رشيد الياقوتي يكتب : اليسار الملتحي: شعبوية دينية بواجهة تقدمية
رشيد الياقوتي
17 يناير، 2026
كتب / رشيد الياقوتي
كنا نشكو من آفة «الأوليݣارشية»، من تحكُّم القلة في الثروة والقرار، ومن زواج المال بالسلطة في غُرف مظلمة لا يدخلها الضوء ولا الضمير.
اليوم، ويا لسخرية الأقدار المدبَّرة من فعل فاعل بشري، نواجه آفة أشد خطرا على الوطن. نواجه آفة “اليسار” الملتحي. المقصود هنا طبعا لا يمتّ بصلة إلى اليسار كما استوعبناه ذات صحو فكري: فكر نقدي تحرري وحامل لقيم الإنسانية والكرامة. أصحاب الآفة الجديدة فئة ضالة من المتياسرين المنافقين والانتهازيين، اكتشفوا فجأة أن اللحية قد تتحول إلى رأسمال رمزي يقود إلى الكرسي والمال. فئة أو آفة (سيان) تشتم «التطبيع» وتسير في مسيرات مليونية نصرة لغزة. غزة التي أضحت علامة تجارية قابلة للتوظيف، يقتات منها على حد سواء «المؤمن» والملحد، اليساري واليميني، الثوري ورجل الأعمال، وكل من وجد في الدم مادة للخطابة، وفي المآسي الإجتماعية فرصة سانحة للتموقع. أما العقائد السياسية فقد انزلقت إلى درك من العبث المقيت. لا أثر لإيمان حقيقي أو التزام أخلاقي؛ مجرد شعارات محفوظة تُستدعى عند الحاجة، ثم تُركن جانبا بعد انتهاء العرض.
إن الخطر الحقيقي يندلع حين تُساق قطعان من “المُتياسرين”، ضمن عقد تجاري مدفوع الأجر، إلى مسلخة المواطن و مهلكة الوطن. حين تُنسب زورا وبهتانا إلى اليسار؛ وحين يُدفع بها إلى وأد مشروع الدولة المدنية، تحت يافطات جذابة من قبيل «الديمقراطية الشعبية» و«إرادة الشارع»، باعتبارها التعبير الأسمى عن انتظارات الجماهير.
وسط هذا الصخب الإيديولوجي، يغيب الفاعل الأهم: المواطن المغربي. ذلك السواد الأعظم من المواطنين ممن أنهكتهم الشعارات الجوفاء وأفقرتهم الوعود الكاذبة. المواطن البسيط لا ينتظر المعجزات ولا يراهن على الخطب الرنانة. لقد أمسى مطلبه واضحا وبسيطا. العيش بكرامة، بتوفير بتوفير الشغل والخدمات الاجتماعية الأساسية. هذا المواطن فقد ثقته في الأحزاب كما فقد ثقته في الزعماء وكفر بكل المعتقدات السياسية، بفعل الخيبات المتراكمة. ولم يبق له من رهان سوى تعاقد سياسي حقيقي، يكون واضحا ومباشرا، تُقاس فيه السياسة بالحصاد والمثمر في الواقع. لا يريد المواطن مبشرين يبيعون الوهم وهم يمهدون الطريق لوصاية جديدة من على المنابر.
إننا للأسف نشهد بوادر مسرحية جديدة تلوح في الأفق السياسي. عرض شيطاني يسعى إلى نسف كل مشروع عقلاني يروم ترسيخ الدولة المدنية، دولة تُدار بالعقل لا بالعواطف الجياشة. دولة قوامها المواطنة لا الولاء للشيوخ أو الملالي. دولة تحكمها القوانين لا الفتاوى التي تستمد وصاياها من الأزمنة الغابرة. المواطن اليوم لا يحتاج إلى أوصياء جدد، ولا إلى ثوريين جدد، ولا إلى خطباء يقتاتون من المآسي. ما نحتاجه، بكل بساطة، سياسة تستعيد معناها الأصلي من خلال خدمة الصالح العام.
أمام هذا الانسداد وتحت هذا السقف السياسي الملبد بالغدر والتواطؤات الخبيثة، يصبح التعاقد بين القوى الديمقراطية الحقيقية ضرورة لا تقبل التأجيل. تعاقد واضح و مسؤول، بتعبئة الشعب من أجل الدفاع عن مشروع دولة المدنية كاملة الأركان. دولة القانون والمؤسسات، دولة المواطنة الكاملة، دولة تحمي الإيمان من التوظيف وتصون السياسة من القداسة.
إنه نداء إلى ديمقراطيين سئموا لعب أدوار ثانوية في مسرحية الشعبوية، وإلى يسار استُهلك اسمه في معارك لا تشبهه، وإلى ليبراليين أدركوا متأخرين أن السوق، من دون دولة عادلة، لا يصنع حرية. كفى دورانا في حلقة ملغومة ترهن الوطن بأفق معتم بدون ضمانات آمنة. وكفانا رهانات خاسرة على شارع يخدر الوعي بأوهام تستشري، بديلا عن السياسة بمفهومها العقلاني والمدني.
رشيد الياقوتي
الرباط 16 يناير 202
2026-01-17