كبار السن كرامة وسعادة
سارة طالب السهيل
22 أكتوبر، 2025
كتب / سارة طالب السهيل
في عالم يلهث خلف المال والمصالح، يصبح كبار السن جريمة يعاقب عليها الإنسان بالنسيان والإهمال. في الخامس عشر من يونيو من كل عام، يرفع العالم صوته في “اليوم العالمي للتوعية بإساءة معالة المسنين” كصرخة مدوية لإنقاذ كرامة من وهبوا حياتهم لبناء الأوطان والأسر، فوجدوا أنفسهم في شيخوختهم أمام خيارين مريرين: الصمت على الألم أو الموت ببطء.
هو مناسبة لإلقاء الضوء على معاناة كبار السن الذين يعانون الإهمال، والعنف الجسدي والنفسي، والاستغلال المالي. ففي وقت يُفترض أن يكونوا فيه في كنف الرعاية والاحترام والتقدير لما قدموه في حياتهم، نجد أن بعضهم يعيش في صمت مُطبق، يحملون آلامًا لا يجرؤون على البوح بها.
هذه ليست مجرد قضية إحصائية أو حقوقية، وليست مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل هي اختبار حقيقي لضمير الإنسانية والمجتمعات. فكيف لنا أن نتشدق بالتقدم والحضارة وبقيم التضامن، بينما نهمل آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا ممن وهبوا حياتهم لبناء المستقبل يعانون في صمت؟ كيف نطالب بالرحمة، ونحن نغض الطرف عن دموع كبار السن؟
إحصاءات وأرقام
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن واحد من كل ستة مسنين يتعرض لشكل من أشكال الإساءة، سواء في المنزل، أو في دور الرعاية. وتتنوع هذه الانتهاكات بين
1- الإساءة الجسدية من الضرب أو الحبس أو الحرمان من الطعام والدواء حيث تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 16% من المسنين يتعرضون للعنف الجسدي بدءا من الضرب المبرح، وصولا إلى الحبس في الغرف أو حرمانهم من الأدوية الأساسية والطعام.
في إحدى دور رعاية المسنين بالقاهرة في أثناء زياراتي المتكررة لها وجدت سيدة عجوز مقيدة بسلاسل إلى سريرها بحجة منعها من الحركة خوفا عليها من السقوط. وهذا لا يعني أنه لا يحدث في البلدان كلها، وقد زرت دور المسنين في بلدان كثيرة، ولم يكن حالهم أفضل.
2- الإساءة النفسية: الإهانة، التهديد، العزل الاجتماعي أو القتل البطيء بالكلمات القاسية والجارحة مثل “أنت عالة “، ” ليتك متّ قبل أن تثقل كاهلنا “، ” ما عدت تفهم شيئاً”. أنت لا تسمع أنت ذهب زمنك هذه العبارات التي تقال يومياً لكبار السن في العديد من الأسر وهي جرح نفسي غائر لا يندمل.
أكدت دراسة أجرتها جامعة هارفارد عام 2022 أن المسنين الذين يتعرضون للإهانة المستمرة أكثر عرضة للاكتئاب بنسبة 70%.
3- الإهمال بتركهم دون رعاية طبية أو نظافة شخصية وهو الموت بصمت. في قرية نائية بالمغرب، عُثر على “الحاج أحمد” (82 عاماً) ميتاً في بيته بعد ثلاثة أيام من وفاته. جيرانه قالوا ” أبناؤه في المدينة، وكانوا يزورونه مرة في السنة “. هذه ليست قصة فرد، بل نموذج لواقع مرير يُسمى ” الإهمال ” حيث يُترك المسن دون طعام، دواء، أو حتى زيارة أشبه بـ” الحكم بالموت المؤجل.
4- الاستغلال المالي الاستيلاء على ممتلكاتهم وسرقة مدخراتهم أو معاشهم الشهري تشير تقارير منظمة العفو الدولية عام 2023 أن 40% من حالات العنف ضد المسنين في العالم العربي مرتبطة بالاستيلاء على ممتلكاتهم. وقصة “أمينة” (75 عاماً) من الأردن التي طردها ابنها من البيت بعد نقل ملكية شقتها إليه، لتقضي أيامها الأخيرة في ملجأ، ليست سوى مثال من آلاف الحالات.
في بعض الثقافات، تُعتبر معاملة المسنين بهذه الطريقة “عارًا” يجب إخفاؤه، مما يزيد صعوبة اكتشاف الحالات والإبلاغ عنها.
من القصص التي لا تنسى؛ لأن الأرقام ليست مجرد إحصاءات
<span;><span;>- قصة “ست الحسن التي باعها أبناؤها ” في سوريا، عاشت “ست الحسن” (80 عاماً) في شقة متواضعة ورثتها عن زوجها. عندما اشتدت الأزمة الاقتصادية، اتفق أبناؤها على بيع الشقة وإيداعها في دار للمسنين. تقول وهي تمسح دمعتها “ربيتهم في حلال، فتركوني في دار غرباء”.
<span;><span;>- قصة “عبدالرحمن ضحية بيت العائلة ” في السعودية، تنازل “عبد الرحمن” (78 عاماً) عن حقوقه في بيت العائلة لأبنائه مقابل “الرعاية”. بعد سنوات، وجد نفسه مطروداً إلى الشارع. اليوم، يعيش في “دار الراجحي الخيرية” ويقول” لو عرفت أنهم سيفعلون بي هذا، لكنت اشتريت قبراً بدلا من البيت”.
<span;><span;>- قصة “أم علي الضحية الصامتة ” في إحدى القرى العربية، عاشت “أم علي” (78 عامًا) سنواتها الأخيرة في غرفة مظلمة، محرومة من العلاج والزيارات بعد أن تخلَّى عنها أبناؤها. اكتشف جيرانها حالتها بالصدفة عندما سمعوا بكائها، وتدخلت جمعية خيرية لإنقاذها. تقول بمرارة ” ربيتهم على عيني، واليوم نسوني مثل حجر بالشارع”.
<span;><span;>- قصة “الحاج محمد ضحية الجشع ” في بلد عربي آخر، سُلب ” الحاج محمد” (82 عامًا) بيته ومعاشه من قبل أحد أقاربه، وترك في الشارع أيامًا حتى أنقذه أحد المارة. اليوم، يعيش في دار رعاية، لكن جراحه النفسية لم تلتئم.
إهانة المسنين قضية مصيرية
أعتقد أن مبررات التي تجعل من إهانة المسنين وإذلالهم قضية مصيرية متعددة منها.
1- الزيادة السكانية لعدد المسنين مستقبل لا يمكن تجاهله مع ارتفاع متوسط العمر عالميا نحتاج إلى سياسات حماية فعالة.
حيث بحلول عام 2050 المسنين سوف يشكلون 22% من سكان العالم العربي (حسب إحصائيات الأمم المتحدة) وهذا يعني أن عدم وجود أنظمة حماية اليوم سيفجر أزمة إنسانية غير مسبوقة غداً.
2- الإساءة إلى المسنين تكبد الدول مليارات وهي تكلفة اقتصادية باهظة يكفي أن نعلم أن علاج إصابات المسنين الناتجة عن العنف معهم يكلف المؤسسات الصحية العالمية ما يوازي 5،3 مليار دولار سنويا طبقا لتقارير منظمة الصحة العالمية 2023 .
3- الأبعاد الدينية والأخلاقية والاجتماعية إساءة معاملة المسنين تحول القيم إلى شعارات لا قيمة لها فارغة من محتواها كل الديانات السماوية سواء التوراة أو الإنجيل أو الإسلام أمرت ببر الوالدين، لكن الواقع يقول إن 48% من المسنين في عالمنا العربي يشعرون بأنهم “عبء” على أسرهم (دراسة للمركز العربي للأبحاث 2023).
4- العدالة الإنسانية، المسنون هم آباؤنا وأجدادنا الذين ضحوا بالكثير من أجلنا لنعيش سعداء، ومن واجبنا رد الجميل لهم.
5- للتأثيرات الصحية أن الإساءة تزيد مخاطر الوفاة بين المسنين وفقا للدراسات الطبية.
أمام هذه الصورة القاتمة والقاسية لا بد من أدوار يجب أن تلعبها كل الأطراف وهي.
1- دور الإعلام بكسر حاجز الصمت وهو دور محوري بانتقاله من عملية الترفيه إلى التوعية، وهذا يكون بكسر تابوهات الخزي والعار خاصة أن كثيرين لا يبلغون عن الإساءة خوفاً من “الفضيحة”. هنا يأتي دور الإعلام في نشر قصص واقعية وكشف القصص المأساوية التي تحدث خلف الأبواب المغلقة وكذلك تثقيف المجتمع حول حقوق المسنين عبر برامج توعوية مع نشر ثقافة الرحمة والإنسانية بدلا من القسوة والعنف، من خلال حملات إعلامية مؤثرة مثل حملة “جروح الشيخوخة ” التي بثتها قناة MBC ومثال آخر على ذلك، حملة ” لا تسكت عنهم” التي أطلقتها إحدى الجمعيات الخليجية، وسلطت الضوء على حالات مسنين تعرضوا للطرد من منازلهم.
كذلك من خلال البرامج التفاعلية كما في برنامج “وعد الشيخوخة” بقناة الجزيرة الوثائقية الذي عرض نماذج ناجحة لرعاية المسنين.
2- دور الحكومات من خلال سن القوانين الرادعة من أجل حماية المسنين وتجريم إساءة معاملة المسنين وتعريضهم للخطر مثل قانون “حماية كبار السن ” في الإمارات، وقانون ” كرامة المسن” في تونس الذي يجرم حرمان المسن من الميراث والسكن. وإنشاء محاكم مختصة كما في المغرب حيث تدرس حالات العنف ضد المسنين في دوائر قضائية سريعة.
كذلك دور الحكومات أن توجه القطاع الصحي لتدريب الكوادر الطبية على اكتشاف علامات الإساءة، بالإضافة تشديد الرقابة على دور الرعاية المختلفة لمنع انتهاكاتها ضد المسنين.
لكن المشكلة أن بعض الدول لا تملك تشريعات كافية، أو أن القوانين لا تُنفذ بصرامة. ورأيي الشخصي أهم من سن القوانين هو تطبيقها.
3- دور المنظمات الأهلية والمجتمع المدني، وهم يمثلون جيش الرحمة فهم صوت من لا صوت له ودورها حيوىومؤثر من خلال تقديم الدعم النفسي والمادي والقانوني للمسنين الذين يتعرضون للإساءة عبر إنشاء مراكز لإيواء المسنين المطرودين من أسرهم، الملاجئ الآمنة مثل “دار أمان المسنين” في مصر التي تستقبل حالات الطوارئ، وتوفر له الرعاية الشاملة.
كذلك حملات التوعية المباشرة في كل مكان وخاصة في القرى والأحياء الفقيرة، وخطوط المساعدة الساخنة مثل خط “يد العون ” في لبنان الذي يتلقى أكثر من 200 بلاغ شهريا. كما أطلقت جمعية ” رعاية المسنين ” في مصر خط نجدة للإبلاغ عن حالات الإساءة إلى المسنين، وساعدت على إعادة حالات كثيرة من المسنين إلى أسرهم بعد توعية الأهل.
الشيخوخة قدرنا
اليوم العالمي للتوعية بإساءة معاملة المسنين ليس مجرد يوم، بل تذكير وتأكيد بأننا جميعا في طريقنا إلى نفس المصير والمرحلة. الشيخوخة قدرنا جميعا إذا كنا نريد شيخوخة كريمة، فلنبدأ اليوم باحترام من وهبونا حياتهم. إذا لم ننصفهم اليوم، فمن سينصفنا غدًا؟ يجب أن تتحول التوعية إلى فعل، والقوانين إلى حماية حقيقية، والإعلام إلى صوت يفضح الظلم. لأن المجتمع الإنساني يُقاس بمدى رحمته بضعيفه.
“إنما يرحم الله من عباده الرحماء” فهل سنكون رحماء كي يرحمنا الله؟
أخيرا وليس آخرا
يجب أن يعيش المسنون في بيئة توفر لهم رعاية صحية شاملة (بدنية ونفسية)، وأمانًا ماليًا (معاشات كافية وتخفيضات)، ودعمًا أسريًا ومجتمعيًا (لمنع العزلة)، مع ضمان سكن آمن وحماية قانونية تحفظ كرامتهم، وتمنع الإهمال أو العنف، بالإضافة إلى إتاحة فرص للمشاركة الاجتماعية والترفيه المناسب، كل ذلك مع احترام حقوقهم الدينية والروحية واختياراتهم الشخصية لضمان شيخوخة كريمة وسعيدة.
من حق المسن العيش بسعادة والاستمتاع بحياته، فالسعادة ليست رفاهية، بل جزء أساسياً من كرامته وحقه في حياة مُرضية. ويتحقق ذلك من خلال توفير أنشطة ترفيهية تناسب قدراته، مثل الرحلات، الحفلات، والألعاب البسيطة، وتشجيعه على ممارسة هواياته المفضلة كالرسم، القراءة، أو الزراعة. كما يسهم دمجه في المجتمع عبر المشاركة في المناسبات الاجتماعية وتخصيص مساحات للتواصل والضحك وتبادل الذكريات، في إشعاره بالانتماء والاستقرار النفسي.
الشيخوخة ليست نهاية المرح، بل مرحلة جديدة لاستكشاف الفرح بطرق مختلفة.
2025-10-22