الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 20:51:41
أخبار عاجلة
هاروان ريد يحط بالرباط للتعريف بحركة نيو كوديزم® (Neo Codisme) الفنية من 13 إلى 20 أكتوبر 2026 بالمسرح الوطني محمد الخامس المحامون يعودون للمحاكم لممارسة مهامهم بعد فترة توقف شامل لأزيد من 4 أشهر احتجاجا على القانون المنظم للمهنة ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى( أستاذنا الغالي سي الزياني .. مربي الأجيال و رفيق الحروف .) عاجل …تعيينات جديدة في مناصب المسؤولية بمصالح الأمن الوطني بمدن وجدة والقنيطرة وفاس وإيموزار كندر وتطوان وطنجة وأيت ملول وإنزكان وورزازات وجرف الملحة ومشرع بلقصيري، الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، قائد المنطقة الجنوبية يستقبل بالرباط رئيس أركان القوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة فرقة محاربة العصابات بولاية أمن فاس تضرب بقوة  ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى( السي الحاج الدرعاوي ..أيقونة الجد والاجتهاد ..) الدكتورة منال إمام تكتب: أكتوبر 1973.. حين تكاملت البندقية مع الدبلوماسية: الاستاذة السعدية بنسهيلي تكتب: اليوم العالمي للمدرس 5 اكتوبر له اكثر من دلالة تربوية و سياسية و اجتماعية و ثقافية قيمية حكايات من هجوم الغربان للاديب والكاتب المصري محمد إبراهيم الشقيفي  (رجال الظل)
الرئيسية / أقلام وأراء / بلاغة الخطاب السردي في الرواية السعودية للكاتب عزيز العرباوي (البناء السردي والتفاعلات الخطابية في رواية “طوق الحمام” لرجاء عالم)

بلاغة الخطاب السردي في الرواية السعودية للكاتب عزيز العرباوي (البناء السردي والتفاعلات الخطابية في رواية “طوق الحمام” لرجاء عالم)

كتب – الكاتب والباحث عزيز العرباوي 

الفصل الأول: البناء السردي والتفاعلات الخطابية في رواية “طوق الحمام” لرجاء عالم:

تــــقـــديــــم:

إن الحديث عن السرد في الرواية عموماً، يعني الحديث في الوقت نفسه عن السارد وعن وجهات النظر أو ما يسمى (بالرؤى) في الحكاية، تلك الظاهرة الفنية التي أعارها النقد في القرن العشرين أهمية لم تكن لها من قبل، بسبب صلتها الشديدة بمستويات العبارة، وبالطريقة التي يعرض فيها الكاتب أحداثه.‏ ويذهب معظم النقاد، الذين تناولوا هذا الموضوع، إلى أن القيمة الأساس للعمل الروائي تكمن في (الرؤى). فقد اعتبر برسي لوبوك “مجمل السؤال المعقد عن الأسلوب في صنعة الرواية محكوم بالسؤال عن وجهة النظر، السؤال عن علاقة القصة بها”.‏ وأكد فرانك كرمود هذا المعنى بقوله: “فإذا تابعت الحديث عن السرد القصصي بشكل حسن فهذا يعني أنك ستحسن الحديث عن الرواية”، أما تزفتان تودوروف فيضع الرؤى في المرتبة الأولى من الأهمية في العمل الأدبي، إذ يقول: “ففي الأدب لا نواجه أحداثاً أو أموراً في شكلها الخام. وإنما نواجه أحداثاً معروضة بطريقة ما وتتحدد جميع مظاهر أي شيء بالرؤية التي تقدم لنا عنه.

ومن أجل تحقيق هذه القضايا في العمل الروائي، ينبغي علينا أن نحدد العديد من الرؤى السردية، والعناصر المكونة للبناء السردي في الرواية (الأحداث، الزمن، المكان، الشخصيات، الترهين السردي…)، خاصة وأن الدراسات النقدية الحديثة والمعاصرة التي تتعاطى مع الرواية عموماً، لا تغفل هذه القضايا في أبحاثها، بل تضعها في إطارها الخاص، من خلال البحث عن أهم المنطلقات المحققة لها. ويعتبر كتاب “الزمن والرواية” لجان بويون، أحد الإسهامات النقدية البنيوية المهمة في دراسة هذا المظهر من العمل الأدبي، بعد دراسات لوبوك وبوث. وقد صنف بويون (الرؤى) إلى ثلاثة أنواع، هي:

  • الرؤية من الخلف: وتتميز بأن الشخصية فيها، لا تخفي شيئاً عن السارد، فهو يعرفها معرفة تامة ويخترق جمجمتها ويتنبأ بأفكارها.‏

  • الرؤية مع: وتسمى أيضاً بالرؤية (المجاورة) وتتميز بأن معرفة السارد فيها تساوي معرفة الشخصية عن نفسها.

  • الرؤية من الخارج: وتقتصر معرفة السارد فيها على وصف أفعال الشخصية، ولكنه يجهل أفكارها ولا يحاول أن يتنبأ بها.‏

ولتحقيق ذلك، علينا أن نبحث في أهم المحطات المحققة لهذه العناصر في رواية “طوق الحمام” للكاتبة السعودية رجاء عالم التي تركت بصماتها في الكتابة الروائية عبر إبداعها لنصوص سردية متميزة ومن خلال حضورها اللافت في الصحافة السعودية..

  • الزمن وسيرورة الأحداث:

إن الحدث الحي يعيش في الماضي، وإلا ما كان حدثاً منتهياً، فالتخييل في العمل الروائي دون استحضار الأحداث لا يشكل حدثاً في حد ذاته، لأنه في حاجة ماسة للاستناد إلى الواقع. فالحدث يقوم إذن في الماضي، ويمنح انعكاسه في تطاول السياق للحاضر والمستقبل، وفي الإسقاط الخاص، وفي ذلك يقول الكاتب العربي حنا مينة: “نستطيع أن نجعل القارئ يقرأ ما بين السطور، ويفهم الرمز الدال على أن الكلام على الماضي يقصد به الحاضر، والقصد، في الرمز كما في الأسطورة، يسبغ على العمل الأدبي متعة ورؤية، وبكلمة أخرى، فكرة تترسخ في الذهن، وبقدر ما تكون السوية الفنية جيدة، والحل المرتقب بارعاً، تؤثر الفكرة، وتشكل رأياً في الأحداث يتطلب اتخاذ موقف منه، أو يكشف للمرء الحقيقة المضمرة، أو الغائبة، تاركاً له تحديد موقف منها، والعمل يبدأ، دائماً، بفكر يتحول إلى موقف، ومنه يكون الانطلاق إلى أيما إبداع. فالحدث الروائي لا بد أن يعيش في الذات الإبداعية، بعد أن يكون قد انبثق فيها، والعيش المقصود هو التخمر، هو الابتعاد عن الآني، كي أستطيع رؤيته من بعيد، هو النظر إلى الجبل من مسافة بعيدة عنه، لنراه بحجمه وحقيقته الكاملين، هو الانزياح عن وطأة اللحظة المأزومة التي كثيراً ما تجرف الكاتب في تيار حماستها”.

وتتوقف القدرة على السرد في طريقة اختيار الروائي للأحداث، وجعلها سلسلة متصلة الحلقات من الوقائع، تسير نحو غاية محددة، ومدى تعبيرها عن الرسالة التي يُريد إيصالها للمتلقي. ومعروف أن الحدث هو الموضوع الذي تدور حوله القصة، وهو مجموعة من الوقائع الجزئية المترابطة، وهذا الترابط هو الذي يميز العمل القصصي عن أي حكاية يروي فيها شخص لصديقه ما وقع له من أحداث، فأحداث القصة الفنية لها إطار عام، يدفعها في تسلسل إلى غاية محددة.

تدور أحداث الرواية حول جثة (عزة)، في لغة مفعمة بالصور والمجاز والرمز والإيحاء. من خلال سرد بوليسي ميلودرامي، تجول من خلاله بين أمكنة وأزمنة لا تربط بينها سوى دأب الكاتبة للحفاظ على هالة تراث الأرض المقدسة. تختلج في سطورها لوعة العشق، وتؤججها الحرقة على مكة. وعشاق المكان متباينون، موءودات تخنقهنّ زحمة القيود، وشباب بأحلام مجهضة، في مقابل آخرين يشوهون عراقة “أم القرى”، ويتاجرون بالمقدس، ويعتبرون أنفسهم ورثة مكان لا يملكه أحد. الجثة التي عثرت عليها إحدى شخصيات الرواية “معاذ المصور”، وُجدت عارية ومشوهة الوجه. تدخل الكاتبة في دهاليزها بغية البحث عن القاتل، السبب، و هوية الجثة التي رشّحت واحدة من بين فتيات زقاق “أبوالرووس” الغائبات عنه أن تكون هي! الجثة التي أضحت في الرواية محرك الوعي وحافز تعرية الفساد السلطوي. أما مكان أحداثها، فيسمى زقاق “أبوالرووس”، شاهد وراوٍ، وليس مجرد مكان يسجل ساكنوه انطباعاتهم عنه. يجول خلف الأبواب المغلقة، ينصت إلى أسرار الفتيات، ينهل من الماضي ليسقي عطش الحاضر توقاً لمستقبل يليق بالمدينة. ينظر الراوي بعين حزينة تئن وجعاً على ما يصيب مدينته، القتل والاحتيال ونصب المكائد حول هذا الحرم المكي، بغرض الاستثمار والكسب المادي.

وتفسر رجاء عالم في الرواية سبب تسمية الحي “أبوالرووس”، فترجعه إلى واقعة شهيرة في عهد أحد أشراف مكة، إذ علقت في أطراف الزقاق أربعة رؤوس لرجال أدينوا بتهمة سرقة كسوة الكعبة، بعد ما استغلوا فرصة الاحتفال بموكب المحمل المصري، وخروج الشريف وعسكره لاستقبال المحمل مع أعيان مكة، فسرقوا الكسوة القديمة، ولكن ألقي القبض عليهم، وعلقت رؤوسهم في الزقاق. يسعى المحقق والضابط ناصر إلى تبديد غموض الجريمة، فيقوده ذلك إلى ولوج عوالم عائشة وعزة، ابنتي الزقاق الغائبتين، إذ يعثر على رسائل إلكترونية خاصة بعائشة، كتبتها إلى حبيبها الألماني، ويظل ناصر يطالعها في كثير من صفحات الرواية: “لنتذكر أن الحب كالحياة، أوله هزل وآخره جد. وأنه يعدي بالصوت والرائحة، لذا يجب أن لا نحاربه، بل نفتح حواسنا ونشحذها لتلقي غزوه، ونستسلم له حين يعيد صياغتنا وتحويرنا”. المتهم الأول بالجريمة هو يوسف، ابن الزقاق، صحافي في إحدى الجرائد السعودية، عاشق لتراب مكة ولعزّة حبيبته، الثائر الذي اتهم بالجنون والإلحاد رغم أنه أخذ من الحرم بيتاً له، وخصوصاً بعد ما اقتحم المسجد في صلاة الفجر، واختطف مكبر الصوت من الإمام، وقال: “أنتم أهل الزقاق يا من أحب وأكرس مقالاتي لطرح قضاياهم الخاسرة. أنتم سرقتم حياتي. خنقتم كل روح شابة في الزقاق. أنتم عصبة ضد الحياة، من المنافقين والكاذبين. تسموننا نحن شباب أبوالرووس، تحولتم لزقاق من الجواسيس تتجسسون على أشد نوايانا وأحلامنا حميمية، ولقد نجحتم في تحويل لحظاتنا الخاصة إلى جحيم، ومع ذلك تجرؤون على الوقوف بين يدي الله في صلاة تذاع بمكبرات الصوت خمس مرات يومياً، تصلون متوسلين أن يدخلكم فسيح جناته وقد ضيقتم علينا الحياة…”، موجهاً احتقاره إلى الشيخ مزاحم: “أنت بيسراك تبني سجناً وبيمناك تبني مسجداً وتخطب مبشراً بالإيمان، أي إيمان؟ الإيمان ببنت تئدها كل يوم، يعلم الله أنك ستحاسب أمامه يوم الدين على هذا الركوع والسجود… لا أحد منا يدرك معنى أن نكون مجاورين لبيت الله الحرام، وما يقتضيه هذا الجوار من أن نحتفل بالحياة أم نحاربها؟”. فينهال رجال المسجد عليه بالضرب فور انتهاء كلمته. و ينتقل بعد ذلك إلى مستشفى الأمراض النفسية. تصوّر الرواية جو انقباض الروح في المستشفى، والعالم الصعب الذي يعيش فيه المرضى. يتعرض يوسف لجلسات كهربائية كثيرة، ويخرج بعد فترة”.

يخبرنا الزمن هنا عن آليات اشتغاله وعن وظائفه التي ينهض بها عموم البناء الروائي، حيث تنكشف للقارئ العلامات الزمنية الدالة في النص والوقوف على طبيعة الوظيفة البنيوية التي يقوم بها السرد عموماً. إن الزمن الروائي باعتباره متعدد المظاهر والوظائف، قد دفع الباحثين إلى الاجتهاد أكثر للتعرف على ماهيته وإدراك كنهه دون الاكتفاء بتحديد موقعه داخل النص وعمله. حيث يعتبر الشكلانيون الروس أول عمل على إدراج الزمن في نظرية الأدب، وقد اهتموا بمعالجته في عملية السرد من خلال التمييز بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي، وفي هذا الإطار يرى الناقد المغربي حسن بحراوي أن “الأول لا بد له من زمن ومنطق ينظم الأحداث التي يتضمنها، أما الثاني فلا يأبه لتلك القرائن الزمنية والمنطقية قدر اهتمامه بكيفية عرض الأحداث وتقديمها للقارئ تبعاً للنظام الذي ظهرت به في العمل”.

يرى آلان روب غرييه، حسب ما جاء في مقال لزياد أبو لبن، أن الزمن أصبح، منذ أعمال بروست وكافكا، هو الشخصية الرئيسية في الرواية المعاصرة بفضل استعمال العودة إلى الماضي وقطع التسلسل الزمني وباقي التقنيات الزمنية التي كانت لها مكانة مرموقة في تكوين السرد وبناء معماره. وقدّم رؤية جديدة لزمن الخطاب في الرواية.

يقسم تودوروف الزمن في العمل الروائي إلى زمن داخلي، وزمن خارجي، ويصنّف الأزمنة الداخلية إلى ثلاثة:

– زمن القصة: وهو الزمن الخاص بالعالم التخيلي، وهو الزمن الذي استغرقته الأحداث المتخيلة في وقوعها الفعلي.

– زمن الكتابة أو السرد: وهو مرتبط بعملية التلفظ، وهو زمن الحكاية، وهو الزمن الملفوظ، أو المكتوب، الذي يعرض الراوي فيه لتلك الحوادث، عرضاً يجعلها قابلة للقراءة في الحدود التي يسمح بها الوقت، من جهة، والحدود التي تسمح بها أداة التعبير، وهي اللغة، من جهة أخرى.

– زمن القراءة: ذاك الزمن المرتبط بقراءة النص.

أما الأزمنة الخارجية (أزمنة خارج النص)، وهي ثلاثة أيضاً:

  • زمن الكاتب: وهي المرحلة الثقافية والأنظمة التمثيلية التي ينتمي إليها المؤلف.

  • زمن القارئ: وهو المسؤول عن التفسيرات الجديدة التي تعطي لأعمال الماضي.

  • الزمن التاريخي: يظهر في علاقة التخيل بالواقع.

في حين قامت فرانسواز روسم على عرض زمن التخيل مقابل زمن الحكي في كتابها “نقد الرواية”، وذلك من أجل إبراز الفروق بينهما، حيث جعلت للأول وللثاني معاً وظائف معلومة يقوم بها في الخطاب الروائي. فزمن التخيل قد يتخذ مظهراً عالمياً كالإشارة إلى الفصول والأيام والشهور… أو مظهراً مدنياً باستعمال اليوميات… أو حتى نفسياً عند إثارته للذكريات والمشاريع والأفعال وأحاسيس الشخصيات، وحتى مظهراً تاريخياً مع التحف والأعمال الفنية… أما زمن الحكي فيضمن التتالي المنظم للأوصاف، ويتحكم في صياغة وجهات النظر، ويساعد على التدخل التدريجي والمرحلي لمختلف المتواليات الزمنية. إن زمن الحكي هو المسؤول الأول عن التحولات التي تلحق الحوافز التيماتيكية. فجيرار جينيت قد درس الزمن داخل الرواية من خلال الثنائية الزمنية: زمن الشيء المروي وزمن السرد، والتي تكشف لنا التعارض بين زمن القصة وزمن الحكي، ويرى في ذلك أن نسعى إلى تحديد المكان الذي تدور فيه الأحداث، بينما يكون صعباً بل مستحيلاً إهمال العنصر الزمني الذي ينتظم عملية السرد.

إن الحديث عن الزمن يتطلب منا الحديث عن ملامسة الزمن الفيزيائي المرتبط بالواقع المحسوس من خلال الشكل الخاص الذي يمنح الكون المادي زمناً يحمل أبعاده الثلاثة المعروفة وهي: الماضي، الحاضر والمستقبل. هذا الفهم الفيزيائي للزمن لا يمكننا ملامسته أو الإنصات إليه وإلى حركته الدينامية إلا من خلال الارتباط بالضرورة بأحداث الرواية، حيث يسعى الروائي إلى إيجاد طريقة يحرك بها هذا الزمن. وبالتالي لا يمكن إيجاد أي عمل روائي يخلو من الزمن كمكون أساسي، “سواء أكان زمناً فيزيائياً أم زمناً نفسياً يهتم بعالم الشخصية الداخلي، كأن تسترجع الشخصية الروائية زمناً معيناً أو حادثة معينة يسهم في تكوين الحدث وتدعيمه، أو تتخيل شيئاً تتمناه أن يحدث ساعة زمنية الحدث الروائي”.

إن كلامنا عن الزمن في الرواية ينطلق من تحليل زمن الفترة التي تقع فيها الأحداث، والتي يعمل الروائي على تسجيلها من خلال معالجته للحدث وكشفه، حيث نجد الروائية في هذا الصدد، تستغرق في العيش في زمن الحكاية لتحقق نجاح الفكرة المراد توصيلها وتحديدها تحديداً واضحاً. فالزمن الذي نهدف إلى تحليله هنا، هو الزمن الحكائي الذي يدفع الروائية إلى التعامل مع الزمن الفيزيائي تعاملاً يفرض عليها التحول في الأزمنة الثلاثة والتأرجح بينها، مما يجعلها مدركة لأهمية الزمن وعلاقته بالأحداث في الرواية.

إن مناقشة زمن أحداث الرواية، والنظر المتمعن في كل زاوية ورؤية زمنية تطرحها الروائية رجاء عالم في نصها، تمر عبر الدخول إلى علاقة هذا النظر بالزمن اليومي، فكاتبة الرواية حين تضع مثلاً زمناً معيناً لأحداث معينة في روايتها، فإنها ترغب في الإخفاء وإبعاد الشبهة أو الرغبة في عدم الرؤية كما هو الحال في استحضار الليل، “يا، أفرجتُ عن الثوب، ولليلة كاملة مضيتُ أكشط سترة الكريستال عن رهافة الدانتيل، شعرتُ يا… بالنشوة حين وقفتُ أمام المرآة بكتفيَّ عاريين، صعدتُ للسطح، وقفتُ على برميل صغير يمثل تلك المنصة الأولى، وتركتُ لليل مكة أن يتناوب والدانتيل على لعق جذعي…”.

أما إذا تناولت الزمن نهاراً فإنها تريد كشف الحقيقة وطرح البديهيات والمسلمات من دون تردد أو خوف، “بعض المصلين الشبان تقدموا بحذر في محاولة لانتزاع مكبر الصوت من يد يوسف المرتجفة، من لا مكان انبثقت عزة تركض في عباءتها بطول أبوالرووس، ترددت أمام باب المسجد، شاءت، بل تاقت لدفع جموع الرجال والنفاذ إلى يوسف، لتهدئته، لكن خوفاً مثل رفيف حمامة منعها من التقدم”.

لهذا نرى فعل الجنس مثلاً وحتى الممارسة بين الذكورة والأنوثة عادة ما تحدث في الليل، إضافة إلى السرقة وأي فعل يرفضه المجتمع وأعرافه…

يظهر في زمن القصة في الرواية، أنه يتأطر ضمن المادة الحكائية، باعتبارها ذات بداية ونهاية، حيث تجري في زمن، سواء كان هذا الزمن مسجلاً أم غير مسجل كرونولوجياً أو تاريخياً. وفي هذا الإطار يرى تودوروف أن زمن القصة هو زمن متعدد الأبعاد. حيث يمكننا أن نجد في القصة أحداثاً كثيرة تجري في وقت واحد، لكن الخطاب ملزم بترتيبها ترتيباً متتالياً يأتي الواحد فيها تلو الآخر، كأن الأمر يتعلق بإسقاط شكل هندسي معقد على خط مستقيم. من هنا تأتي ضرورة إيقاف التتابع الطبيعي للأحداث، حتى ولو أراد الكاتب اتباعه عن قرب.

ونخلص في النهاية إلى أن الزمن في الرواية زمنان: زمن داخلي، وزمن خارجي. أما الزمن الداخلي فهو تخييلي نفسي، لا يمكن تحديده منذ البداية لأنه زمن مشتت وغير محدد بطريقة صريحة يمكننا معها أن نحدده بطريقة واضحة. فهو زمن يبدأ مع وجود الكتاب الذي تركه الجد الأكبر للسارد المسمى يوسف: “أقرأ هذا الكتاب لجدي الأول يوسف العالم المكي، الذي كان يجسد الخبز تحت سجادة صلاته بالحرم، الأمر الذي قد يبدو لنا الآن (كسلاً مثالياً) هذا إذا سلمنا بأن ضغط زر لبعث رسالة من مكة إلى الصين (كسلاً)، نعم جدي كان من أولئك الذين يقطعون بلاداً بلمحة بصر.

و لا ينتهي إلا بالانتهاء من قراءة الكتاب وتحديد نهاية الحكاية. بينما يبقى الزمن الخارجي زمناً تاريخياً فيزيائياً مأخوذاً عن الأيام والسنوات والعقود والسنوات، ويمثِّل ذاكرة البشرية عامة، ويتنوع حسب مفاصل الحكاية كلها دون احترام مسار تاريخي نحو المستقبل. وكأننا بالروائية تهدف إلى جعل الزمن في إطار دائري لا يتبع مساراً معيناً ومحدداً، وذلك من أجل خلق بعض المفاجأة لدى قارئها…

  • الشخصيات وتفاعلها في الفضاء الروائي:

يعتبر المكان فضاءً لفظياً يختلف عن الأماكن المدركة بالسمع أو بالبصر. وتشكّله من الكلمات يجعله يتضمن كل المشاعر والتصورات المكانية التي تستطيع اللغة التعبير عنها. ولما كانت الألفاظ قاصرة عن تشييد فضائها الخاص بسبب طابعها المحدود فإن ذلك يدعو الراوي إلى تقوية سرده بوضع طائفة من الإشارات وعلامات الوقف داخل النصّ المطبوع. وهكذا فإن (الفضاء الروائي) يتكون من التقاء فضاء الألفاظ بفضاء الرموز الطباعية، وهو المظهر التخييلي أو الحكائي، ويرتبط بزمان القصة، وبالحدث الروائي، وبالشخصيات التخييلية: فالفضاء لا يتشكل إلا باختراق الأبطال لـه، وليس هناك أي مكان محدد مسبقاً، وإنما تتشكل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال. وهذا الارتباط بين الفضاء الروائي والحدث هو الذي يعطي الرواية تماسكها. يقول (فيليب هامون) Ph. Hamon: “إن البيئة الموصوفة تؤثر على الشخصية وتحفزها على القيام بالأحداث”.

فضَّل المشتغلون بدراسة عنصر المكان في الرواية استخدام مصطلح الفضاء الروائي عن مصطلح المكان الروائي؛ حيث وجدوا في الأول شمولية أوسع، لكونه يشمل المكان. فالمكان الروائي، مكان بعينه تجري فيه أحداث الرواية، بينما يشير الفضاء الروائي إلى المسرح الروائي بأكمله، ويكون المكان داخله جزءاً منه. وقد حظي كل من الفضاء والمكان في الرواية باهتمام كثير من الدارسين؛ لأن المكان في النص الروائي يتجاوز كونه مجرد شيء صامت أو خلفية تقع عليها أحداث الرواية، فهو عنصر غالب في الرواية حامل لدلالة، ويمثل محوراً أساسياً  من المحاور التي تدور حولها عناصر الرواية، لذا يرى البعض “أن العمل الأدبي حين يفتقد المكانية، فهو يفقد خصوصيته وبالتالي أصالته”. فالروائي حين يعمد إلى إسقاط مجموعة من الصفات الطبوغرافية على الفضاء أو المكان الروائي، والتي هي عبارة عن “المعاني الوصفية التي تدخل في تركيب صورة المكان والقيم الرمزية المنبثقة عنها”، إنما يفعل ذلك بغية البرهنة على العلاقة بين المكان والشخصية في النص الروائي. كما أن اختلاف هذه الصفات وتنوعها من مكان إلى آخر في الفضاء الروائي، يمكن أن يعكس لنا الفروق الاجتماعية والنفسية والأيديولوجية لدى شخوص الرواية. هذا فضلاً عن أن الدلالات النابعة من هذه الفروق يمكن أن تكون تعبيراً عن رؤية شخوص الرواية للعالم وموقفهم منه، كما قد تكشف عن الوضع النفسي للشخوص وحياتهم اللاشعورية، بحيث يصير للمكان بعد  نفسي يسبر أغوار النفس البشرية، عاكسا  ما “يثيره المكان من انفعال سلبي أو إيجابي في نفـس الحال فيه”.

ويبقى الفضاء باعتباره عنصراً  من عناصر الرواية، له دور فعال في النص الروائي، إذ قد يتحول من مجرد خلفية تقع عليها أحداث الرواية إلى عنصر تشكيلي من عناصر العمل الروائي. فالفضاء له دور مكمل لدور الزمان في تحديد دلالة الرواية. كما أن له أهمية كبرى في تأطير المادة الحكائية وتنظيم الأحداث، حيث يرتبط بخطية الأحداث السردية، بحيث يمكن القول بأنه يشكل المسار الذي يسلكه تجاه السرد. وهذا التلازم في العلاقة بين الفضاء والحدث هو الذي يعطي للرواية تماسكها وانسجامها ويقرر الاتجاه الذي يأخذه السرد لتشييد خطي، ومن ثمة يصبح التنظيم الدرامي للحدث هو إحدى المهام الرئيسية للمكان.

وغني عن البيان أن ثمة علاقة تأثير وتأثر بين المكان والشخصيات الروائية- رئيسية وثانوية– إذ يعد المكان عنصراً أساسياً في تشكيل بنية هذه الشخصيات، كما أنه لا يتشكل إلا من خلال اختراق هذه الشخصيات له وظهورها فيه بمميزاتها والأحداث التي تقوم بها فيه، الأمر الذي يؤكد لنا أن “المكان حقيقة معاشة، ويؤثر في البشر بنفس القدر الذي يؤثرون فيه”، فمن الوهم إذن الاعتقاد بانفصال الفضاء عن تأثير الإنسان القاطن به أو العابر له، ذلك أن علاقة التأثير والتأثر بين الفضاء أو المكان والإنسان تتوثق من خلال الدور الذي يلعبه كل منهما إزاء الآخر؛ فالمكان يكشف عن شخصية الإنسان، بينما يعطي الأخير للمكان قيمته من خلال تجربته فيه.

ليست الشخصية الروائية وجوداً واقعياً، وإنما هي مفهوم تخييلي، تدل عليه التعبيرات الحاضرة في النص الروائي. هكذا تتجسّد الشخصية الروائية- حسب بارت- (كائنات من ورق) لتتخذ شكلاً دالاً من خلال اللغة، وهي ليست أكثر من قضية لسانية، حسب تودوروف. وينبغي التمييز بين (الشخصية الروائية) و(الشخص الروائي): فالأولى عامة لها قوانين وأنظمة تقننها وتقعّدها. والثانية خاصة تعني شخصاً معيناً في رواية معينة، لـه سماته الخاصة، وصفاته النفسية والجسمية المحددة. ومع ذلك فكلتاهما تتلامسان، تلامس الخاص ضمن العام. وإذا كان (فيليب هامون) Ph. Hamon يرى أن الشخصية الروائية هي تركيب يقوم به القارئ أكثر مما يقوم به النصّ، فإن (رولان بارت) R. Barthes يعرّف الشخصية بأنها “نتاج عمل تأليفي”.

فهي ليست (كائناً) جاهزاً، ولا (ذاتاً) نفسية، بل هي- حسب التحليل البنيوي- بمثابة (دليل) Signe لـه وجهان: أحدهما (دال) Signifiant والآخر (مدلول) Signifie فتكون (الشخصية) بمثابة (دال) عندما تتخذ عدة أسماء أو صفات تلخّص هويتها. أما (الشخصية) (كمدلول) فهي مجموع ما يُقال عنها بوساطة جمل متفرقة في النصّ أو بوساطة تصريحاتها وأقوالها وسلوكها، وهكذا فإن صورتها لا تكتمل إلا عندما يكون النص الحكائي قد بلغ نهايته ولم يعد هناك شيء يُقال، ولهذا السبب لجأ بعض الباحثين إلى طريقة خاصة في تحديد هوية الشخصية الحكائية تعتمد محور القارئ، لأنه هو الذي يكوّن صورة عنها، وذلك بوساطة مصادر إخبارية ثلاثة، هي:

1- ما يُخبر به السارد.

2- ما تُخبر به الشخصيات ذاتها.

3- ما يستنتجه القارئ من أخبار عن طريق سلوك الشخصيات.

يرى فيليب هامون Ph. Hamon أن الشخصية في الحكي هي تركيب جديد يقوم به القارئ أكثر مما هي تركيب يقوم به النصّ، وأن الشخصية الروائية هي علاقة لغوية ملتحمة بباقي العلاقات في التركيب الروائي المحكم أو المنتج لمرسلة تجد حقيقتها في التواصل. وصنّف الشخصيات الروائية في ثلاثة أنواع:

1- الشخصيات المرجعية وضمنها الشخصيات: وهي الشخصيات التاريخية، والشخصيات الأسطورية، والشخصيات المجازية، والشخصيات الاجتماعية). وكل هذه الأنواع تميل إلى معنى ثابت تفرضه ثقافة يشارك القارئ في تشكيلها.

2- الشخصيات الواصلة الناطقة باسم المؤلف: وأكثر ما تعبر عن الرواة والأدباء والفنانين.

3- الشخصيات المتكررة ذات الوظيفة التنظيمية: وهي التي تبشّر بخير، أو تنذر في الحلم.

ويرى الباحث محمد عزام أن الروائيين قد رسموا شخصياتهم الروائية طبقاً لثلاثة أنواع هي:

1 ـ أسلوب تصويري: يرسم الروائي فيه الشخصية من خلال حركتها وفعلها وصراعها مع ذاتها أو مع غيرها، راصداً نموها من خلال الوقائع والأحداث، حيث يعطي الاهتمام الأكبر للعالم الخارجي.

2 ـ أسلوب استبطاني: يلجُ فيه الروائي العالم الداخلي للشخصية الروائية كما في روايات (تيار الوعي) التي تعود جذورها إلى كشوفات علم النفس الحديث، حيث تعتمد هذه الروايات على تقنية الاستبطان، والمناجاة، والمونولوج الداخلي للشخصية.

3 ـ أسلوب تقريري: يقوم فيه الروائي بتقديم الشخصية الروائية من خلال وصف أحوالها وعواطفها وأفكارها، بحيث يحدد ملامحها العامة، ويقدم أفعالها بأسلوب الحكاية، ويعلق على الأحداث، ويحللها.

إن التمعن في الإطار الفضائي والمكاني لرواية “طوق الحمام” يمنحنا فرصة لتأطير فضاءات مكانية فرعية وأساسية عديدة تتفق كلها مع طبيعة التفاعل السردي، أو على الأقل مع أحد مراتب الحبكة السردية التي تتوالى في عملية السرد. فعلى سبيل المثال، فقد جعلت الروائية رجاء عالم أغلب مفاصل الرواية المعنونة بعناوين فرعية كثيرة، محددة بأمكنة فرعية ضمن إطار مكاني مرهَّن هو شارع أبوالرووس. ورغم كون الروائية قد عملت على تنويع أمكنتها الفرعية، فإن احتيارها للمكان المرهَّن جاء تبعاً لاستراتيجية سردية دعتها بالضرورة إلى رسم مواصفات شخصياتها وانسجامها مع هذه الأمكنة الفرعية، وبالتالي مع المكان الأساسي “شارع أبوالرووس”، وفيما يلي جدول يوضح الفضاء العام للنص الروائي وبعض الأمكنة الفرعية من خلال تفاعل الشخصيات والمشاهد المعبرة عنها:

جدول حول الفضاء العام وتفاعل الشخصيات في النص الروائي:

الشخصية:

شارع أبوالرووس:

الحرم المكي ومحيطه:

أمام المسجد وفي المقهى:

مستشفى شهار بالطائف:

يوسف:

لقد كان هو منارة العشق بأبوالرووس. يؤذن لعشقين: عزة ومكة. فلم يهبط من سطحهم ودخل في هذيان حتى ضمهما في واحد…

أرخى عينيه جاعلاً جفنيه بينه وبين العالم في محاولة للتلاشي بأعمدة الحرم. تدخله في حادثة سرقة مفتاح الكعبة جعله مطارداً لا من قبل القاتل فقط وإنما من قبل الشرطة…

سكب زمزم على مؤخر عنقه وبلل قلبه الموجوع، توضأ للصلاة متجهاً إلى حجر إسماعيل الجزء غير المسقوف من الكعبة…

حُمل يوسف إلى مدينة الطائف، أودعوه في مستشفى شهار للصحة النفسية لينتهي مقيداً بملاءات السرير، في عنبر مزدحم بستة من المرضى…

معاذ:

يقفز بين سطحين حين وقف مشلولاً في الهواء، مسلوباً ينظر إلى الأسفل…

التقى مع يوسف على مطالع جبل هندي، حانوت (ولد الهرمة) كان مغلقاً وحلت محله عمارة جديدة بواجهات زجاجية…

اندفعا معاً يرتقيان في الجبل بصمت…

يحاول أن يتوارى فلا يلمحه أبوه الإمام متسكعاً من رواد المقهى…

الضابط ناصر:

يفتقر إلى لمحة اللامبالاة والتراخي التي أشاعها علي بطوافه حول الجثة (جثة عزة). لم يكفَّ يضحك مغازلاً لصوت أنثوي يأتيه عبر هاتفه النقال الذي لم يفارق أذنه…

لساعات انحصر المحقق ناصر بسيارته في نزلة حارة الباب المؤدية للحرم، بين صفوف أربعة للسيارات تئن محركاتها مرسلة عوادمها في حر مكة…

توجه إلى المقهى ليتسلمه السقاة الباكستانيون بقوائم المعسل، جلس في مقعده متأملاً في الألوان المغسولة لسماء مكة…

حليمة:

ترقب من سطحها ببصرها الذي يرتطم ويرجع عن جدران بيوت حولها…

انزلقت حليمة إلى الطواف بالحرم المكي، وصارت واعية بقرص البدر مكتملاً بقلب الصحن يشع بفضته في الأنفاس…

ظهرت حليمة مخترقة الحصار لتجد ابنها مقيداً بأسلاك المسجد، وقد لفوا وجهه بشماغ أحمر…

خليل سائق التاكسي:

بدا صوت خليل سائق التاكسي دخيلاً لكأنما انبثق من حبكة سينمائية…

من تحت مقعده تناول زجاجة الماء الصحي، بجرعة أفرغ الزجاجة وانطلق مبتعداً بعربته في ظمأ للمزيد من الإذلال…

حين بلغ آخر لزقاق كان المقهى قد أطفأ أنواره إلا تلك الخافتة على سقيفة السقاة الباكستانيين والسيريلانكيين…

خليل مسكون بديناصور بالأبيض والأسود، سيخبرك بأدق التفاصيل، كيف كان يأخذه أبونا مسيال الشهداء الجنوبية بالطائف…

الطبيب:

قام بتحرير شهادة الوفاة، خافضاً عينه بجرح متفهماً مصيبة الأب…

العشي:

_ يقف العشي وقفته تلك أمام حامل الصحف الذي لم يلبثْ أن دفعه العامل لتوه أمام الباب..

_ تأبط العشي جريدة الرياض مخترقاً إلى فناء مطبخه…

ظهر العشي مصطحباً أمه حليمة لزيارة يوسف…

الكهربائي الباكستاني:

لما يقارب الساعة وقف منتظراً على طريق العمرة تحرقه شمس الظهيرة العمودية…

تيس الأغوات (صالح):

يأخذ كأس شاي طويلة من زجاجات جبنة كرافت، يضعها على الأرض يمين العشي الذي يترك لأبخرة الشاي بأنفاس أم السعد التصاعد لرأسه…

_ صُدم تيس الأغوات للدور الذي يلعبه ذلك الرقيع اللبناني…

_ لأيام ظل يرقب، ليكتشف أن اللبناني يظهر دائماً في ساعة الإغلاق…

أم السعد:

تجلس كملكة متوجة على أريكتها، مواجهة لشاشة حاسوبها المفتوح على صفحة التداول تحوِّطها الجارات يفصفصن بذور عباد الشمس المحمص…

هناك العديد من الشخصيات المتفاعلة والناطقة والمحركة لمجريات الأحداث في الرواية، شخصيات ناطقة تتحدث عن مشاعرها ومعاناتها، فهي ليست جامدة أو مجرد تزيين محدد لتأثيث النص الروائي، لأنها شخصيات محورية وأساسية فيه مثل: شخصية المحقق ناصر ومعاذ ويوسف… فشخصية المحقق ناصر مثلاً هي شخصية فاعلة وأساسية في النص، حيث يمكن اعتبارها المحرك الأساسي لعملية السرد. فهي تتطور بتطور عملية السرد وفكرة النص أيضاً… “قاربت الساعة منتصف الليل، بينما المحقق الشاب ناصر القحطاني لم يغادرْ مكتبه، متأملاً أكداس الاستجوابات والطريق المسدودة التي انتهى إليها التحقيق، كل يوم تمر عليه عشرات القضايا كهذه مختومة بالقتل أو مفتوحة بالاغتصاب، وتُغلق معلقة ضد مجهول”.

أما الشخصية الانفعالية المهزومة والمهزوزة داخلياً، فيمكن اعتبار شخصية معاذ التي تشعر بعدم أهميتها داخل الأسرة والمجتمع، وأنها مراقبة من طرف الأب الذي لا يثق في ابنه المتوتر والمنفعل دائماً والغير مدرك للحياة وتكاليفها، مثالاً لها: “يحاول أن يتوارى فلا يلمحه أبوه الإمام متسكعاً من رواد المقهى…”.

ويمكن للقارئ المحلل أن يلتقط من الشخصيات في الرواية كونها تتحرك في إطار بعدين اثنين هما:

  • أدوارها حسب بروب، وذلك من خلال توزعها طبقاً لأهمية وظائفها وارتباطها الكبير بأحداث الحبكة القصصية، باعتبار إحداها بطلاً أو بطلة، وشخصية رئيسة، وإحداها خصماً وشخصية ثانوية، أو معيقة لعمله، أو باعتبار الشخصيات صنفين، وفقاً لكونها معينة ومساعدة للبطل.

  • صفات الشخصيات وطبائعها ومكانتها داخل إطارها الاجتماعي المرسوم لها، وقدرتها على تمثيل فئة من الناس، ممن ينتمون إلى مجتمع ذلك الزمان، في شارع أبوالرووس أو في مكة عموماً، والذي يفترض فيه أن يكون إطاراً مكانياً للرواية وأحداثها…

هذه الفضاءات التي استحضرتها المؤلفة رجاء عالم لروايتها كانت كافية للدلالة على عدة أمور منها: أن رسم فضاءات الأحداث وتوالي وقائعها، يحيل على الصدقية والواقعية من خلال الانسجام مع الرؤية الإبداعية للروائية ذاتها، وذلك من حيث كون الكتابة الروائية تقول إن “الخلق الفني موجود، سواء أكان الأشخاص حقيقيين أم خياليين، وسواء أكانت الحوادث التي قاموا بها قد وقعت أم لم تقع…”. فالواقعية يمكن اعتبارها تلك العلامة اللازمة للفضاء، نظراً لأن موضوع الرواية يتم تحديده بالتاريخ، وإخضاعه لشروط الواقع، لكي تصبح ممكنة حكيها كأحداث للرواية.

إن الوصف الذي وضعته المؤلفة للفضاء الروائي والمحدد في “شارع أبوالرووس”، يمكن له أن يطابق بتفاصيله وعناصره وسماته الخاصة والعامة الواقع التاريخي لأغلب الشوارع مطابقة تكاد تكون كاملة، وخاصة في تلك المواصفات الجغرافية والاجتماعية والعمرانية المحددة في الرواية. فهذا الفضاء قد جعلته الروائية رجاء عالم مكاناً متنوع الأدوار والحدود والخصوصيات أيضاً، وذلك من خلال الوقوف عند تعدد أهواء ساكنيه وزواره، وتنويع أدوارهم ومواقفهم في الصراع الاجتماعي والديني والثقافي المتغير حسب الزمان والشخصيات…

ولقد حددت المؤلفة، في وصفها للإطار المكاني في روايتها، لكل شخصية على حدة، حيث أعطت لها فسحة كبيرة للتحرك، ودوراً أساسياً في السرد. فشخصية “الضابط ناصر” مثلاً، ومن خلال تتبع مسارها المكاني الذي يمكننا تحديده وتأطيره جغرافياً، وعلى امتداد الرواية ككل، فإنها شخصية تستمد سلطتها من وظيفتها الأمنية الخاصة، ومن خلال تحركها في المكان المرهَّن (شارع أبوالرووس) بكل مرافقه وامتداده الجغرافي، حيث يكون المكان النواة التي لا يمكنها أن تغادره أو تشتغل في إطار السلطة المخولة لها إلا مرغمة أو في إطار مجال البحث عن القاتل، أو استكمال الأدلة المساعدة في الوصول إلى الجاني…

وفي هذا الإطار، يمكننا القول إن المؤلفة قد عملت على رسم وتأطير المكان الخاص بكل شخصية من شخصيات الرواية. كما تمكنت من تحديد المسرح المكاني لها، وذلك من خلال الوقوف عند أحاسيس كل شخصية وتفاعلها النفسي والفكري مع هذا المكان. فحركة الشخصيات في الرواية لم تكن خارجة عن إطار الزمن الوظيفي في عملية السرد، وعن دلالته المؤطرة له والمحددة لأبعاده التي قد تتقاطع مع الواقع. إن المكان هنا قد أجاب عن بعض العناصر الدالة لكل حركة تقترفها الشخصية، ولاسيما أننا نجد المكان الضيق المتمثل في شارع أبوالرووس قد استحوذ على جل الأحداث، واحتضن أغلب الشخصيات التي تفاعلت معه في دلالته الجغرافية وحتى في دلالته الآدمية التي نجد صداها في بعض المحطات التي يصير فيها هذا المكان تجسيداً لشخصية السارد في الرواية.

إن واقعية المسرح المكاني التي يمكننا أن نستخلصها من أحداث الرواية قد أضفت بطريقة أو بأخرى صفة الصدقية والمعقولية على الشخصيات الواردة في النص، حيث يمكن للقارئ أن يتمثلها في واقعه. مما يدل دلالة قاطعة على أن هذه الرواية تحتفل بموضوع قريب من الواقع، يتجاوزه فقط من حيث كونها (الرواية) نصاًّ متخيلاً وليس سيرة ذاتية للروائية.

  • التفاعلات النصية:

4-1- الموازيات النصية:

تمتاز الموازيات النصية بأهمية كبيرة في دراسة وتحليل النص الأدبي، ولا يمكن تجاهلها مطلقاً في هذه العملية، حيث إنها “تحيط بالنصِّ وتمطِّطه، وبعبارةٍ أدق فهي كائنة لتقديمه (…)، لتؤكِّد وجوده في العالم لحظة تلقيه واستهلاكه”، وهكذا يصير النصُّ الموازيُّ حسب جنيت دائماً، “الوسيلة التي تمكِّن نصّاً ما أن يصبح كتاباً بذاته، ويقدِّم نفسه للقارئ”. هذه الوظيفة أو الوظائف التي يتمتَّع بها النصُّ الموازي تسبغ الكائنية على النصِّ من جهة، كما أنَّ إحاطته بالنصِّ– عبر عناصره– تشكِّل عتباتٍ تقود القارئ إلى جغرافية النصِّ، وتمنحه مفاتيح الاستكشاف، لاستغـــوار مجاهلـه، وإضاءة مناطقه المعتمة عبر مجرّة الأسئلة الحرجة التي تفجِّرها عناصر النصّ الموازي أثناء فعل القــــراءة من جهـــةٍ أخـــــرى.

4-1-1- العنوان: الدلالة والاشتغال:

يعتبر العنوان، لكونه الموازي النصي الأول لكل مؤلف، عنصراً أساسياً من العناصر المكونة للمؤلف الأدبي عموماً، بل مكوناً داخلياً يشكل قيمة دلالية عند المحلل القارئ للنص، حيث يعتبره هذا الأخير ممثلاً لسلطة النص وواجهته الإخبارية التي يمكنها أن تمارس عليه “إكراهاً أدبياً، كما أنه الجزء الدال من النص الذي  يقود مباشرة إلى التأشير على معنى معين، بل من خلال كونه أداة للكشف عن طبيعة النص والمساهمة في فك غموضه. فعلاقته بالنص، يمكن مراقبتها من خلال زوايا عديدة وفي أزمان متباينة من خلال السيرورة التاريخية، حيث نجد أن هناك “تحولات تطال العنوان باعتباره مكوناً في علاقاته الأساسية بالنص، وبالقارئ، وأيضاً في علاقته بنفسه، وهذا الطرح لا يقول بالانقطاع أو بتجزيء التاريخ إلى مراحل، بقدر ما يدعو إلى إدراك علاقة العنوان، ليس بالنص والقارئ فحسب، بل بالظروف الاجتماعية التي انبثق عنها. وفي ظل شروط التلقي هذه، يبقى العنوان علامة دالة على النص وخطاباً قائماً لكونه جزءاً مندمجاً في النص، وهو أيضاً شبكة دلالية يُفتتح بها النص ويؤسس لنقطة الانطلاق الطبيعية فيه. والعنوان بوعي من الكاتب، يهدف إلى تبئير انتباه المتلقي، على اعتبار أنه تسمية مصاحبة للعمل الأدبي مؤشرة عليه”.

يمكن إدراج العنوان الروائي، باعتباره ينزع نحو توجه بلاغي معين يُكسِّر هيمنة العنوان الكلاسيكي الحرفي والاشتمالي، ويؤسس لمعانٍ متقاطعة بين ما هو ظاهري وما هو باطني، حيث يمكنه تغذية القراءة والتأويل، ضمن ما يمكن تسميته بالتحولات البنيوية التي تطاله. فهو في الرواية الحديثة لا يمكنه أن يكون حرفياً محضاً أو أن يعطي حقيقة واضحة، حيث إن المتخيل، الذي صارت أصوله وجذوره شيئاً مقبولاً في ذاكرة ما هو مكتوب وشفوي، “بات يشكل مهيمناً دينامياً داخل النص، سيطال العنوان الذي يقدم الحقيقة من جانبيها: حقيقة النص وهو محكي من جهة، وحقيقة الوصف المطابق للشيء الموصوف من جهة أخرى”.

كل نص روائي هو نص تنتظمه عناصر متعددة يظهر العنوان فيها كعنصر تعييني جلي. فطبيعة هذا العنوان تؤشر بالضرورة إلى هوية الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه هذا النص، فعنوان “طوق الحمام” لرجاء عالم لا يمكنه أن يحيل على جنس آخر غير التخييل الروائي، لأن العنوان في العموم “يتكون من عناصر متعددة ومختلفة، فهو كجملة قد تكون مكونة من اسم علم أو أحياء أو أمكنة أو أرقام وتواريخ، ويتم الربط بينها بأدوات الربط”. وهذا ما تؤكده العديد أو جل العناوين الروائية الحديثة والمعاصرة.

إن عنوان رواية “طوق الحمام” من العناوين التي يستطيع النص الروائي الإجابة عليه وسدِّ الثغرات الدلالية التي تلحقه وتنقصه. فهذا العنوان هو علامة فارغة من أية إشارة واضحة، أو عناوين فرعية أو ثانوية يمكننا أن نستدلَّ عليه ونحدد دلالته العامة. ولذلك فهو عنوان قائم على خاصية الحذف Ellipses من خلال اختيار المؤلفة التكثيف والدقة في استخدام كلمتين اثنتين حتى تدفع المتلقي إلى الاجتهاد في التأويل والوصول إلى دلالته من خلال قراءة النص بأكمله…

هنا، يتعلق الأمر بما يسمى بالحذف المضموني الذي استهدف محتوى العنوان، لأن مضمونه يحقق التراوح بين البوح والصمت. فلا يمكن لجملة بسيطة مثل “طوق الحمام” تتركب من مضاف ومضاف إليه مهما كان هذا التكثيف اللغوي والدلالي أن تعبِّر عن أحداث الرواية ومواقف شخصياتها. فالتمحيص في هذا العنوان يؤكد لنا أن هناك حذفاً مضمونياً يستغل التوجه البلاغي فيه باستخدام الاستعارة، والتي يمكن من خلالها وضع اليد على الصورة البلاغية المصحوبة بما هو اجتماعي وثقافي وحتى تاريخي وديني أو بالأحرى بما هو نفسي ذاتي. وبالتالي، يمكن القول إن هذا الحذف المضموني يظهر منذ البداية وعياً بخلق المعنى، لكنه معنى صعب الإدراك ومثير للدراسة والفهم.

جاء عنوان “طوق الحمام” على شكل اسم مضاف إلى اسم طائر (الحمام). وهو طائر معروف بتعبيره عن السلام والأمن، حيث تمت إضافة اسم “الطوق” إليه، وهو يعبر عن القيد والمنع من الحركة، وكأنه يشير إلى أداة للحد من حرية الطائر وانطلاقه في السماء بأجنحته دون مانع يمنعه من ذلك. وهنا يعني الطوق أي القيد الحديدي الذي يوضع فوق رقبة الحمامة لمنعها من الحركة، فطوق الحمامة هو ما يحيط رقبتها من ريش يخالف سائر لونها. لكن الروائية هنا لا تستحضر الريش بقدر ما تستحضر الطوق الحديدي الذي يؤدي إلى المنع والحد من الحركة والانطلاق. ولقد لجأت في هذا العنوان إلى تبئير المفردتين في سياق بنائها لصورة الحمامة المطوقة. وبالتالي لصورة المجتمع المقيد والمكبل بالعديد من الأشياء والأفكار. إنه عنوان تركيبي يؤشر إلى دلالات ثقافية وسياسية واجتماعية تهدف الروائية من خلاله إلى تأسيس فكرة تخترق الوعي المحدد وتحقق دلالة معينة تريد لقارئها أن يصل إليها من خلال فعل القراءة.

إن العلاقة الممكنة التي يمكننا أن نربطها بين العنوان والنص هي علاقة مجازية، وبالضبط، علاقة استعارية تهدف إلى تأسيس دلالة خاصة، فتصل من خلالها إلى كسر المألوف، وقيادة القارئ إلى تشغيل وعيه وإدراكه وقناعاته من أجل فك التناقض بين مفردتيْ العنوان، بين  “الطوق” باعتباره قيداً وأداة مانعة للحركة، وبين “الحمام” الطائر الدال على السلام والحرية والحب… هنا يشتغل التخييل ببنياته المجازية ليحدث داخل نفسية القارئ مفارقة لغوية وتناقضاً دلالياً يثيران لديه حماسة التأويل.

يرى شعيب حليفي أن المرسل للعنوان، يهدف في شكله المركب، وبهيئته النحوية الواضحة، إلى إعطاء وظيفة خاصة يتوخاها المؤلف الذي لا يضع العنوان إلا وقد حدد له وظيفته المتقاطعة، ورؤيته المؤسسة داخل النص. وفي هذا الإطار يقول أمبرتو إيكو عن العنوان أنه “مفتاح تأويلي”، يسعى إلى ربط المتلقي “بنسيج النص الداخلي والخارجي، ربطاً يجعل من العنوان الجسر الذي يمر عليه، ومن هذه الزاوية تتحدد وظيفة العنوان في كونه يعرِّف، يبرز ويقوم، كما أنه يملأ وظائف ثلاث: وظيفة التسمية وظيفة تعيينية ثم الوظيفة الإشهارية”[32]. ولا يمكن لعنوان الرواية الموسوم “طوق الحمام” أن يخرج عن هذه الوظائف، حيث يعتبر بمثابة تسمية للنص الروائي، ثم تعييناً له وتحديداً لعناصره الكلية، ثم إشهاراً لوجوده وخروجه إلى الواقع في متناول القارئ…

4-1-2- خطاب المقدمات: الاستهلال:

يمكن إدراج خطاب المقدمات في إطار الموازيات النصية، والمحددة لمعالم النص الأدبي عموماً، والروائي خصوصاً، حيث إنها تشتمل على أسئلة مهمة، وأفكار محددة تندرج في الخاص والعام للنص الروائي. ولقد اعتبرت الدراسات النقدية هذا الخطاب عنصراً من عناصر النص الذي يمثل جهازاً مقدماتياً عاماً، حيث تكون المقدمة فيه شرطاً من خلال مساهمتها الكبيرة في الإحاطة الشاملة بالجنس الأدبي، وحل بعض رموزه التي قد لا يستطيع الكاتب التعبير عنها داخل النص، لأنها تخبر القارئ بحقيقة النص الذي بين يديه وبجنسه، وتحديد الإطار النقدي للمتلقي، والوعي المحايث للعملية الروائية… إن هذا الخطاب المقدماتي في نهاية المطاف، يحتوي على العديد من العناصر الأولية للعمل الروائي عند المؤلف، حيث تختلف من مؤلف إلى آخر، “وتتباين في كل جنس أدبي من حيث المكونات والوظائف، فضلاً عن أن الكاتب يخضع لتطورية فكرية تدعوه في العديد من الأحيان، إلى مراجعة قناعاته النظرية، بشأن الجنس الأدبي الذي يكتب فيه، قصد تحقيق الاختلاف في وحدته”.

يؤكد الناقد المغربي شعيب حليفي في حديثه عن الخطاب المقدماتي في الرواية العربية على أن هذا الخطاب لا يمكنه الانفصال عن النص الروائي لأنه قد أُنتج حوله ليتصل به اتصالاً مباشراً، فهو يعمد “إلى تحديد الرؤية من وراء هذا الاختيار، الذي هو اختيار تجريبي، كما يسعى إلى إفراز تصور كتابته، الشيء الذي يطرح السؤال من زاوية أخرى: إلى أي حد يمكن للخطاب المقدماتي في الرواية أن يؤسس قوانينه التي تتوازى أو تتعارض مع المتخيل؟ وكيف تشتغل وظيفة هذا الخطاب؟…”. فهذا الخطاب، وبتحديد مركز، يعتبر وثيقة عن نظرية الجنس الروائي، ونوعاً من أنواع الخطاب في وقت واحد. ومن هنا، يمكننا أن نحلل مقدمة أو استهلال رواية “طوق الحمام” لرجاء عالم الذي حددت فيه أهم القضايا التي سيقدمها النص الروائي، والقصة الأساسية له، حيث تقول فيه:

“لبيت جدي عبد اللطيف. البيت الذي يحمل علامة إكس حمراء، تعني أنه معد للإزالة، بل أن يتحول قريباً إلى مواقف لإيواء هذه الكائنات العجيبة رباعية العجلات، والتي يبدو أنها سترت مكة كما جاء في الحديث عن أمارات قيام الساعة: [يُلقى الذهب في الطرقات]. قرأنا ذلك حين كنا صغاراً، ولكم بدا لنا من المستحيلات الطريفة ! لكن وبالنظر للأسعار الخرافية للسيارات التي يفوق عددها عدد البشر في طرقات مكة، صرنا نرى الذهب مسفوحاً، وها هي الجبال تُنقض وتتلاشى وتبتلع العمارة العريقة، ومعها بيت جدي القائم على قمة ما كان يُعرف بشرفات الحرم بإسطنبول مكة. كل ذلك الماضي الساذج غاب الآن ولم يعدْ له وجود سوى في هذا الكتاب.

أقرأ هذا الكتاب لجدي الأول يوسف العالِم المكي، الذي كان يجسد الخبز تحت سجادة صلاته بالحرم، الأمر الذي قد يبدو لنا الآن (كسلاً مثالياً)، هذا إذا سلمنا بأن ضغط زر لبعث رسالة من مكة إلى الصين (كسلاً)، نعم جدي كان من أولئك الذين يقطعون بلاداً بلمحة بصر.

العالِم الذي آمن بأن العلم المنقول هو علم ميت عن ميت، والموت مكتسب بينما الحياة الباطنية وهبية، تفيض في روح المعارف من بحر الحي… لذا تجنب جدي كل ما هو قابل للنقل، واعتكف بكل ما يفيض من بحر الحي، حتى فاض بالخبز تحت سجادة صلاته، وبالبلاد تحت قدميه، وبالنور، الذي لوجوه أبنائه وفيهم أبي محمد، يذهب بالأبصار للبصائر”.

يشكل هذا الاستهلال في رواية “طوق الحمام” كخطاب مقدماتي إطاراً أساسياً للعتبات فيه، لأنه يساهم مساهمة فعالة في الدخول إلى أجواء النص الروائي وفيها. فهو خطاب متضمن لنص أولي يحكي عن النص الروائي ليكشف للقارئ عن بعض القضايا الغائبة فيه، بل يعلن عن أهم العناصر المكونة للنص والمحددة لفكرته الأساسية ومنطلقاته السردية والحكائية.

إن هذا الخطاب، في معناه العام، يمثل عنواناً فرعياً للرواية، أو فكرة أساسية لمجرياتها وأحداثها المتعاقبة. خاصة وأننا نجد أن المعنى العام لهذا الخطاب يفيد بما لا يدع مجالاً للشك أن سارده هو سارد الرواية نفسها، حيث يقول فيه مثلاً: “البيت الذي يحمل علامة إكس حمراء، تعني أنه معدٌّ للإزالة…”، و”أقرأ هذا الكتاب لجدي الأول يوسف العالِم المكي…”، فهذا الاستهلال يمكن وصفه بكونه يدفع القارئ إلى استكناه أجواء غرائبية ومتخيلة تجد لها توضيحاً وتفسيراً من خلال معايشة أهل شارع أبوالرووس وشخصياته المختلفة الأهواء والمواقف… كل هذا يساهم في خلق نوع من التخييل من حيث الاعتماد على السرد الدائري للأحداث والذاكرة والزمن الاسترجاعي والمسارات الزمنية المختلفة وعلى الفضاءات المرهَّنة…

  يتصف هذا الاستهلال في رواية “طوق الحمام” بكونه يحقق وظيفة تفسيرية وتعيينية للنص الروائي ككل. فهو خطاب استباقي يدفع القارئ إلى تقبل مواقف الشخصيات وسلوكاتهم وآرائهم… ومن خلال تتبع هذا الاستهلال والبحث عن أهم الإشارات الواردة فيه، والتي تدل على ما قلناه سابقاً يمكننا ذكر ما يلي:

  • الأسعار الخرافية للسيارات التي يفوق عددها عدد البشر في طرقات مكة.

  • صرنا نرى الذهب مسفوحاً…

  • الجبال تُنقض وتتلاشى وتبتلع العمارات العريقة، ومعها بيت جدي القائم على قمة ما كان يعرف بشرفات الحرم بإسطنبول مكة.

  • كل ذلك الماضي الساذج غاب الآن ولم يعدْ له وجود سوى في هذا الكتاب.

  • تجنب جدي كل ما هو قابل للنقل، واعتكف بكل ما يفيض من بحر الحي…

إن أهمية هذه الإشارات في الخطاب تكمن في كونها تجسد بالضرورة الوعي النقدي لدى الروائية رجاء عالم، فهي تحيل في وقت واحد على علامات متعددة تحل رموزاً في الرواية وتفك شفراتها، فهي ذات خصائص معينة، يذكرها شعيب حليفي في:

  • الإشارات خارج الخطاب ليست سوى أدوات جوفاء، وهي بداخل الخطاب عناصر أساسية ووظيفية.

  • الإشارات في الخطاب العلمي والفلسفي تخضع لقيود إبستمولوجية يحذفها الخطاب الأدبي القائم على المجاز والاستعارة.

  • دراسة نظامها يعتبر أساسياً للقبض على بعض المكونات الفاعلة في الخطاب.

  • هي عنصر لغوي يقوم داخل قول ما بالإحالة على السياق الذي أُنتج فيه القول وعلى زمن القول وعلى الذات المتكلمة.

  • يتشكل النظام الإشاري من ظروف الزمان والمكان والمعرفات. وهي تنتثر عبر اللحمة الخطابية.

ومن هنا، يمكننا أن نتحدث في هذا الاستهلال عن الإشارات الخاصة بالمكان بالضرورة، نظراً لأهميتها في الرواية، وهي متعددة، نذكر منها ما يلي: البيت، طرقات مكة، بيت جدي، الحرم بإسطنبول مكة، الصين، الحي… هذه الإشارات المكانية تتوزع بين إشارات خاصة بالمكان، وأخرى خاصة تحيل على الدول والمدن، وأخرى ثالثة تتعلق بكل ما هو ضمني في الخطاب يحيل على المكان، وهي كثيرة، مثل: الإزالة، مواقف لإيواء السيارات، قمة…

إن أهمية هذا الاستهلال في رواية “طوق الحمام” لرجاء عالم تنبع من كونه حلقة تواصل معنوي بين الكاتبة المؤلفة والسارد في النص الروائي، وبين القارئ الذي يتفاعل معه، حيث يتم عبره إظهار بعض الأسس السردية التي تؤسس لعالم تأويلي مفعم بالجمالية الحكائية التي تهدف من خلالها الروائية رجاء عالم إلى الوقوف على أهم السبل التخييلية التي تدفع القارئ إلى اكتشافها من خلال تعرفه على شخصيات الرواية وأحداثها ووقائعها المتعددة. فهذا الاستهلال هو التعبير الصريح عن مغاليق النص لأنه يشتمل على العديد من العناصر التي تقدم للقارئ معلومات وأفكاراً عن النص، حيث يعتبر البداية أو العتبة الأكثر تفصيلاً وتخييلاً بعد عنوان النص، فمن خلاله يمكن للقارئ أن يبني وعياً أولياً بالنص، وفهماً تتشكل وفقه مواقف وأفكار مختلفة مع ما تشكل مع العنوان.

لقد أسست رجاء عالم استهلالها من خلال تحقيقها لأربع وظائف حددتها أندريا ديللونغو Andrea Del Lungo في: الوظيفة التقنينية (ابتداء النص الروائي)، والوظيفة الإغرائية (إثارة اهتمام القارئ)، والوظيفة الإخبارية (إخراج التخييل)، والوظيفة الدرامية (انطلاق القصة). وقد تحققت هذه الوظائف الأربعة في هذا الاستهلال. فمن خلال هذه الوظائف للاستهلال يمكننا أن نقول إنه عتبة نصية تقدم معلومات أساسية ذات صبغة تخييلية تحتوي على إطار عام للأحداث في الرواية تدعو القارئ إلى استدعاء فضوله المعرفي والثقافي لتفسيرها وتأويلها في لحظة القراءة.

تقدم الروائية رجاء عالم في الاستهلال وصفاً خاصاً للجد يوسف العالم المكي، كبداية رمزية وإيحائية تتبعها أوصاف وأحداث تصف كراماته وعلمه وصفاً محدداً يحقق له خصوصية معينة. إن التركيز على الجد صاحب الكتاب الذي تقرأه وتقدمه وثيقة روائية هو تركيز تبئيري محدد على شخصية وعلى أحداث متتالية، وعلى مواقف وأفكار وقناعات خاصة وذاتية لكل شخصية على حدة… فعبارة “معدٌّ للإزالة” التي وردت في الاستهلال تفتح بنية الكلام على دلالات عميقة تستحضر آفاقاً متعددة للتخييل، وتتصل مباشرة بالنص الروائي، حيث إن هذا البيت الذي تلاشى وابتلعته العمارة العريقة وغاب في الماضي الساذج، يحيل على سلطة الحداثة والمعاصرة التي تقتل كل ما هو أصيل وقديم…

  • التفاعلات الخطابية والتعدد اللغوي:

يتحدد الإطار العام لرواية “طوق الحمام” من خلال وجود بنية عاملية داخلها: حيث يتجسد منذ البداية تباين الرغبات بين الذوات الممثلة للشخصيات: ذات البطل (المحقق ناصر) التي ترغب في تحقيق الغاية المتمثلة في إيجاد القاتل الحقيقي (الخلاص من المسؤولية الواقعة على عاتقه) وذات المتهم التي ترغب في الاستمرار وتمثلها أكثر من شخصية، وبالتالي فموضوع رغبتهما مختلف تماماً. العامل المرسل هو (عدم قدرته على تحمل المزيد من الضغط) العامل المرسل إليه الذي يتجه إليه العمل المنجز، فهو التخلص من الاتهام والإقرار ببراءته من تهمة القتل. إضافة إلى وجود ذوات أخرى متعددة تتباين وظيفتها في النص، حيث تتنوع بين ذوات مساعدة للبطل، وبين ذوات أخرى منفلتة تريد الابتعاد عن حالة التوتر التي يحدثها البطل وإلحاحه على إيجاد الجاني داخل شارع أبوالرووس بالذات…

ومن أجل تحديد التفاعلات الخطابية في الرواية فإننا مدعوون إلى وضع اليد على ماهية الخطاب في النص المكتوب منظوراً إليه داخلياً من خلال العلاقة بين السارد والمسرود له، وتمثل عملية التخطيب طريقةَ التشكيل النهائي للحكاية الأولى، عبر تغيير زمن الحكاية الأولى الأصلي المتسلسل خطياً. ونتيجة للإمكانيات المفتوحة لتخطيب الحكاية الأولى، نجد أنه من الممكن الحصول على عدد لانهائي من الخطابات، ويتم متابعة طرح الخطاب الروائي بين السارد والمسرود له عبر مكونات الخطاب الروائي التالية:

5-1- السارد والخطاب المسرود:

إن السارد عبارة عن تلك الذات الوهمية التي تضعها الروائية داخل الخطاب لتسرد الحكاية بدلا منها، ونسميه السارد في كل الحالات سواء كان الضمير المستخدم ضمير المتكلم أم الغائب أم المخاطب، ونفترض أن خطابه موجهاً داخلياً إلى المسرود له أو لهم والذين ينوبون عن القارئ أو القراء داخلياً، ونلاحظ في السرد ميولاً (أسلوبياً) لدى الروائية لجعل الراوي يهيج المروي لهم من خلال التساؤل المستمر أو توجيه الخطاب لهم كأنهم ذوات حاضرة حتى في حالة استخدام ضمير الغائب في بعض الأحيان.

تتمثل أنماط الخطاب في الرواية العربية في كونها تلك الأشكال المختلفة التي تستخدم لتأكيد الأمر المرغوب فيه، بل تعتبر الأنماط التعبيرية عن وجهات النظر المتعددة التي ينظر من خلالها إلى الوجود أو العمل. ولقد حدد سعيد يقطين هذه الصيغ السردية من خلال تحديده لأنماط الخطاب الممكنة، وسنحاول في الوقت نفسه، أن نحدد أهم الأنماط الخطابية في رواية “طوق الحمام”، وذلك من خلال الوقوف على أهم المحطات فيها، وهي:

  • الخطاب المسرود: هو خطاب يرسله المتكلم إلى المتلقي سواء كـان مباشرا أي( شخصية) أو إلى المسرود له في الخطاب الروائي. يمكن أن نجد هذا النوع من الخطاب مهيمناً على النص، حيث يقوم به مباشرة السارد في الرواية، من خلال الوقوف على الأحداث وتقديمها بأسلوب سردي محكم البناء. ويمكن أن نمثل لذلك من الرواية بالمقاطع التالية: “لم يكن بوسع حليمة الأمية فهم أي من تلك الأوراق المؤرخة، لكنها حفظتها عن ظهر قلب…”، “حُمل يوف إلى مدينة الطائف، أودعوه في مستشفى شهار للصحة النفسية لينتهي مقيداً بملاءات السرير…”، “ما إن خطا المحقق ناصر في سطح عائشة حتى فقَدَ وجهته، للحظات أعماه الانفتاح المفاجئ فنسي ما هو بصدده…”.

  • المسرود الذاتي: ويتمثل في الخطاب الذي يتكلم فيه المتكلم عن ذاته، أو عن أشياء حصلت له في الماضي، أو استرجاع أشياء أو أحداث من الماضي، في مثل: “ربما لم أكنْ زقاقاً طالعاً من عهد جرهم والعماليق، لكنني أتأكد بتاريخ يعبر من سقوط مملكة لقيام مملكة، ومحمل بحروب ودماء، استحققتُ عليه أن أروى من أكبر وديان الحجاز (النعمان) الذي هو في المنجد اسم من أسماء ال(آدم)، أو قناع من أقنعته”.

  • الخطاب المعروض: هو أن يتكلم المتكلم إلى المتلقي مباشرة، ويتبادلان الحوار دون تدخل السارد، ويمكننا أن نمثل لذلك بالمقطع التالي: “- إكسْ كيوزْ مي سير، هذا تاكسي؟ رنَّ السؤال غبياً مؤججاً سخرية خليل وتلذذه بالموقف، – بالطبع هذا تاكسي، إلى أين تريدني أن آخذك؟ تلجلج الباكستاني قبل أن يجيب: – سوق العزة بليز سير…”.

  • المعروض الذاتي: وهو يشبه الخطاب المسرود الذاتي، لكن يختلف عنه قليلاً في الفترة الزمنية، أي أن المسرود الذاتي يكون فيه المتكلم يحاور ذاته عن أشياء حصلت في الماضي، أما المعروض الذاتي نجده يحاور ذاته عن فعل يعيشه في الحاضر وهو ينجز الكلام. نقرأ في النص الروائي ما يلي: “وحين أورد ذكر عزة أو أفسح مجالاً لفضح عائشة لغرامياتها، فلستُ أتساهل وأحصر فيهما هوية تلك الجثة التي تصلح أن تترشح لها كل بنات أبوالرووس. يجب أن أكون دقيقاً فلا أخلط الأسماء والأطراف والمسميات وأتعجل بتوجيه الاتهام لقاتل بعينه،…”.

  • المنقول المباشر: ويتمثل في نقل معروض مباشر، من طرف المتكلم، وهذا المتكلم ليس بالمتكلم الأصلي، وينقل الكلام كما هو دون تغيير، في مثل المقطع التالي: “إجابته العفوية جاءت ترجمة لذلك الشاهد من سوفوكليس على لسان أنتيجون: تعالَ أيها القدر، أسعف صديقاً في حاجة، تعال خاطفاً يا أفضل أصدقائي، وعجِّلْ بنهايتي، بعيداً بعيداً ولا تتركْ لي إلقاء نظرة على يوم آخر.

  • المنقول الغير المباشر: وهو مثل الخطاب المنقول المباشر، لكن هناك فرق، حيث إن المتكلم الناقل للكلام لا يحتفظ بالكلام الأصلي، فيقوم بنقله على طريقته أي بشكل خطاب المسرود. ويمكن التمثيل له من الرواية بما يلي: “لتعميق الألم أعيد الاستماع للشريط الذي منحتني إياه، موسيقى فايا، حدثتكَ يومها عن افتتاني برواية دون كيشوت، فجئتني بهذه الموسيقى عن دون كيشوت وقلتَ إنكَ تحب المعزوفة الأخرى عن أسرار ليل حدائق الأندلس… حدثتني عن دون كيشوت وقلتَ إن (سانشوبانزا قد قضى أعواماً يخترع دون كيشوت، ويشحذه بكل الأحلام المحرمة التي لا يجرؤ على إتيانها، وعلى المغامرات التي يطمح لخوضها، ثم أطلقه ليحياها…)”.

قد يُبقي السارد في أية رواية أخرى على مسافة ما بينه وبين ما يسرد، وقد يتدخل، فتحدد نسبة تدخله هويته الفنية. فقد يكون متوارياً، متحفظ الحضور، خجول الطلعة، وقد يستحيل إلى شخصية مركزية في الرواية. قد يبتعد كثيراً أو قليلاً عن شخصيات الحكاية التي يحكيها، وقد يختلف عنها أخلاقيا ًوفكرياً وزمنياً، وقد يتماهى معها ويتفاعل. لكن يبقى هدفه الأول، أنه يريدنا أن نصدق الطريقة التي يسرد بها لنا هذه الوقائع، سواء اعتمد على زمن واحد أم على تداخل الأزمان، وسواء رويت الأحداث على لسان إحدى شخوص الرواية، أو رواها لنا مباشرة. ففي رواية “طوق الحمام”، فإن السارد الذي يعتبر شخصية معنوية غير مادية تتمثل في شخصية “أبوالرووس” التي هي في الوقت نفسه اسم الشارع الذي وقعت فيه الأحداث وتطورت بتطور المواقف واختلافها بين الحين والآخر. فكيف إذن نميز السارد في الرواية؟ وكيف يمكننا إدراك أهدافه وما يريد سرده؟.

وللإجابة عن هذه الأسئلة سنحاول أن نحدد الأساليب السردية التي يستخدمها السارد في سرده للحكاية:

5-2- الرؤية السردية:

تتحدد الرؤية السردية من خلال ما يعتبره تودوروف “الكيفية التي يتمُّ بها إدراك القصة من طرف السارد”.  ويمكنها أن تُعنى أيضاً “بالطريقة التي اعتبر بها السارد الأحداث عند تقديمها متتالية، حيث تتجسد من خلال منظور السارد لمادة القصة، فهي تخضع لإرادته ولموقفه الفكري، وهو يحدد بواسطتها؛ أي بمميزاتها الخاصة التي تحدد طبيعة السارد الذي يقف خلفها”. ومن أجل تحديد الرؤية السردية في رواية “طوق الحمام” ينبغي علينا البحث في أشكالها من خلال العناصر التالية:

–  الرؤية من الخلف: حيث تكون معرفة السارد أكثر من معرفة الشخصيات الروائية. ولقد استخدمت في الروايات الكلاسيكية بشكل جلي، وفيها يكون السارد قادراً على معرفة ما يجري خلف الكواليس أو في ذهن أبطاله، وتتجلى قدرته المعرفية في إدراك الرغبات الخفية لإحدى شخصياته، دون أن تكون واعية بها، أو على الأقل معرفة أفكار ومواقف شخصيات كثيرة في وقت واحد. ويمكن لهذه الرؤية أن تكون مجرد سرد أحداث لا تدركها شخصية حكائية بمفردها. لقد اختفى السارد في الرواية الحديثة والذي يمسك بالأحداث من الخلف، ويتنبأ بأفكار الشخصية، بل ويتدخل أحياناً مفسراً وشارحاً ومعللاً للأحداث وكان من الطبيعي أن تختفي الرؤية من الخلف أيضاً في الرواية الدرامية الجديدة، ذلك أن من شأن هذه الرواية أن تسود فيها وجهة نظر القارئ “فليس ثمة النفاذ إلى ما وراء الشخوص والكشف عن أفكارهم” حسب رأي بيرسي لوبوك.‏ وبالتالي، فإن الرواية (طوق الحمام) تستحضر هذا النوع من الرؤية السردية من خلال العديد من المحطات نذكر منها على سبيل المثال ما يلي: “لم يكنْ بوسعِ حليمة الأمية فهم أي من تلك الأوراق المؤرخة، لكنها حفظتها عن ظهر قلب”، “أرقبها: تخبئ أسرارها في هيكل المذياع القديم، أسفل درج السطح، تستخرج عزة أول قصاصاتي إليها، يوم كنتُ في التاسعة… لولا عزة لما كنتُ عرفت معنى ممارسة العشق أبداً. في ذلك العمر المبكر اكتشفتُ ذروتي الأولى، وعزة صارت كل البنات وكل امرأة أراها”… هنا تتجلى الرؤية من الخلف، حيث يظهر جلياً أن الشخصية لا تعرف ما يفكر فيه السارد لأنه لا يريد لها أن تعرف ذلك، خاصة وأنه يشعر بشيء من التردد أو الخجل من معرفتها بالأمر…

–  الرؤية المتلازمة أو المتجاورة (مع): وهي الرؤية التي تتصاحب فيها معرفة السارد بمعرفة الشخصيات الروائية. فلا يحاول تقديم تفسيرات معينة إلا بعد أن تكون الشخصية الروائية قد عرفتها وتوصلت إليها من قبل. ويمكن أن يسرد هذا النوع بضميريْ المتكلم أو الغائب مع إبقاء المساواة المعرفية والإدراكية بين السارد وشخصياته الروائية. ويمكن أن نطلق على هذا النوع من الرؤية، حسب توماتشفسكي، السرد الذاتي. ونقرأ في الرواية ما يلي: “كلمات من الرسائل واليوميات عالقة بجسده تدغدغه، تستثيره، ألجم (الكلب) واستلم (الرجل) الزمام: وضعها على السرير، ألقى بسترته الرسمية فوق ظهر الكرسي ثم خلع سرواله، وقف وجهاً لوجه مع جسده القصير المحبوك، مرر يده على كمال عضلاته، وهبوطاً: “ما رأي فتاة كعزة أو عائشة بهذا الكمال؟” احتاج إلى وقت لتصريف تلك العيون والأيدي المتشنجة على عنفوانه، وتصريف موجها البهيج المعذب”. أليس السارد والشخصية معاً هنا من يتحدث ويصدر هذا الكلام؟ فمن الجلي للقارئ أن السارد يعرف الشخصية من الداخل ويتماثل معها، بل يحاول الانتقال إلى داخل الشخصية من خلال الحوار المباشر (ما رأي فتاة كعزة أو عائشة…؟) بدون تدخل منه بالضرورة بحيث لا يقوم بتنظيم الحوار وتوجيهه، وإنما يتوقف عن السرد ليمنح الشخصية فرصة التكلم من الداخل والتعبير عن مشاعرها وأحاسيسها… هنا يمكننا القول إن هذا الانتقال السلس ينتج ما يسمى عملية التحول بين السارد والشخصية من الداخل دون التأثير على ذالك الحبل الممتد في عملية السرد على لسان السارد نفسه…

–  الرؤية من الخارج: وهي الرؤية التي تكون فيها معرفة السارد أقل من معرفة الشخصيات الروائية .ولقد ظهر هذا الشكل من الرؤية في العالم العربي من خلال تأثر الكتاب العرب بكتاب الرواية الأمريكية، مثل همنغواي الذي تمت ترجمة رواياته إلى اللغة العربية، حيث يعتبر هذا الأسلوب بمثابة آلة مصورة يكون السارد فيها عاملاً حاسماً في التقاط حركات الشخصية وتسجيل أهم كلماتها. ونقرأ في الرواية: “انتزع ناصر جسده من رقدة الأضحية تلك وقام غاضباً من نفسه. حين اندفع لفكِّ عقال (الكلب) وجده يغط في النوم. أغلق الضوء ورقد. طلع الصباح عليه وهو يتقلب. من دون أن يفطر ارتدى زيه الرسمي تلملم في ذلك النسيج الكاكي القوي وغاد. ومن هنا نستنتج أن الرواية (طوق الحمام) قد اشتركت معظم الشخصيات في سرد الأحداث، وتفاعلت معها، وخاصة منها الشخصيات الرئيسة، وذلك من وجهة نظرها ومواقفها من الأحداث والوقائع وحتى القضايا المطروحة في النص…

5-3- الترهين السردي:

يُقصد بالترهين حضور اثنين أو أكثر من عناصر الحكاية: “حدث، شخصية، زمان، مكان” على المستوى السطحي للجملة أو التمفصل المحدد مترابطين أو متقاربين بشكل من الأشكال، خالقة بذلك، انعكاساً (محدوداً أو كبيراً) للفضاء المكاني (عبر المؤشر المكاني) وللفضاء الزماني، (عبر المؤشر الزمني)، مع الشخصية أو الشخصيات والفعل أو الحدث. فترهين هذه العناصر لبعضها البعض، على المستوى المذكور فاعل منبهٌ مستمر ومُفَعِّلٌ للخطاب ومحدد للتشخيص الأفضل، بينما التأطير يكون غالباً على مستوى الجملة، وعلى السطح الأقرب للمتلقي حيث يعتبر الأكثر حضوراً وظهوراً بالنسبة للمتلقي، والذي يساهم كما سبق أن رأينا، في تغذية بحث وحاجة المتلقي القارئ لخلق إطار زماني ومكاني للحدث الحاصل أمامه.

ويعتبر هذا التأطير الذي تحدثنا عنه، وهو النهج الخطابي الأكثر انتشاراً لدى الروائيين الحديثين والمعاصرين، حيث إنه يمثل طاقة فعل مميزة استفاد منها بقوة الكتّاب الجدد. فالترهين في هذا الصدد، يحدث على مستوى الجملة من خلال اشتراط حدوث شيء بآخر أو ما في حكمه، كما يحدث أن يتواجد الترهين على مستوى الجملة من خلال الربط بين حدث وآخر، أو اقتران حدوث حدث بحدث آخر، أو اقتران فعل معين من شخصية بفعل معين من شخصية أخرى…

وإذا ما انتقلنا إلى الترهين على مستوى الصيغة البلاغية: فإننا نجد أن الترهين على مستوى الصيغة، يمثل قيام السارد بتشخيص أو وصف أي شيء ينتج عنه من خلال تلك الصيغة ربطاً بين اثنين من عناصر القصة الأولى كأن يطرح من خلال الصيغة وصفاً للإنسان فيجعله مثل أي من مكونات الفضاء المكاني فيتحول نتيجة لهذا الوصف أو التشخيص (الشخصية/ المكان)، أو أن يصف مكونات المكان فيصبغ عليها روحاً بشرية، بحيث يتحقق الربط- من خلال الصيغة– بين (المكان /الشخص). وفي هذا نقرأ في الرواية ما يلي: “يفتش المداخل الكئيبة التي لا تكاد تمرر بشراً، والأحواش المسكونة بالدواب الضاجة والجن، بنية أن يقبض على أبوالرووس متلبساً”.

فالمداخل الكئيبة هنا ما كانت لتكون كذلك لولا وصفها بوصف ينطبق على الإنسان، فالكآبة من صفات الناس الذين يشعرون بذلك، وليس من صفات المكان الذي لا يمكنه إلا أن يعبر عن مشاعر الناس الذين يسكنونه أو يمرون به. في حين نجد الأمر ينطبق أيضاً على هذا المقطع الذي يحدد صفات مكان محدد وهو زقاق أبوالرووس حيث نقرأ في الرواية: “أنا أبوالرووس ملك التنفس، اللقب الذي استحققته من مهارتي في مواجهة المستحيل. فحيث إنه لم يُعتنَ بتنويري قط فلقد تعلمتُ أن أجلس في العتم مخدراً وأسحب نفساً عميقاً من الأنف (معبأ بخمائر فضلات ونزِّ بالوعات ونشاز أصوات، كشأن روائح الحواري المنسية) وأحبسه لدقائق قبل إطلاقه بتأنٍ من الفم في هيئة إشاعات وخرافات ومحظورات أخنق بها سكَّاني، الذين يبدأون في النبش عن مسكنات في تاريخهم، لعجزهم عن احتمال واقعهم الكالح أو تفهُّم العصر الذري الذي سيدوسهم”.

هنا نجد للمكان روحاً تهفو إلى السلام والأمان وتبحث عن الخلاص من خلال التعبير عن المعاناة التي يعيشها سكان الزقاق وأحاسيسهم التي تتقاطع مع أحاسيسه. لقد تحول المكان (زقاق أبوالرووس) من كونه مكاناً إلى شخصية في الرواية تسرد أحداثها وتتفاعل مع شخصياتها الأخرى، بل تعبر عن أحاسيسها من خلال أحاسيسهم هم…

وإذا انتقلنا في البحث عن الترهين على مستوى الدلالة العميقة، فإننا مدعوون إلى الوقوف على تلك العناصر الحكائية التي تتعمق وتتجذر داخل تفكير الشخصيات في الرواية. نقرأ في الرواية ما يلي: “ركز صفاء عينيه وعلقهما في طرف كحلتها متوسلاً، للمحة بدتْ له تلك المرأة تجسيداً للحزن، بتلك العين المحفورة كقبر للزوج والابن وكامل الزقاق، بوسعه أن يرقد ليموت بتلك العين وتلتئم عليه، على حافة صدرها يتراجع الحزن، ربما لو صوَّر الثدي العظيم لظفر بصورة للجنة الموعودة بأنهار اللبن والعسل. أرختْ البرقع على وجهها لم تسمحْ ولم تمنعْ، أما هو فتبعها بصمت، اخترقا الزقاق بين أصوات الكلاب الضالة ولعلعة أغاني الفيديو كليب”. نجد هنا في هذا المقطع، تركيزاً على المكان وتعميقاً له، فالزقاق الذي يقع فيه الحدث، هو العنصر الأهم في ذلك، لأنه الضامن الحقيقي لأهم الأحداث الروائية، والمسارات الحكائية في النص…

  • استراتيجية التناص في الرواية:

تتشكل مختلف النصوص في النص الواحد مستوعبة إياه في نصية جامعة. كما تتعدد الإحالات المرجعية فيه متفاعلة في ما بينها مشكِّلة أهمَّ مكوِّنات الخطاب في العمل الأدبي عامة، لاسيَّما جنس الرواية التي تنطوي على رموز وإيحاءات دلالية ووظيفية وعلى أبعاد فنية ومرجعية. فالنص الروائي هو نسق لغوي قابل للإنجاز والتأويل، والقراءة النموذجية الوجيهة هي التي يمكنها أن تفِّعل النص في علاقات بنصوص أخرى، فالنص يتمثل ويفهم على نحو علائقي موصول بنصوص أخرى تتفاعل فيما بينها. ويقوم التفاعل النصي في أغلب الأحيان على استدعاء النصوص السابقة في نص لاحق للتفاعل معها وإعادة إنتاجها من جديد. فالقراءة التناصية لا تعتبر النص كلاًّ منجزاً كاملاً ونهائياً مستقرّاً مكتفياً بذاته بل تعتبره حوارية وتفاعلاً مع نصوص أخرى، وهو ما يعبِّر عنه بالحوارية أو التعدد الحواري مع باختين أو التناص مع جوليا كريستيفا أو المتعاليات النصية لدى جيرار جنيت. وعلينا أن ندرك أنَّ تلك المرونة المميزة للنص الروائي قد جعلت بعض النصوص الإبداعية تنفتح على التنوع والتعدد بقدر ما يجعل نسبتها إلى العمل الروائي محط تفكير وبحث وتحليل.

ويظهر تفاعل النصوص وتآلفها إلى أنَّ النص الأدبي لا يخضع في إنشائه إلى ارتباطات نصية سابقة تفرض عليه شروط الانفتاح وطرائقه وحدوده. فالنص الأدبي لا يحقق الإبداع إلا إذا كان مستقلاًّ في أشكال تعاطيه مع النصوص الأخرى السابقة عليه أو اللاحقة. فدينامية الخطاب لا تتأسس فقط بمقتضى الاستعارة والتضمين، بل تتجاوز ذلك إلى تحويل نصوص متعددة في صلب فردية النص وفرادته. فالرواية توظِّف الرموز التاريخية التي تفسح المجال إلى جدل خلاَّق بين النصوص المتباعدة. وتوظِّف الكاتبة بعض الوقائع التاريخية والأحداث السياسية والدينية وحتى العسكرية التي تعود بنا إلى زمن البدايات، فضلاً عن ضروب الاستعارة من التراث العربي الإسلامي المستمد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أو من خلال القصص القرآني وما يتعلق به من أحداث وقضايا تعود بنا إلى المخيال الديني مثل عالم القيامة والجنة والنار، إضافة إلى استحضار شخصيات من التراث.

تناول التناصّ في هذه الرواية العنوان، والنصّ معاً. ففي العنوان تناصّ مع نص عربي قديم لابن حزم الأندلسي تحت عنوان “طوق الحمامة في الألفة والألاَّف”، حيث جاء في هذا الكتاب ذكر كثير من رجال الدين ومن الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية الذين تحدثوا عن الحب وكتبوا فيه الأشعار، ومنهم عبيد الله عتبة بن مسعود وشعره وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، وكذلك قول ابن عباس، هذا قتيل الهوى لا عقل ولا قود، كما ذكر ابن حزم قصص لحب الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين، وكثير من الخلفاء لاسيما من حكم الأندلس، والعلماء الصالحين والفقهاء… وفي الرواية نجد حضوراً لافتاً لموضوع الحب والاحتفاء به، والرغبة في العيش في كنفه. أما حضور كلمتي العنوان “طوق” و”الحمام” في النص فهو ظاهر للقارئ وجلي، لأنه حضور يستنطق أهمية الإحساس بالحب والسلم في مجتمع تتحكم فيه ذهنيات تحنُّ إلى الماضي كثيراً لكنها لا تتأثر بما فيه من نقط مضيئة ووقائع منيرة…

تعرِّف الروائية ببعض المعالم الدينية مثل المسجد والحرم المكي، لكن الواضح في الأمر أن رجاء عالم في روايتها لا تنتزع الأحداث والوقائع والشخصيات من الإطار الإسلامي بل تدفع بكل هذه الأمور إلى الاستغراق في الطابع الديني المحض، عبر استحضارها للعديد من الوقائع التاريخية والتراثية المرتبطة بالتاريخ الإسلامي والعربي الغني بالأحداث السياسية والعسكرية التي تركت أثرها على الأمة العربية والإسلامية وجعلتها في مرآة الآخر ونقده… إن الكتابة الروائية عند رجاء عالم تنحو نحو الجمالية الأدبية التي تتناص في إطارها اللغوي والدلالي مع النصوص الأخرى التراثية والدينية ومع أحداث تاريخية لها نمط من التقبل والتفاعل مع ما تعيشه الأمة العربية اليوم من وقائع وأحداث تكاد تتطابق معها أو على الأقل تتشابه من حيث الفكر والموقف والرؤية، وتختلف من حيث الاستراتيجية والعمل والوسائل.

   لقد نجحت رجاء عالم في استحضار العديد من الأحداث التاريخية وكأنها تمثل شاهد عيان عليها، من خلال تتبعها الجيد لها ولأهم الوقائع، لكنها عملت على عصرنتها وتحديثها كتابياً وإبداعياً، فتآلفت هذه الأحداث مع الكتابة الإبداعية والروائية لإنتاج دلالة قابلة للتأويل والانفتاح على التعدد. تقول الروائية في النص: “اسمي المستعار: يوسف بن عنق، العملاق الذي يمدُّ يده يتناول السمكة من قاع البحر ويرفعها ليشويها في عين الشمس، والذي يكلف قافلة للسير لأيام لقطع المسافة من رأسه لقدميه لتنش الذباب لتكتشف أنها ذئاب تنهشه. والذي نجا من طوفان نوح الذي لم يبلغ خاصرته، وسافر في الزمان، وقابل بني إسرائيل في التيه، فرفع صخرة بحجم جبل ليقتلهم، لولا أن دعا عليه موسى فانخرقت الصخرة لتسقط مثل طوق حول عنقه. زاويتي بجريدة أم القرى ما هي إلا تحية للمدعو عوج بن عنق هذا”.

يحضر التناص هنا مع شخصية تاريخية مثيرة للجدل، وهي شخصية عوج بن عنق الذي ساعد النبي نوح في صنع الفلك للإبحار بقومه من بلد إلى آخر، وقيادتهم نحو بر الأمان من الطوفان الذي سلطه الله على القوم الكافرين. هنا نجد نبرة من السخرية المحملة بدلالة معينة تهدف إلى خلق مفارقة لغوية تستحضر التاريخ لتمرير رؤية معينة وموقف السارد من شخصية معنية أو من قضية محددة.

إن انفتاح النص الروائي على مثل هذه الأحداث التاريخية أو على النصوص الأخرى، يمكِّن بالضرورة لغة الرواية من الاغتناء بتجارب أخرى في الكتابة أو الإبداع أو حتى في التاريخ. ومن هنا، يمكننا القول إن رواية “طوق الحمام” قد عرفت تنوعاً كبيراً وغنىً بادياً على مستوى الدلالة واللغة التي تنتظمها من خلال تشبعها بالنص التاريخي والديني والأدبي والأسطوري. فالعديد من الحوادث التي تدخل في إطار هذه الحقول، قد ساهمت في تكوين رؤية اللغة كما تعتقد جوليا كريستيفا.

لقد دخلت رجاء عالم في روايتها على خط الحوار مع باقي الأجناس الأدبية والمعرفية، فتفاعلت البنيات الفكرية والتخييلية لتجذِّر الدلالة واللغة معاً. مما جعل الرواية تنزع إلى تجديد الرؤية الخاصة بالتعاطي مع التراث والتاريخ وذلك من خلال مزج الماضي بالحاضر والبحث عن امتداده في المستقبل، مزجاً خاصاً تنتفي فيه الحدود لتمتزج المرجعيات التاريخية والقديمة مع الحديثة والمعاصرة من خلال اندماجٍ منطقي وتخييلي يترجم رغبة الروائية في مقاربة الواقع ونقده والبحث عن إمكانية لتغييره وإصلاحه…

يحتوي الخطاب الروائي على جملة من النصوص المستوحاة من المجال الديني المحيل على القرآن الكريم وعلى الحديث النبوي وحتى على أقوال السلف الصالح، حيث يمثل استدعاء هذه النصوص في الخطاب الروائي مجالاً شاسعاً يقيم الحجة على أن هذا الخطاب الديني معين دلالي ولغوي لا ينضب من حيث كونه غني بمصادر البلاغة ومفعم بالدلالات والمعاني والأفكار، وبالرموز والإيحاءات، فيؤثر في القارئ ويحرضه على فعل القراءة والتأويل، ويثري فكره ومعرفته. تقول الروائية في النص: “أتعرف الآية 260 من سورة البقرة، التي يطلب فيها عيسى من الله: أرني كيف تحيي الموتى… حين يأمره الله: فخذْ أربعة من الطير فصرهنَّ إليك ثم اجعلْ على كل جبلٍ منهن جزءاً يأتينك سعياً؟ حين ناداها بإيمان فجاءت الأشلاء تسعى؟ أنا كنتُ هذا الطير، أشلائي مبعثرة على جبال مكة وفيكم أنتم شبان أبوالرووس، وجاء هذا البيت، وهذه الكاميرا، جمَّعت أشلائي لأطير…”. هذا الجزء مستمد من نص يخاطب يتحاور فيه النبي عيسى عليه السلام ربه لكي يريه آياته في الخلق وإحياء الموتى، وكانت مناسبة لإعطائه هذه المعجزة التي عُرف بها النبي عيسى.

بينما يبقى استدعاء الروائية للنص التاريخي أو الفلسفي والأدبي استدعاء يأتي في سياق الإقبال على القضايا الإنسانية والتفاعل معها. فإخراج مثل هذه النصوص من سياقها الفكري والفلسفي الذي قيلت فيه، لا يعني أنها تقلل من قيمتها الفكرية والإبداعية، بقدر ما تحاول إعطاءها دلالة جديدة تجد صداها في الإطار الحدَثي الذي قيلت فيه، وحتى في إطار الدلالة التي منحتها لها. تقول الروائية: “أنتِ يا عزة كل تلك التناقضات: النهاية والانقسام لما لا نهاية لما يتجاوز الظاهر. وعليَّ ألا أيأس من وجودكِ، والنبش عنكِ حتى في الموت… فموتكِ يعني موتي…”.

هذا النص يتناص مع قول الفيلسوف المفكر كانط: “البحث في المكان والزمان ذاتهما، ينتهي إلى أنهما لا متناهيان ومتناهيان معاً، والبحث في المادة من حيث هي، ينتهي إلى أنها منقسمة إلى غير نهاية، ومنقسمة إلى نهاية في آنٍ واحدٍ. والبحث في الإرادة ينتهي إلى أنها مسيَّرة وأنها حرة معاً…”.

ويبقى الحضور اللافت للتفاعل النصي في الرواية مع النصوص والأحداث التاريخية، والذي يتجلى في الكثير من المواقف والمحطات الانفعالية والفكرية التي نجد السارد فيها قد انحسر تفكيره ورأيه على قضية محددة يتفاعل معها من خلال استحضار هذه النصوص التاريخية في مثل: “آخر ما صوَّر اللبابيدي من هذه العدسة ساحة المسجد الحرام حين أوصد جهيمان أبوابها بانقضاء صلاة فجر الأول من شهر محرم للعام الهجري 1400، 1979م، معتصماً بالمسجد الحرام، ومانعاً صلوات الجماعة. لدينا صور نادرة للجنائز التي هرَّب بها جهيمان أسلحته للحرم…”.

هنا استحضار كامل لواقعة الهجوم الإرهابي على الحرم المكي والذي ذهب ضحيته العديد من المصلين والمعتكفين فيه على أيدي الإرهابي جهيمان وعصابته. هذا التفاعل ما كان ليحضر لولا تفاعل الروائية مع هذه الأحداث والتأثر بها والتحسر على ضحاياها… وعندما تستحضر العصر العباسي الأول لتواجه شخصاً يفكر بعقل أجداده القدامى ولا يبرحهم إلا في أمور لها علاقة برغباته وشهواته، تقول: “من يوظف رجلاً عقله يهيم في العصر العباسي الأول وإذا اخترق وصَلَ إلى الأندلس ليسقط مع غرناطة، في ليلة، ويسلِّم المفتاح؟ نرجع دائماً إلى المفتاح، الذي يلخِّص كوابيسي، أبحث عن قفلٍ بلا مفتاح لكل ما يُغلقُ عليَّ وعليكِ”.

وتذهب الروائية رجاء عالم في روايتها “طوق الحمام” إلى استلهام الرمزي والإيحائي والأسطوري من أجل إغناء تجربتها الروائية. حيث استدعت في العديد من المحطات في النص شخصيات أسطورية لها حضور رمزي وإيحائي مستمد من سيرتها وتاريخيتها وإدراك الناس لها ولدلالاتها، مثل شخصية عوج بن عنق التي تقول بعض الآراء بعدم وجودها وأنها مجرد شخصية خرافية غير حقيقية. بينما نجد العديد من الكتابات الإسلامية تذكر سيرته ونسبه إلى آدم عليه السلام. وما يهمنا هنا هو اهتمام الروائية بهذه الشخصية العملاقة الأسطورية من حيث تكوينها الجسدي الفيزيولوجي الذي كان يسعفه في تحقيق مآربه دون جهد يذكر أو حتى التحرك من مكانه… لقد وجدت الروائية في الأسطورة والرمزي وسيلة فعالة وفنية حققت من خلالها رؤيتها الأدبية ورؤياها الفنية، لأن الأسطورة عامة تعود بالقارئ حتماً، إلى لحظة بداية إدراك المقدس والاستغراق فيه، لكن ما يهم رجاء عالم هو إعادة قراءة الأسطوري الماضي من أجل بناء المستقبل والبحث عن الذات التي افتقدها إنسان اليوم بفعل الحضارة المزيفة والمعرضة للخدش والاضمحلال مع الوقت.

لقد استطاعت رجاء عالم أن تطوِّع الواقع وتعيد صياغة المستقبل روائياً بواسطة الأسطوري لأنها تعلم مسبقاً بحكم ثقافتها ومعرفتها بالواقع العربي، أننا في حاجة إلى صدمة ثقافية وفكرية تخرجنا من شتاتنا ووعينا المأزوم والفاقد لمؤشرات التطور. وهي بهذا العمل تحاول أن تنقد الواقع من خلال استحضار الغريب والعجيب والأسطوري الذي يسعف حقاًّ في إثارة انتباه القارئ والتأثير فيه. إن نجاح الروائية في هذا العمل منوط بتوظيفها لهذه التناصات المثرية لنصها الروائي، حيث لم تأل جهداً في القراءة من أجل تسجيل أهم الأحداث التاريخية والقضايا المثارة تاريخياً والتي تركت أثراً واضحاً في قارئها ومتلقيها…

  • تــــــــركـــيب:

يمكننا أن نصل، من خلال هذه المقاربة اللسانية والنصية لرواية “طوق الحمام” للكاتبة السعودية رجاء عالم، إلى بعض الخلاصات والاستنتاجات التالية:

  • على مستوى الحدث أن الرواية تعتمد في رسم مسار سردي متعدد المسارب والطرق… من خلال الوقوف على بعض الوقائع المساعدة في الوصول إلى حقيقة قتل عزة، في لغة مفعمة بالصور والمجاز والرمز والإيحاء. من خلال سرد بوليسي ميلودرامي، تجول من خلاله بين أمكنة وأزمنة لا تربط بينها سوى دأب الكاتبة للحفاظ على هالة تراث الأرض المقدسة. تختلج في سطورها لوعة العشق، وتؤججها الحرقة على مكة. أما الزمن في الرواية فتهدف الروائية من خلاله إلى جعله في إطار دائري لا يتبع مساراً معيناً ومحدداً، وذلك من أجل خلق بعض المفاجأة لدى قارئها…

  • يمكننا القول إن الروائية رجاء عالم قد أحسنت الفعل عند رسمها وتأطيرها للمكان الخاص بكل شخصية من شخصيات الرواية. كما تمكنت من تحديد المسرح المكاني لها، وذلك من خلال الوقوف عند أحاسيس كل شخصية وتفاعلها النفسي والفكري مع هذا المكان. فحركة الشخصيات في الرواية لم تكن خارجة عن إطار الزمن الوظيفي في عملية السرد، وعن دلالته المؤطرة له والمحددة لأبعاده التي قد تتقاطع مع الواقع والحقيقة. إن المكان في الرواية قد أجاب عن بعض العناصر الدالة لكل حركة تقترفها الشخصية، ولاسيما أننا نجد المكان الضيق المتمثل في شارع أبوالرووس قد استحوذ على أغلب الأحداث، واحتضن الشخصيات التي تفاعلت معه في دلالته الجغرافية وحتى في دلالته الآدمية التي نجد صداها في بعض المحطات التي يصير فيها هذا المكان تجسيداً لشخصية السارد في الرواية.

  • يمكن القول إن عنوان رواية “طوق الحمام” من العناوين التي يستطيع النص الروائي الإجابة عليه وسدِّ الثغرات الدلالية التي تلحقه وتنقصه. فهذا العنوان هو علامة فارغة من أية إشارة واضحة، أو عناوين فرعية أو ثانوية يمكننا أن نستدلَّ عليه ونحدد دلالته العامة.

  • يشكل الاستهلال في رواية “طوق الحمام” كخطاب مقدماتي بالضرورة إطاراً أساسياً للعتبات فيه، لأنه يساهم مساهمة فعالة في الدخول إلى أجواء النص الروائي وفيها. فهو خطاب متضمن لنص أولي يحكي عن النص الروائي ليكشف للقارئ عن بعض القضايا الغائبة فيه، بل يعلن عن أهم العناصر المكونة للنص والمحددة لفكرته الأساسية ومنطلقاته السردية والحكائية…

  • يبقى الحضور اللافت للتفاعل النصي في الرواية مع النصوص والأحداث التاريخية، والذي يتجلى في الكثير من المواقف والمحطات الانفعالية والفكرية التي نجد السارد فيها قد انحسر تفكيره ورأيه على قضية محددة يتفاعل معها من خلال استحضار هذه النصوص التاريخية أو النصوص المقدسة أو حتى بعض الأساطير والأسماء… كوسيلة فعالة وفنية حققت من خلالها رؤيتها الأدبية ورؤياها الفنية، لأن الأسطورة عامة تعود بالقارئ حتماً، إلى لحظة بداية إدراك المقدس والاستغراق فيه، لكن ما يهم رجاء عالم هو إعادة قراءة الأسطوري الماضي من أجل بناء المستقبل والبحث عن الذات التي افتقدها إنسان اليوم بفعل الحضارة المزيفة والمعرضة للخدش والاضمحلال مع الوقت.

  • إن الترهين في الرواية فاعل منبهٌ مستمر ومُفَعِّلٌ للخطاب ومحدد للتشخيص الأفضل، بينما التأطير يكون غالباً على مستوى الجملة، وعلى السطح الأقرب للمتلقي حيث يعتبر الأكثر حضوراً وظهوراً بالنسبة للمتلقي، والذي يساهم كما سبق أن رأينا، في تغذية بحث وحاجة المتلقي القارئ لخلق إطار زماني ومكاني للحدث الحاصل أمامه…

 

شاهد أيضاً

حلقات من سلسلة (إنتحار مراهقة) للكاتبة المغربية بشرى الظالم …انتحار جنات

كتب / الأديبة بشرى الظالم  كانت أول ليلة من رمضان كان المساء باردًا، والسماء صافية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *