنا أن نرى بعض الرجال يقضون حاجتهم خارج البيوت، فذلك لا يشكل منظرا نشازا بالنسبة لنا ولو كان مرفوضا حتى في المناطق الحضرية وربما حتى في أرقى الأحياء أحيانا، لكن ماذا عن الأستاذة في المناطق القروية في مدارس بدون مراحيض وبدون ماء وبدون قاعة لترتاح بها قبل أن يحين وقت عملها؟ هل يجوز لنا أن نكتب النظافة من الإيمان لتلاميذ قد يتلصصون مسترقين النظر لأستاذ يلتصق بجدار المدرسة إن توفر من أجل قضاء حاجته مستترا به؟!
ربما كان زملائي محظوظين لأننا عملنا في زمن لم تكن به الهواتف الذكية قد وجدت بعد! فمع هوس التصوير لأي شيء وكل شيء الذي نلحظه الآن عند أجيال اليوم، فلكانت عوراتهم كشفت على مواقع التواصل الاجتماعية وكشفت معها سوءاتهم، ولانهارت سمعتهم ومعها قيمتهم.
ففي كل الوظائف تتوفر هذه الشروط كأساسيات للحياة والكرامة الإنسانية قبل توفير شروط العمل، فنجد الفقيه حين يعمل في إحدى القرى فسكانها يوفرون له السكن والأكل والشرب وكل شروط الحياة الكريمة، والعسكري أيضا وهو متاخم على الحدود فهو لا يشغل تفكيره بهذه الأساسيات للحياة لأنها متوفرة لديه، وكذا الممرض والطبيب والشرطي الذي يعوض عن تحركاته وتنقلاته مع توفير الأكل والشرب والسكن عند قيامه بمهامه في أي مكان أرسل إليه في مأمورية تخص وظيفته، حتى أعضاء الحكومة نراهم على شاشات التلفاز وقد وضعت أمامهم قنينات ماء وكؤوس بمنتهى الأناقة، وبعد انتهاء اجتماعاتهم يقيمون حفلات شاي… وغيرها، إلا أستاذ التعليم الابتدائي/ الأساسي في المجال القروي، فأكله كفر وخطيئة لا تغتفر خصوصا إذا أحضر إليه العنصر المباشر له وهو التلميذ شيئا يقتات به.
فهل السلوك البشري وعي أم اضطرار؟
أليس الأستاذ هو الأكثر وعيا في المجتمع بأن النظافة من الإيمان؟ أليس الأستاذ هو من يحارب كل الآفات السيئة ويدعو لمكارم الأخلاق؟ أم أن ممارسة سلوكاتنا هي خارجة عن وعينا وعن طاقتنا في التحمل؟
أليس الأستاذ بالمستوى الابتدائي هو من يلقن التلاميذ مكارم الأخلاق وآداب الأكل وآداب قضاء الحاجة؟ وكيفية الاستبراء والاستنجاء والاستجمار؟
أليس المعلم هو أول من يعلم الطفل أبجديات الحياة وأهم السلوكيات؟ كيف لهذا الأستاذ أن يلقن سلوكات لتلاميذه في غياب المرافق الأساسية التي تحفظ ماء وجهه أمام تلاميذه ومصداقية دروسه خصوصا في المجال القروي؟!

شاهد أيضاً

خواطر من (أنا والحياة) للاديبة والكاتبة المصرية سناء شمس الدين ( وميض أمل)

كتب / سناء شمس الدين  نحيا على وميضِ أملٍ، وعلى وميضِ ابتسامةٍ تُضيء عتمة الأيام، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *