الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 2:37:41
أخبار عاجلة
الدكتورة منال إمام تكتب: أكتوبر 1973.. حين تكاملت البندقية مع الدبلوماسية: الاستاذة السعدية بنسهيلي تكتب: اليوم العالمي للمدرس 5 اكتوبر له اكثر من دلالة تربوية و سياسية و اجتماعية و ثقافية قيمية حكايات من هجوم الغربان للاديب والكاتب المصري محمد إبراهيم الشقيفي  (رجال الظل) عبد النبي عيدودي والمسؤولية الحكومية: قراءة في محددات الكفاءة والتمثيلية السياسية وهبي بعد نهاية حبية مالي : انا راض على مستوى الاسود والمقابلة حققت الغاية الأساسية ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى( منشور وفاء لرجل استثنائي ..الاخ والصديق والأستاذ  .. عبدالإله منار .) انتخاب أكبر رئيس جماعة بالمغرب ..بأولاد عمران بإقليم سيدي بنور افتتاح المحطة الثانية للمعرض الوطني الكبير بالدار البيضاء «60 سنة من الفن التشكيلي بالمغرب» عيدودي يكتب: انتهى زمن الاستفتاء وبدأ زمن هندسة الحكم الذاتي ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى ( الأستاذة فتيحة الرجگة. جوهرة مدرسة إدريس الأزهر..)
الرئيسية / أقلام وأراء / حلقات من سلسلة (إنتحار مراهقة) للكاتبة المغربية بشرى الظالم …انتحار جنات

حلقات من سلسلة (إنتحار مراهقة) للكاتبة المغربية بشرى الظالم …انتحار جنات

كتب / الأديبة بشرى الظالم 

كانت أول ليلة من رمضان
كان المساء باردًا، والسماء صافية بلونٍ أزرق عميق والمدينة تستعدّ للمغرب كما لو أن شيئًا سيئًا لا يمكن أن يحدث في ليلةٍ كهذه في بيتنا، كانت أمي في المطبخ تُعدّ الإفطار، وكانت رائحة الطعام تملأ المكان، بينما جلست أمام التلفاز أتابع إحدى المسابقات الغنائية
كان كل شيء عاديًا
عاديًا إلى درجة أنني لم أكن أعرف أن تلك الليلة ستبقى محفورةً في ذاكرتي إلى آخر العمر
فجأة، رنّ جرس الباب
نهضت وذهبت لأفتحه
كانت جنات
وقفت أمامي بصمت
كانت عيناها متورمتين من البكاء، ووجهها شاحبًا، وكأنها جاءت من مكانٍ بعيد، مع أن بيتها لم يكن يبعد عن بيتنا إلا خطوات
لم أسألها ماذا حدث
لم أعد أسألها
كنت قد اعتدت أن أراها تبكي، وكنت أظن، في سذاجة طفولتي، أن بكاءها جزء من الأيام التي تعيشها، وأنها ستبكي اليوم ثم تعود غدًا، كما فعلت في كل مرة
قلت لها
تفضّلي
دخلت بهدوء، ثم أخرجت من حقيبتها دفتر الرياضيات ومدّته إليّ
قالت
هذا دفترك. كنت قد أخذته عندما غبت عن المدرسة
أخذته منها، وقلت
شكرًا
نظرت إليّ لحظة
كانت نظرةً غريبة، طويلة، لم أفهم معناها
ثم قالت
اعتني بنفسك
ابتسمتُ لها ابتسامة صغيرة، وقلت
وأنتِ أيضًا
استدارت وغادرت
أغلقت الباب، وعدت إلى التلفاز
لم أفكر كثيرًا في زيارتها
كان دفتر الرياضيات بالنسبة إليّ مجرد دفتر أعادته، ولم يخطر ببالي أن بعض الأشياء التي تبدو عادية في لحظتها قد تكون، بعد سنوات، آخر رسالة تركها لنا شخصٌ لم نعرف أنه كان يودّعنا
بعد دقائق، سمعت صوت المؤذن يعلن دخول وقت المغرب
وفي اللحظة نفسها، سقط كوب الماء من يدي
لا أعرف لماذا
شعرت فجأة بخفقان قوي في صدري، كأن شيئًا في داخلي انتبه قبل عقلي
بدأت أبكي
بكاءً مفاجئًا، بلا سبب واضح
وضعت يدي على صدري، وحاولت أن أهدأ، لكن ذلك الشعور الغريب لم يغادرني
نهضت واتجهت نحو شرفة غرفتي
كان الهواء باردًا
وما إن فتحت الباب حتى لامست وجهي قطرات المطر الأولى. كانت خفيفة، متباعدة، كأن السماء نفسها بدأت تبكي بصمت
وقفت هناك، أحدّق في بيت جنات
كانت النوافذ مضاءة
ثم انطفأ بعضها
وبقيت واقفة
لم أكن أعرف لماذا كنت أراقب ذلك البيت بهذه الطريقة، ولا لماذا كان قلبي يرفض أن يهدأ
تذكرت وجهها قبل دقائق
عينيها
صمتها
الدفتر الذي أعادته إليّ
والجملة التي قالتها
اعتني بنفسك
في تلك اللحظة فقط، شعرت بالخوف
خوفٍ لم أجد له اسمًا
ركضت نحو الداخل، لكنني لم أكن أعرف ماذا أفعل. كان كل شيء حولي كما هو: أمي في المطبخ، التلفاز مفتوح، مائدة الإفطار، وصوت الأذان يملأ البيت
أما أنا، فكنت أشعر أن شيئًا فظيعًا يحدث في مكانٍ قريب، وأنني تأخرت في فهمه
لم أكن أعرف أن جنات كانت في تلك اللحظات تودّع العالم الذي لم يمنحها ما يكفي من الرحمة
لم أكن أعرف أن الدفتر الذي وضعته بين يدي قبل دقائق سيكون آخر شيء تتركه عندي
ولم أكن أعرف أن تلك الطفلة التي عشت معها سنواتٍ من الصمت والخوف، والتي كنت أراها تبكي خلف أبواب بيتها، لن تأتي إلى المدرسة بعد ذلك اليوم
في تلك الليلة، ماتت جنات
وعندما عرفت، بعد ذلك، أن رحيلها لم يكن حادثًا عابرًا، وأنها اختارت أن تنهي حياتها بعد سنوات من الألم،شعرت أن شيئًا في داخلي مات معها
لم أستطع أن أكرهها
ولم أستطع أن أغفر بسهولة لكل من جعلها تصل إلى تلك الحافة
كنت أفكر في كل مرة سمعت فيها صوتها من خلف النافذة
في كل مرة رأيت فيها كدمة على وجهها
في كل مرة وقفت فيها أمام المدرسة بثيابها القديمة
في كل مرة خفضت فيها رأسها بسبب السخرية
في كل مرة طلبت فيها نظارة ولم تجد من يسمعها
في كل مرة أخفت فيها دماءها لأنها لم تجد ما تحتاج إليه
وفي كل مرة قالت فيها
سأخبر الله بكل شيء
وأدركت متأخرةً أن جنات لم تكن تحتاج إلى الكثير
كانت تحتاج فقط إلى شخصٍ واحد يقول لها
أنتِ لستِ مذنبة
شخصٍ واحد يفتح لها بابًا حين تُغلق الأبواب
يدًا تمتد إليها حين تُرفع الأيدي عليها
قلبًا يقول لها إن وجودها ليس عبئًا، وإن كونها فتاة ليس عارًا، وإن الطفولة لا ينبغي أن تكون مكانًا للخوف
لكن أحدًا لم يفعل
ماتت جنات
رحلت وهي في الثانية عشرة، في عمرٍ كان ينبغي أن تكون فيه منشغلةً بدروسها، بضحكتها، بصديقاتها، بأحلام صغيرة لا تتجاوز حقيبة مدرسة أو نزهة أو لعبة تحبها. لكنها لم ترحل لأن الحياة كانت أقسى من أن تُحتمل فحسب، بل لأنها عاشت طويلًا وهي تبحث عن شيء بسيط لم تجده في بيتها الأمان
رحلت جنات إلى دار البقاء، وتركت خلفها بيتًا لن يكون كما كان
تركت أمًّا لن تستطيع، مهما حاولت، أن تنسى وجه ابنتها
وتركت أبًا سيبقى يحمل في جسده وذاكرته ثقل السنوات التي مضت، وكل لحظة كان يستطيع فيها أن يكون أبًا أكثر رحمة، ولم يكن كذلك
كان موتها صدمةً للحي كله
في ذلك الصباح، لم يكن أحد يعرف ماذا يقول الوجوه التي اعتادت المرور أمام بيتها توقفت، والجيران الذين كانوا يسمعون صراخها خلف الجدران وقفوا اليوم عاجزين أمام الصمت الذي حلّ مكانه
أقيمت لها صلاة الجنازة
وحين حملوا نعشها، شعرت أنني لا أودّع طفلةً أعرفها فقط، بل أودّع كل السنوات التي رأيتها فيها تتألم دون أن أعرف كيف أنقذها
كانت صغيرةً جدًا على أن تحمل كل ذلك الوجع
صغيرةً جدًا على أن تفهم لماذا كان البيت الذي يفترض أن يحميها أكثر الأماكن التي تخاف منها
وحين دُفنت جنات، بدا لي أن التراب ابتلع طفولةً كاملة
أما أمها، فلم تحتمل الصدمة
دخلت في حالة من الانهيار والاضطراب، وصارت الأيام بعدها شيئًا لا يشبه الأيام كانت ابنتها التي طالما وبّختها وأهانتها ودفعت عنها الحنان، قد أصبحت فجأة غائبةً إلى الأبد
وربما كان أقسى ما في الأمر أن الإنسان يستطيع أن يهرب من كثير من الأشياء، لكنه لا يستطيع أن يهرب من ذاكرته
وأما والدها، فقد أصيب بعد رحيلها بشللٍ نصفي، وكأن جسده نفسه لم يحتمل ثقل الصدمة
لم أعرف إن كان ذلك عقابًا أم مجرد ابتلاء من الحياة، ولم أؤمن يومًا بأن مرض الإنسان يمكن أن يكون دليلًا على عدالة السماء
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا
أن جنات رحلت، بينما بقي ضمير والديها حيًّا
وسيظل حيًّا كل ليلة
كلما مرّا أمام غرفتها
كلما رأيا ثوبًا قديمًا
كلما وقعت أعينهما على دفتر مدرسي
كلما سمعا صوت طفلة تضحك في الشارع
ستعود إليهما جنات
لا كما كانت في أيامها الأخيرة، باكيةً وخائفة، وإنما كما كان ينبغي أن تكون طفلةً محبةً للحياة، لو وجدت من يمنحها فرصةً عادلة للعيش
أما أنا، فكنت كل ليلة أقف في شرفة غرفتي، وأنظر إلى شرفتها
كانت النافذة صامتة
لا صوت
لا حركة
لا وجه صغير يطلّ منها
فأقول في سرّي
أخبري الله بكل شيء يا جنات
أخبريه عن الأيام التي بكيتِ فيها ولم يسمعك أحد
عن الأبواب التي أُغلقت في وجهك
عن اليد التي كان يفترض أن تمسح دموعك، لكنها كانت تؤلمك
عن المدرسة التي دخلتها وأنت تخجلين من ثيابك
عن المرات التي احتجتِ فيها إلى شيء بسيط، فشعرتِ أنك تطلبين أكثر مما تستحقين
أخبريه عن خوفك
عن وحدتك
عن كل مرة قلتِ فيها: سأخبر الله بكل شيء ولم نجد نحن من يسمعك
ثم أسكت
وأظل أنظر إلى شرفتها طويلًا
وأفكر في سؤال لم يغادرني منذ ذلك اليوم
كيف يمكن لطفلة أن ترحل، بينما يبقى الذين أحاطوا بها أحياءً؟
ربما لأن الموت ينهي حياة الإنسان، لكنه لا ينهي الأسئلة التي تركها وراءه
وجنات لم تترك وراءها موتًا فقط
تركت سؤالًا
سؤالًا ثقيلًا سيظل معلقًا في ضمير كل من عرفها
كم طفلةً مثل جنات تبكي خلف نافذة، بينما يمر العالم من أمامها ولا يتوقف؟

النهاية

شاهد أيضاً

كل يوم جمعة قصائد من رعشة القمر للشاعر والزجال محمد بلغازي (لوحة خارج الإطار)

كتب/ محمد بلغازي  قزحية أنت .. مادة وتدرج ألوان لوحة تختالين خارج الإطار تثيرين الإستغراب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *