بلاغة الخطاب السردي في الرواية السعودية للكاتب والباحث المغربي عزيز العرباوي [بلاغة الخطاب السردي والملفوظ]
عزيز العرباوي
25 أغسطس، 2025
كتب / عزيز العرباوي
بلاغة الخطاب السردي والملفوظ:
إن الخطاب في رؤية التحليل النقدي يعني استخدام اللغة بشكلها المكتوب والمقروء بوصفه شكلاً محدداً من أشكال الممارسة الثقافية. ويقول منظرو تحليل الخطاب عنه: “إنه لا يقدم منهجاً تحليلياً منضبطاً أو إطاراً مغلقاً لمعالجة الخطاب، بل يقدم منظوراً لمقاربته. فهو ليس منهجاً، بل بالأحرى هو حقل معرفي يتسم بالمرونة والتنوع الهائلين… إلى حد يبدو معه الحقل المعرفي لتحليل الخطاب متسماً بميوعة لم يشهدها حقل معرفي مماثل تقريباً” .
لقد اتجهت بحوث البلاغة الجديدة نحو تأسيس آفاق ثلاثة متجاورة ومتتالية، ورغم تباينها في الأهداف والبرامج، ولا تتعلق بالاتجاهات الداخلية للدراسات البلاغية الجديدة فقط، بل تمثل طرائق متنوعة في منظور التجديد ووسائله المنهجية، وقد عرفت هذه الآفاق العديد من التحولات على مستويات عدة. كان أولها هو ظهور مفهوم البلاغة الجديدة مع شايم بيرلمان في كتابه “مقال في البرهان: البلاغة الجديدة” الذي اعتمد فيه على إعادة تأسيس البرهان أو المحاجة الاستدلالية باعتباره تحديداً منطقياً بالمفهوم الواسع كتقنية خاصة ومتميزة. في حين كان التركيز الثاني على البلاغة الجديدة قد نشأ في حضن البنيوية النقدية ذات النزوع الشكلاني الواضح، باعتبارها تقوم في مقابل التقاليد الدراسية للبلاغة الفيلولوجية التي تلتقي مع الدراسات المجازية واللغوية… أما التركيز الثالث الذي يأتي مع تيار بلاغي جديد يهتم بتحليل الخطاب بمنهج وظيفي يعتمد في ذلك على السيميولوجيا من ناحية والتداولية من ناحية أخرى. وقد اتضح مع هذا التيار أن بلاغة الخطاب مرهونة بالاعتداد بها كعلم لكل أنواع الخطاب، بمعنى أنه علم عالمي في موضوعه وفي منهجه. وفي هذا الإطار يمكن أن نجد أن هذا التيار الثالث قد “التقى ببحوث تحليل الخطاب من منظور وظيفي تداولي لغوي، كما أخذ يصب بشكل مكثف في اتجاهات علم النص” .
إن الانتقال من التحليل البلاغي الحجاجي للنص السردي يقوم على استراتيجية تهدف إلى الانتقال بالصورة البلاغية من مستواها التركيبي الجملي إلى المستوى الخطابي النصي، من خلال التحويل السردي للصورة البلاغية الاستعارية باعتبار النص السردي هو استعارة مطولة وممتدة ، وذلك من أجل الخروج من مستوى الجملة إلى مستوى النص. هذه الإجراءات المتعددة “تتحقق من خلال الكشف عن علاقات المشابهة بين المكونات الحكائية التي هي أساس العلاقات الاستعارية، والانتقال من المستوى الظاهري للنص إلى باطنه الرمزي والكنائي عن طريق القيام بالمقايسات المناسبة، ثم ربط النص بمقصديته المنسجمة مع سياقه التاريخي. عند هذا المستوى الأخير تتحقق حجاجية النص التي هي في النهاية استنباط للبنيات الحكائية وردها إلى أصلها البلاغي القائم على المشابهة والمقايسة وعلاقة كل ذلك بالقصدية الاجتماعية للنص”. فالحجاج البلاغي يتم عن طريق ربط حبكة النص السردي بمقولات بلاغية واضحة وقادرة على الإقناع وتحقيق المقصدية .
لقد أفاد علم السرديات (Narratologie) من اتجاهين اثنين هما: الاتجاه اللغوي الذي يبحث في علاقة النص على مستوى ما فوق الجملة الواحدة بتتبع مظاهر الإحالة النحوية وبنية الدلالة الكلية للخطاب. والاتجاه الآخر المتمثل في تحليلات المدرسة الفولكلورية البنيوية التي ورثت مبادئ فلاديمير بروب في صرف الحكاية الشعبية وأخذت في إعادة صياغتها وتعديلها كما عند كريماص وبريموند وغيرهما… حيث لم يقتصر هذا العلم (Narratologie) على مراعاة الملامح الأسلوبية واللغوية التي يتيحها البحث في طرق التعبير، وإنما أخذ في تنمية تقنيات خاصة للوصول إلى أجروميات السرد وأبنيته الوظيفية المتعددة. وذلك دون الارتباط بلغة معينة، بل بحثاً عن النموذج العالمي للخطاب السردي الذي لا يتوقف عند فارق اللغات وخصائصها التعبيرية .
إن المتلقي، عندما يقارب النص السردي، يجد نفسه أمام ظاهرة عالمية في شكلها القصصي والروائي، حيث تتجلى جهوده الخاصة في تحليل الخطاب والإحاطة الشاملة التي تنصب على السرديات، وما شملته من أشكال محدثة من الفنون السمعية والبصرية الجديدة التي تولدت عنها في نهاية المطاف. ويرى صلاح فضل في هذا الإطار، أن تطوير العلاقة بين البلاغة والسرديات قد عَمَد إلى الوقوف “على مراجعة الجوانب المختلفة لأنماط العبارة أو أجناس الخطاب من منظور نقدي حديث. وإن كان يمس بشكل مباشر أيضاً جانباً آخر لم يظفر بالاهتمام الكافي في البلاغة القديمة وهو المتصل بالترتيب، وكان هذا الترتيب يشمل عادة أربعة أجزاء للقول وهي: الاستهلال، وما يسمى بالسرد أو عرض الموضوع، والطريف أنه كان يسمى في النقد العربي القديم بالقصة، خاصة إذا كان الموضوع دعوى تقام أمام القاضي. ثم يأتي الجزء الثالث ويتضمن البراهين والحجج وجدل الخصوم، وما بعده يكون الختام. فالجزء الخاص بالسرد هو الأساس في الخطاب الذي يعرض فيه المتكلم الأحداث القابلة للاستدلال والبرهنة والمثيرة للجدل. وفي ذلك يقول رولان بارت: “إن هذا السرد كان يتم تصوره فقط من منظور البرهان، فهو العرض المقنع لشيء حدث أو يزعم أنه قد حدث. فالقصة عنده ليست حكاية وإنما هي خطوة برهانية، وهي كذلك عارية ووظيفية محضة” .
ولقد كان كانتيليان (Quintilien) الذي اهتم بفن الخطابة قد أعطى للسرد طابعه البلاغي، وذلك عندما جعل للسرد غاية أساسية تتعلق بعرض الأحداث وسردها وبالإقناع العاطفي، لأن السرد كان لا ينظر فقط في إقناع القاضي وإنما يهدف إلى إقناعه وجعله يتعاطف مع المتكلم من خلال تحريك مشاعره وعواطفه. فالسرد البلاغي هنا كان يتحرر من القيد البرهاني من أجل تأدية وظائف متعددة تقربه من الشعر وغايته المتمثلة في استمالة عواطف ومشاعر المستمع…
وفي الإطار نفسه، نجد البلاغي الروماني الآخر شيشيرون (Cicéron) الذي يستحضر مبدأ الاحتمال في السرد فيقول: “تصير القصة محتملة إن ظهرت فيها أشياء مما يبدو في الواقع والظروف التي حدثت فيها، زمانها ومكانها وكيفيتها بحيث يلتزم الشيء المروي بطبيعة ما يفترض من المؤلف، أو ما يشاع عند العامة، أو ما ينطبق مع رأي المستمعين”، ويقوم كانتليان بتعميق هذا المفهوم للاحتمال السردي وتأسيس شعريته عندما يقول: “تصير القصة محتملة إذا استشرنا أنفسنا أولاً كي لا نقول شيئاً يتعارض مع الطبيعة” .
وبالمرور مباشرة إلى عصرنا الحديث، فإننا نجد الناقد والباحث واين بوث (W. Booth) ، في حرصه على طابع التجريد والتعميم، يصنف الخواص العامة للنقد السردي منذ فلوبير إلى اليوم، فيعتبرها تدور حول ثلاثة محاور وهي: العمل، المؤلف، والقارئ:
– إن الخواص العامة التي يتطلبها العمل، تبدو أن الرواية، كما يرى بعض النقاد، ينبغي أن تكون عادلة مع الواقع. حيث ينبغي أن تكون أمينة مع الحياة الطبيعية أو الواقعية المعاشة بكثافة. كما يرى البعض الآخر ضرورة أن تتطهر من الشوائب غير الفنية، ومن العناصر المسرفة في بشريتها. لأنه هناك رغبة قوية في أن تحقق الرواية درجة عالية من التوتر الدرامي والإقناع. وما يقتضيه ذلك من أصالة وصدق، وتحقيق كامل موضوعها، وكثافة الوهم المتخيل الخلاق. فتتسم بالحياد واللاشخصية حتى تصل للنقاء الشعري المطلوب وللصيغة الروائية الخاصة…
– بالنسبة للمواقف المطلوبة من المؤلف: فيرى البعض أن المؤلف ينبغي أن يكون موضوعياً منفصلاً عما يكتب غير منفعل به حتى يستطيع تجسيده بالحياد اللازم. بينما يرى الآخرون أنه لابد أن يكون متحمساً ملتزماً ومنغمساً في كتابته. وهؤلاء يتناقص عددهم بالتدريج في القرن العشرين والواحد والعشرين كما يلاحظ واين بوث وبهذين الطرفين المتنافرين يقوم بعض النقاد بمحاولة العثور على صيغة وسطى للتباعد الملائم بالمؤلف وعالم الرواية…
– أما فيما يخص المواقف المنتظرة من القارئ، فتبدو أنها تخضع لنفس الشروط الخاصة بالمؤلف المثالي، حيث تدور حول ما إذا كان من الممكن أن يوجد قارئ موضوعي أو ساخر أو مختلف. أو على العكس من ذلك جدير بأن يكون ملتزماً ومتعاطفاً. ومن ناحية أخرى فإن العمل ينبغي أن يتيح لقارئه مادة للأسئلة والشكوك أكثر مما يعطيه من إجابات قاطعة. حيث يجعله أشد استعداداً لتقبل الأشياء غير القاطعة المكتملة. كما تقبل مظاهر الغموض والإبهام في الحياة. ورفض المنظور الذي يعتمد على التبسيط واختزال الحياة في اللونين الأبيض والأسود. وهل ينبغي للقارئ أن يستخدم عقله وذكاءه النقدي في التلقي، بالإضافة إلى عواطفه، أم أن عليه أن يسلم نفسه أولاً لما يقرأ؟.
ويرى بوث كذلك، عند تحليله لجماليات السرد تقنياً، أن الدرامي هو الذي يحدد نمط السرد. حيث يعتمد هذا التحليل على فكرة الشخص. لكننا لا نبلغ ما نريد بمجرد تحديد الراوي والتمييز بين المتكلم والغائب، بل الأمر يتطلب الوصول من ذلك إلى وصف الخواص المميزة لأنواع الرواة، وعلاقتها بتأثيراتهم المختلفة. ومن الواجب اختيار صيغة المتكلم التي تؤدي إلى الحصر المعيب أحياناً؛ إذا كان للأنا اطلاع غير ملائم على المعلومات، حيث يكون المؤلف واقعاً في أمور غير محتملة. كما يمكن إيجاد بعض التأثيرات التي تفرض في أحوال معينة اختياراً خاصاً. على أن من الصعوبة بمكان العثور على معايير حاسمة ونافعة لهذا التمييز يترتب عليها تصنيف الرواية إلى نوع أو ثلاثة بدون مراعاة التطور التاريخي للفن الروائي من جانب، ولتعدد علاقات العناصر من جانب آخر. وقد أوضح بوث أيضاً، في هذا الصدد، أن أهم الفوارق في الـتأثير التي تجعل أن الراوي عندما يكون شخصية درامية بموقعها أم لا، وما إذا كان المؤلف يقاسمه نفس المعتقدات والخصائص، وذلك من خلال ما يلي :
أ- المؤلف الضمني: الأنا الثانية للمؤلف، وهي قائمة حتى في تلك الروايات التي لا يوجد فيها أي راوٍ درامي، حيث سرعان ما تتخلق عبر النص لوحة ضمنية لمؤلف يظل خلف المسرح كمدير له وموجه لحركته…
2025-08-25