الدكتورة منال إمام تكتب: أكتوبر 1973.. حين تكاملت البندقية مع الدبلوماسية:
هيئة التحرير
ساعة واحدة مضت
بقلم /د. منال إمام
في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، حين دوّى صوت المدافع على ضفاف قناة السويس، لم تكن معركة أكتوبر تُخاض في الميدان وحده. ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية تعبر القناة وتعيد تشكيل الواقع العسكري، كانت معركة أخرى تُخاض في العواصم وممرات الأمم المتحدة وطاولات التفاوض.
هناك، خلف المشهد العسكري، كانت الدبلوماسية تتحرك لتوظيف ما يصنعه الميدان، وتحويل التطورات العسكرية إلى أوراق سياسية.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات حرب أكتوبر: أن القوة العسكرية والدبلوماسية لم تكونا مسارين منفصلين، وإنما تفاعلا في لحظة تاريخية واحدة، بحيث أصبح الميدان مصدرًا للقوة التفاوضية، وأصبحت الدبلوماسية أداة لتحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية.
قبل المعركة.. تهيئة البيئة السياسية
لم تبدأ المواجهة في السادس من أكتوبر من فراغ. فقد كانت مصر تتحرك منذ سنوات في بيئة دولية شديدة التعقيد، وسط صراع الحرب الباردة وتنافس الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وتعثر المسارات السياسية لتسوية الصراع العربي–الإسرائيلي.
ومع اندلاع الحرب، انتقلت المعركة سريعًا إلى مجلس الأمن. ففي 22 أكتوبر 1973 صدر القرار 338 الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات تستهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. ثم جاءت قرارات لاحقة لمحاولة تثبيت وقف إطلاق النار وإرسال مراقبين تابعين للأمم المتحدة.
وهكذا لم تعد نتائج الميدان شأنًا عسكريًا خالصًا، بل أصبحت جزءًا من معادلة سياسية ودولية أوسع.
في أثناء الحرب.. الدبلوماسية تتحرك بالتوازي
بينما كانت القوات تقاتل على الجبهة، كانت القاهرة تخوض معركة سياسية لا تقل أهمية: تثبيت الموقف المصري، وشرح أهداف الحرب، وإدارة الاتصالات الدولية، والتعامل مع التحركات الأمريكية والسوفيتية، ثم الانتقال تدريجيًا من إدارة الحرب إلى إدارة نتائجها.
ومع دخول الولايات المتحدة في عملية إمداد عسكري واسع لإسرائيل، وتصاعد احتمالات اتساع المواجهة بين القوتين العظميين، أصبحت الحرب المصرية–الإسرائيلية جزءًا من أزمة دولية أوسع كادت ترفع مستوى المواجهة بين واشنطن وموسكو إلى درجة خطيرة.
وفي هذه اللحظة تحديدًا ظهرت قيمة الدبلوماسية: ليس المطلوب أن تحل الكلمة محل البندقية، وإنما أن تعرف كيف توظف نتائج البندقية عندما تبدأ مرحلة التفاوض.
النفط.. حين دخل الاقتصاد إلى معادلة الصراع
ولم تكن القوة العسكرية والدبلوماسية وحدهما في المشهد.
فمع إعادة الإمداد الأمريكي لإسرائيل، تحركت الدول العربية المنتجة للنفط، واتخذت منظمة الدول العربية المصدرة للبترول «أوابك» في 17 أكتوبر 1973 قرارًا بخفض الإنتاج، ثم اتسعت إجراءات الحظر النفطي لتشمل الولايات المتحدة ودولًا أخرى داعمة لإسرائيل.
وهنا اتسعت طبيعة الصراع: القوة العسكرية في الميدان، والدبلوماسية في المحافل الدولية، والموارد الاقتصادية في البيئة الدولية.
لم تكن هذه الأدوات متطابقة في أدوارها ولا خاضعة لقيادة واحدة، لكنها أسهمت، كلٌّ بطريقته، في إعادة تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية المحيطة بالحرب.
من الميدان إلى طاولة التفاوض
ولعل أكثر ما يكشف أهمية التكامل بين القوة والدبلوماسية هو ما جرى بعد وقف إطلاق النار.
ففي أعقاب الحرب، لم تنتهِ المعركة عند آخر طلقة. بدأت مرحلة جديدة من التفاوض، وكان اجتماع الكيلو 101 على طريق القاهرة–السويس أحد أهم مظاهرها. وتظهر الوثائق أن المحادثات تناولت ترتيبات وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، ووضع القوات، والانسحاب، ثم تطورت إلى مناقشات أوسع بشأن الفصل بين القوات.
ثم انعقد مؤتمر جنيف في ديسمبر 1973، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة في إدارة الصراع العربي–الإسرائيلي. وكانت اتفاقية فض الاشتباك المصرية–الإسرائيلية في يناير 1974 إحدى النتائج المهمة للمسار الذي فتحته حرب أكتوبر وقرار مجلس الأمن 338.
وهنا تتضح الصورة كاملة:
القوة العسكرية غيّرت المعادلة، والدبلوماسية تفاوضت على نتائجها، والسياسة الدولية أصبحت المجال الذي تُترجم فيه تلك النتائج إلى ترتيبات واتفاقات.
وهذا هو جوهر التكامل الدبلوماسي–العسكري.
ليست الحرب بندقية فقط: تكشف تجربة أكتوبر درسًا يتجاوز حدود تلك الحرب.
فالدولة لا تقيس قوتها بعدد ما تملكه من أسلحة فقط، ولا بقدرتها على خوض المعركة وحدها، وإنما بقدرتها على دمج أدوات قوتها المختلفة، واستخدام كل أداة في اللحظة التي تحقق فيها أكبر أثر ممكن.
في أكتوبر، كان الجيش يصنع واقعًا جديدًا على الأرض، وكانت الدبلوماسية تعمل على إدارة هذا الواقع، وكانت السياسة تتحرك في فضاء دولي شديد التعقيد، بينما دخل الاقتصاد العربي، ممثلًا في النفط، كأحد عناصر الضغط في الأزمة الدولية، لم تكن هذه الأدوات بديلًا عن بعضها، كانت قيمتها الحقيقية في تفاعلها.
أكتوبر.. درس في إدارة القوة
لهذا فإن قراءة أكتوبر بوصفها معركة عسكرية فقط تُبقي جزءًا مهمًا من الصورة خارج إطار الرؤية.
لقد كانت الحرب لحظة التقاء بين القوة العسكرية، والإرادة السياسية، والدبلوماسية، والموارد الاقتصادية، والقدرة على إدارة البيئة الدولية.
ومن هنا تبدو حرب أكتوبر أكثر من ذكرى عسكرية، إنها تجربة تاريخية في كيفية إدارة الدولة لصراع معقد، وكيف يمكن للقوة أن تفتح باب التفاوض، وللدبلوماسية أن تحمي المكاسب التي يصنعها الميدان، وللتفاوض أن يحول لحظة عسكرية إلى مسار سياسي طويل.
إن أعظم دروس أكتوبر ربما لا يكمن فقط في عبور قناة السويس، وإنما في إدراك أن الانتصار في الحروب لا يُقاس فقط بما يحدث في ساحة القتال، بل أيضًا بما تستطيع الدولة أن تفعله بما حققته هناك.
فالبندقية قد تفتح الطريق، لكن الدبلوماسية هي التي تعرف كيف تسير في هذا الطريق. وتلك، في النهاية، واحدة من الصفحات المضيئة التي تركها أكتوبر في تاريخ المنطقة:
أن القوة حين تتكامل مع الحكمة، تتحول من قدرة على القتال إلى قدرة على إدارة التاريخ.
2026-10-06