الخميس 13 أغسطس 2026 - 0:06:54
أخبار عاجلة
جمعية تافيلالت للمعاقين بأرفود تشارك للمرة الثانية في المخيم الصيفي الدامج بالعرائش عاجل…توقيف سيدة يشتبه في محاولة اختطافها طفلةبالعيايدة  بالصوت والصورة …هكذا مرت أجواء حفل توقيع مؤلفي الكاتبة المغربية لطيفة تقني بمدينة بركان شاطئ مولاي بوسلهام…التاريخ والذكريات والرجال والاماكن على موقع الرباط الرباط نيوز [عبد الجليل ..البوهيمي الذي أحبته القلوب ..] عمالة سلا تحتفي باليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج الرباط…جمعية فضاء الاوداية تصدر بلاغا إستنكاريا بخصوص تنظيم و برمجة مهرجان صيف الاوداية وتشتكي إقصاء وتهميش كفاءات وأهرام الحي بمشاركة باحثين وأكاديميين ومفكرين ومؤسسات ثقافية .الاتحاد العربي للثقافة يعقد مؤتمره الدولي الأول في إسطنبول ديسمبر المقبل حكايات من (هجوم الغربان) للكاتب والأديب المصري محمد إبراهيم الشقيفي [ظمأ السحاب] شاطئ مولاي بوسلهام…التاريخ والذكريات والرجال والاماكن على موقع الرباط الرباط نيوز[ مأساة عُمّال النَّظافة..؟بمولاي بوسلهام ..] في بلاغ صادر عن اجتماع المكتب السياسي لحزب جبهة القوى الديمقراطية :تثمين للمضامين الملكية، وتأكيد على الثوابت الوطنية، وجاهزية تامة للاستحقاقات الانتخابية.
الرئيسية / أقلام وأراء / حكاية انعتاق طالبة أستاذة من الجنون للكاتبة والاديبة ماجدة غرابو [ إخفاقاتي… اختباراتي… نجاحاتي… وانعتاقي.]

حكاية انعتاق طالبة أستاذة من الجنون للكاتبة والاديبة ماجدة غرابو [ إخفاقاتي… اختباراتي… نجاحاتي… وانعتاقي.]

الرباط نيوز 
إن كتاب: “البورناوت” Burn- Out انعتاق طالبة أستاذة من الجنون؛ هو صرخة بصيغة نون النسوة؛ لانطلاق طائر الفينق وإحيائه من جديد، والانبعاث من الرماد للانطلاق بكل قوة وحرية..
ماجدة غرابو 
لم أفكر يوما أن أكتب سيرة ذاتية، فحياتي ليست بثراء حياة نوال السعداوي أو مغامرات كازانوفا أو صدمة وقسوة حياة شكري! فما أنا إلا أستاذة أو معلمة بسيطة عاشت حياتها بكل هدوء وهي تحادي الجدران، تحلم بغد أفضل لأبنائها وأسرتها الصغيرة. وما هذه السيرة الذاتية إلا صرخة نملة/ أستاذة في هذا المجتمع بصوت جميع ممتهني مهنة التدريس؛ الذين احترقوا مهنيا دون أن يفهموا ما أصابهم ودون أن يجدوا من يشد بأيديهم وعلى. عضدهم لينعتقوا من مصابهم، فمنهم من ظل قابعا في قسمه شبه ميت وكأنه جذع شجرة خاو محترق إلى أن تقاعد، ومنهم من انتهى به الأمر كالمجذوب في الحواري والشوارع أو البراري، ومنهم من انتهى به الأمر في مستشفى المجاذيب أو المجانين ومنهم من انتحر منهيا عذابه وصراعه مع الواقع رغم إيمانه الشديد ووثوقه بالله أكثر من أشد الواثقين به سبحانه. فدافعي الأول لكتابة سيرتي الذاتية هو إصابتي بمرضي الذي أتقدم له بجزيل الشكر؛ وممتمنة له أيما امتنان لإصابتي به، فهو كان دافعي للخلاص إما منه أو من الحياة، وصدفة كنت من المحظوظين لوجود أشخاص رائعين بحياتي وجدتهم حولي كما الخبيثين لدفعي بقوة وللتحدي لأظل بهذه الحياة وهذه الدنيا لأتقاسم معناتي بمرض “الاحتراق المهني” المشخص بمرض القلق الذي أثار اهتماما خاصا لدى أحد أعلام الحرية الوجودية كيير كيغارد (Kier Kegard) من حيث هو دافع إلى الإنجاز والإبداع، ويراه كيير كيغارد -أي القلق الخلقي- على أنه موجود منذ عصيان آدم عليه السلام ربه. ولكنه لا يتضح لدى الفرد إلا بعد ارتكابه إثما يعترف به أو يكون منبعا للإبداع، وبأن قوة النفس تنبثق من نجاح الفرد في مواجهة الخبرات التي تثير القلق، فالقلق سبيل إلى نضج النفس الإنسانية وتفتحها عن طبيعتها العميقة الخلاقة، ولكنه يقود إلى الانسحاب أحيانا بدلا من الخلق والإبداع، ويمكن أن يتطور إلى عصاب شديد الأثر.
فانبثقت أولى بوادر هذا الانعتاق والخلاص والخلق حين فكرت في أن أتابع دراستي الجامعية بشعبة السوسيولوجيا وأن ألقى أساتذتي الأجلاء الذين أتوجه إليهم بكل الامتنان والاحترام والتقدير، فلم يبخل أساتذتي علي في شعبة الفلسفة ومسلك السوسيولوجيا على إمدادي بالطاقة اللازمة لأواصل دراستي وبكل التشجيع لأطور من عطائي وكتاباتي، فكانت الدراسة بالنسبة لي شفاء وبلسما، وكانت الكتابة تحررا من أسر الذات وميلادا منبثقا من الرماد والاحتراق وأسر المرض ومن ضروب الجنون من زاوية النظر المغربية…

 إخفاقاتي… اختباراتي… نجاحاتي… وانعتاقي…

وقبل أن أبدأ أول اختبار لي وخلال بحثي عن الرقم والقاعة المخصصة للمادة الأولى وهي اللغة الفرنسية، فوجئت من طرف الطلبة يخبرونني أنني لا أنتمي للفوج “أ” الذي أدرس مع طلبته، بل إنني أنتمي للفوج “ب” لأن اسمي العائلي يبدأ بحرف “G” وهذا الحرف اللاتيني في الجزء الثاني من اللائحة، وهذا معناه أن أغلب المواد مختلفة هي محاورها عن المحاور التي درستها في فوجي “أ”، لأننا لا ندرس بنفس الشكل! فكل أستاذ يحدد محاور مخالفة لما يدرسه الأستاذ الآخر، أخبرني الطلبة أنهم في مادة “مفاهيم فلسفية” يدرسون عن العدالة والحرية والحق والسعادة…دارت بي الكرة الأرضية وليس مكاني فقط!
هذا معناه أن كل المواد التي اعتمدت عليها أثناء استعدادي للاختبارات لا تصلح كأجوبة على أسئلة الفوج الآخر، في حين أن فوجنا في “مادة مفاهيم فلسفية” درس عند أستاذ الشتوكي فلسفة ما قبل أفلاطون وأرسطو، درسنا عن الفيلسوف الشاعر “بارمينيدس” وقد حلقت مع شعره وفي سمائه، ولا توجد فرصة أمامي لتجميع المواد ومراجعتها، فأنا لا أعرف أحدا من طلبة الفوج الثاني، لأن جل الطلبة تفرقوا استعدادا لاختبارات الدورة الخريفية، فمنهم النازحين من مناطق بعيدة كالحسيمة، والشاون… فهم يغادرون إليها خلال فترة الامتحانات من أجل الاستعداد لها وهم بين ظهراني ذويهم وأسرهم، لأجد نفسي في أول امتحان لي بعد أن جمعوا أغلبنا في المدرج الجديد الأول، كان حينها بدون اسم وقد طرح أحد الأساتذة علينا سؤالين، كل سؤال خاص بفوج حسب المحاور التي درسها الطلبة!
كل أجواء الامتحان بالكلية كانت جدا غريبة عني، انتابني الضحك وأنا أفاجأ بطرح الأسئلة شفهيا في الجامعة! في أي نوع من الاختبارات نحن؟ مع أن هذه اختبارات التعليم العالي أو التعليم الجامعي، فأين هذا العلو؟! أين هي الأوراق المذيلة بأسئلة الاختبار؟ أين هو الصمت المطبق الذي يسود اختبارات العالم بأسره؟
وأذكر أن من بين من حرسونا الدكتور بوطالب عبد القادر وفي لحظات عمت الفوضى بسبب الغش، فهو أي هذا الأستاذ من أعداء الغش ويقف كحصن منيع له بالمرصاد، لم أستوعب أول وهلة أن هذه أجواء الاختبارات الجامعية التي أصبحت عبارة عن حلبة صراع قوي بين الطلبة والأساتذة من دقائقها الأولى من أجل محاربة آفة الغش، وكيف أن بعض الطلبة لا يخجلون بعد مطالبة الأساتذة لهم بوضع الورقة والخروج مطرودين بسبب الغش، بل قد يرفضون الانسحاب، بل الأدهى والأمر من هذا إنهم يحتجون وكأن لهم حقوقا يطالبون بها. بقيت أولى الحصص مندهشة جدا ولوقت ليس بالهين غير مركزة بتاتا ولا أكتب بل متتبعة لصراعات الأساتذة والطلبة بسبب الغش.
وبعد انتهاء كل حصة أو مادة اختبار، كنت أذهب عند الأستاذ الذي يدرسني المادة وأشرح له أنني مخطئة في التفويج، وأنني لم أعلم بذلك إلا عند حلول اليوم الأول من الاختبارات، فتفهم جل الأساتذة الأمر، وفهمت بعد ذلك أن التفييئ حسب منظومة “مسار” وأرقامه يفرض عليهم بأن لكل أستاذ لائحة خاصة بمجموعة طلبة هو مسؤول عن تصحيح أوراقهم ومسك النقط لديهم، كما هو الحال عندنا في التعليم الأساسي، وهي الطريقة الجديدة التي أصبحنا نعمل بها والتي تضمن الكثير من التنظيم والضبط، لكن التلميذ أصبح رقما في منظومة مسار، وعدم وجود الرقم يعني عدم وجود التلميذ أو الطالب ولو كان ماثلا أمام أستاذه، والكثير من الحلول في التدريس تلاشت، والطرق الإنسانية ألغيت بسبب مسار هذا.
ذهبت أبحث عن مقر رئاسة الشعبة الذي ولجته أول مرة وعرفت مكانه أثناء اختبارات الدورة الخريفية، حتى أوضح لرئاسة الشعبة اللبس الذي وقعت فيه، وكوني أنتمي لفوج “ب” وأجبت على الأسئلة المطروحة على الفوج “أ” الذي كنت أدرس معهم. وحينها لم تكن الاختبارات في السنة الأولى بالتنظيم والتفييئ والترقيم والأجواء التي تمر فيها الاختبارات حاليا، مع عدم التساهل مع أي طالب إذا غير قاعته أو مكان رقمه ومراقبة بطاقة كل طالب بدون استثناء في كل مادة اختبار كما هو الشأن عليه الآن.
في رئاسة الشعبة كان المكتب موصدا وأمامه طلبة كثر كل يغني على ليلاه، وطرقت الباب فأجابني رجل سمين بمقر شعبة علم الاجتماع، بغلظة وصوت مرتفع وبلهجة حادة بعد أن سمع جملة أو جملتين مني دون أن يترك لي فرصة للحديث، ليأمرني بالمغادرة دون أن يترك لي فرصة الكلام مع أساتذتي الذين يدرسونني، وقال لي: «سنحل هذه المشكلة ولست مرغما على أن أشرح لك تفاصيل عملنا!». غضبت جدا لأنه صرخ في وجهي ولم يهتم لأمري، واستغربت كيف يصيح بي وأنا بهذا العمر؟ فأكيد هو ميز أنني لست بسن أغلب الطلبة؟ كيف يجرؤ على الصراخ بوجهي؟ كنت على وشك أن أكيل له الصاع صاعين وقاب قوسين من أن أصرخ بوجهه.
فمنذ إحساسي وإصابتي بالمرض وخلال علاجي لم يعد عندي الصبر لإهانات أو صراخ أو غضب أحد! لم يعد عندي لباقة التعامل الاجتماعي أو الرضوخ لأحد مهما كان! ولولا أن نظري وقع على الدكتور المعتصم الذي قال لي بكل أدب وكعادته: أعدك أن هذا المشكل سيحل وعلى مسؤوليتي لا تخافي-وطبعا احترمت أستاذي -فلولاه لاستشطت غضبا على ذاك الذي عاملني كطالبة صغيرة السن، ولكنت من الدورة الأولى منسحبة من هذه الكلية، فقد أصبحت لا أقوى على أن أعامل بغلظة أو قسوة أو عدم أدب لأي سبب ومهما كان.
لمحت بعدها أستاذ بوطالب الذي كان أول من طرحت عليه هذا الموضوع وهو يحرسني في المدرج ليقول لي: «المهم أكتبي اسم الأستاذ الذي يدرس لك المادة في ورقة التحرير»، لأفاجأ به في مقر رئاسة الشعبة يخبرني بأن ليس من حقه تصحيح ورقة امتحان تنتمي للائحة الأستاذ الثاني للمادة، فوجئت جدا برده المعاكس لموقفه الأول، لكنني التمست له العذر، وقلت في نفسي أكيد أن الأستاذ نسي وعده لي مع ضغط الامتحانات هذا ولتواجد الطلبة بكثرة في رئاسة الشعبة. فكل ومشكلته مع تواجد وفير للطلبة الذين يريدون استرداد بطائقهم التي تسحب منهم في حالات الغش، فأكيد هو مضغوط فقط، فخمنت أنه بعد تصحيح أية ورقة، ستكتب نقطة الطالب، وسيتم مسكها وحفظها من طرف أستاذ المادة. وبقيت أمني نفسي بهذا الظن أو اليقين وهذه القناعة إلى أن حان وقت إعلان النتائج الذي طال جدا عندي، ولم أتوان في كل مرة عن سؤال بعض الطالبات اللواتي أتواصل معهن عبر الهاتف عن وقت إعلان النتائج، ليخبرنني في كل مرة أن الوقت سيطول لأكثر من شهر، وبأننا قد نواصل الدراسة والنقط غير معلنة.
فانتظرت طويلا كما لم يطل عندي الزمن يوما، حتى حلت ليلة من ألف ليلة، وقبل خلودي إلى النوم وأنا ممتدة في سريري قمت بإطلالة على هاتفي المحمول كما تعودت حوالي منتصف الليل، لأجد أن طالبتين يدرسان معي قد أرسلتا لي نقطي في كل مادة، لم أصدق عيناي في الوهلة الأولى، ناديت ابنتي بقوة التي كانت ساهرة تراجع دروسها استعدادا لامتحان لها في اليوم الموالي، قلت لها بل صحت فيها: هل ما أراه صحيح؟ خذي هاتفي واسردي علي نقطي في كل مادة! فهي من أجيال الهواتف الذكية، وربما لم أفهم ما هو مكتوب جيدا لتؤكد لي صحة ما رأيته بأم عيني، بدأت أصيح وأخذت أقفز على السرير كالطفل الصغير، ربما لم أقفز على السرير منذ طفولتي، فمجموع نقطي يفوق الاثنا عشر نقطة من عشرين، يعني أنني حصلت على الامتياز، وهذا يعني أن إيجاباتي كانت صائبة أو قريبة من الصواب، يعني أنني لازلت بكامل قواي العقلية، وأن تفكيري سليم، وذاكرتي التي خربت لا بأس بها ومعنى هذا كله أنني لازلت إنسانا بعد أن فقدت إنسانيتي بمرضي، يعني أنني لم أعد شخصا ممسوخا لا هوية له ولا مسحة من الإنسانية لديه! يا إلاهي ما دفعة الخير هاته كلها في حياتي؟ ألا زال عندي أمل! أما زلت أعطي شيئا في هذا المجتمع؟
أخذت أقفز وأقفز حتى قام زوجي مذعورا من نومه، لأن النقط توصلت بها في منتصف الليل، ولأني آخر من ينام بالبيت دائما، عانقت ابنتي وأنا أقفز وأدور معها في غرفتها، فبارك لي زوجي وابنتي النجاح بامتياز، وبعدها قال لي زوجي تصبحين على خير! تساءلت مندهشة: «أبعد كل هذا الخير الذي أمسيت عليه أستطيع النوم لأصبح عليه، قم سنخرج لنحتفل!».
خرجنا ثلاثتنا، تركت ابنتي كتبها ومراجعتها للاختبار في اليوم الموالي، ذهبنا إلى شاطئ البحر، هو نفس الشاطئ الذي كنت أهرب إليه فارة من عملي وأرتمي على رماله باكية غير آبهة لأحد، هي نفس الرمال التي شهدت حزني الشديد قبل مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر فقط، فارة من مهنتي، فارة من بيتي من أولادي من كل حياتي!!
فتحت نافذة السيارة وأنا أصيح بأعلى صوتي كالثمل الذي أطلق لنفسه كل جوارحها وفقد السيطرة عليها، رافعة يدي كالطفلة الصغيرة في الهواء تتلقفه مسرعا في الاتجاه المعاكس لانطلاق السيارة، أي فرحة هاته؟ وأي انتصار؟ وأي شجاعة؟ شجاعة في خوض غمار تجربة يليها نجاح وظفر أو ربما فشل ويأس، أي حياة بعد موت؟ وأي شفاء بعد سقم؟ وأي إحياء لميت بعد دفنه بالحياة؟
أين كانت هاته الأحاسيس مغمورة قبل ثلاثة أشهر فقط، كان لها كل النقيض. قبلها كنت أذهب لممارسة الرياضة أحيانا -رغم تأكيد الأطباء بضرورتها بالنسبة إلي- وأرى النساء يضحكن ويبتسمن وقد يرقصن في آخر الحصة بعد الانتهاء من الحركات الرياضية فأستغرب كيف يستطعن الكشف عن أسنانهن؟ كيف يقوين على الضحك الذي لم أعد أعرف له طريقا!
يا الله ما هذه السعادة التي أحياها؟ من رآني تلك الليلة لن يصدق أنني أنا نفسها من كانت ميتة قبل مدة ليست بالكثيرة وهي فترة ولوجي للكلية من أجل الدراسة بشعبة السوسيولوجيا.
لم نرجع إلى البيت إلا بعد حلول الساعة الرابعة فجرا! لم أستطع النوم بسبب الفرحة العارمة التي حلت بي ليلتها، حتى وأنا في قمة الحزن لا أنام، لكن شتان بين اليقظتين، لا مجال للمقارنة أو لنقط التقاطع أو التقارب. بكثرة الفرحة لم أهتم لابنتي أنا الحريصة أن تأخذ كفايتها من النوم، خاصة وأنها في اليوم الموالي ستمتحن في مادة الفيزياء. تلك الليلة كنت أمسك الدنيا بكاملها بين يدي! أية فرحة هاته لا توازيها فرحة في الدنيا! إنها فرحة النجاح بعد الفشل! فرحة الحياة بعد الموت! فرحة الولادة بعد العقم! فرحة النقيض للنقيض! علاج نتيجته لم تستطع أن تضاهيه وصفات عقاقير أمهر الأطباء أو أي علاج نفسي.
كل نقطي كانت فوق المعدل إلا نقطة مادة “أسس علم الاجتماع” للأستاذ بوطالب فقد كانت سبعة من عشرين، لم أستوعب الأمر وأنا في خضم الفرحة، فرحتي الكبرى! لما حصلت على هاته النقطة بالضبط تحت المعدل؟ كنت سعيدة جدا حتى أنني قلت لإحدى الطالبات اللواتي هنأنني على النتيجة: لا أعلم كيف حصلت على مثل هاته النقطة عند الأستاذ بوطالب؟ مع أنني ركزت جدا على مادته، وبالنسبة لي فجوابي كان شافيا لسؤاله؟؟؟ فقالت لي: إنك محظوظة لحصولك لهاته النقطة عند الأستاذ بوطالب، لأنه يمنح نقطا أغلبها تحت النقطة ثلاثة، وهي نقطة لا تخول للطلبة فرصة إعادة المادة في الدورة الاستدراكية.
استغربت الأمر، لكن الفرحة لم تستوقفني كثيرا عند هاته النقطة، وتساءلت: ما هي نوع الإجابات التي يفضلها الأستاذ بوطالب؟ والذي أحسست أنني استوفيت بإجابتي على سؤاله الذكي والملغم الذي يحد من فرص الطلبة في الغش، ومن لم يركز بشكل كاف على سؤال مادته فلن يستطيع أن يجيب عنه، أما من خولت له نفسه الغش فحظوظه ضئيلة مع نوعية هاته الأسئلة الملغمة. في الحصول على أية نقطة.
حللت بالكلية بمارتيل لأسأل عن منسق المسلك ليرشدونني إلى الأستاذ الزكريتي عبد الرحمن ، يعني أنني لن أذهب عند ذلك الغث السمين الذي طردني من مكتبه. وقد تذكرته أي -الأستاذ الزكريتي- لأنه هو من كان يتنقل بكل خفة وسرعة ويرشدنا أيام الامتحانات للقاعات، ويزودنا بأرقامنا في مسار بالنسبة لمن لا زال لم يحصل على بطاقة الطالب مثلي، فاستفسرته عن الدورة الاستدراكية وبأنني سأعيد اجتياز اختبار مادة أسس علم الاجتماع التي يدرسها، وبأنني كنت مخطئة في التفويج، وطلبت منه أن يدلني على أي مطبوع أو كتاب لأعتمد عليه استعدادا لمادته، لأني لا أعرف حتى المحاور التي قام بتدريسها لطلبة فوجه، ليجيبني بطريقته الهادئة وبابتسامته الدائمة على محياه بأنه لا يملي محاضرات على الطلبة وليس لديه أي مطبوع ويمكنني أن أقرأ ما أشاء.
وقبل أن أنصرف سألني عن اسمي فأجبته وذكرته له كاملا، فضحك وقال لي: إن كل طلبة أستاذ بوطالب الذين أخطأوا الفوج ولا ينتمون لطلبته اقتسم لهم النقطة على إثنين ومنحهم نصف نقطة فقط، وأردف لي قائلا: «إن ورقتك أذكرها جيدا وقد كانت الأفضل من بين الأوراق التي سلمني إياها والتي تنتمي لفوجي، وبالنسبة للمحاور فنفسها ندرسها معا. فواحدة هي محاور أسس علم الاجتماع»، لأن من بين أهم مؤسسي هذا العلم الذي ندرسه “السوسيولوجيا ” هم: أوجست كونت وماكس فيبر وإميل دوركايم وكارل ماركس وابن خلدون. كل هؤلاء عظماء وأثروا على السوسيولوجيا بشكل كبير.
لكني كنت أشد إعجابا بماكس فيبر ذلك العالم الألماني الذي عانى ما عاناه من مرض نفسي حال دون قيامه بأبحاثه لسنوات قبل أن يستعيد عافيته ويستأنف أبحاثه من جديد ويعطي للسوسيولوجيا الكثير فأبدع فيها أيما إبداع.
يا الله يعني عرفت حتى حل لغز نقطة الأستاذ بوطالب، وفرحت جدا بذلك وعرفت أنه منحني ضعف نقطتي التي حصلتها عليها عنده في مادة “أسس علم الاجتماع”، يعني أن إجابتي أعجبته ومعناه أنني قد وضعت الأسس السليمة لدراستي الجامعية.
أفلت للبيت وأخبرتهم بالمفاجأة الجميلة التي أخبرني إياها الأستاذ الزكريتي وهو منسق شعبة علم الاجتماع الذي أضاف عليها الكثير من التنظيم الملحوظ من فترة دراستنا لشعبة السوسيولوجيا أثناء الفصل الأول، إلى أن وصلنا إلى الفصل الخامس، فالفرق شاسع جدا إن على مستوى تنظيم القاعات والمدرجات خلال فترة الامتحانات وما أصبحت تشهده من أجواء سليمة للإختبارت، وإن على مستوى ترقيم الطاولات والحرص على جلوس كل طالب في مكانه الخاص به حتى لا ينتحل شخصيتة طالب آخر، ومراقبة البطائق الطلابية وفرض الفرق المعقول بين أماكن الطلبة الذي تغير من أربعة طلبة في طاولات المدرج الطويلة إلى ثلاثة فقط، والحرص عل الكثير من التفاصيل الدقيقة التي أصبح مشهود لها بالصرامة والتنظيم والسهر على أجواء وظروف اختبارات ملائمة تتماشى والحياة الجامعية، من احترام للوقت المخصص لاختبار كل مادة وكل ما يتعلق بلوجستيك الاختبارات بشكل عام.
قالت لي ابنتي بعد أن عدت للبيت وأخبرتهم بسر لغز نقطتي في مادة “أسس علم الاجتماع”: “حوفيك” باللهجة الشمالية وتعني “هذا جزاؤك” أو “خير جزاء لك”، وأخذت تردد على مسامعي: «إن الأساتذة لا يظلمون الطلبة؟ إن الأساتذة لا يتعمدون الخطأ مع الطلبة؟ إن الأساتذة لا ينتقمون من الطلبة؟ إن الأساتذة جد عادلين أو هم الأكثر عدلا في هذه الدنيا».
هذا هو كلامي دائما عن الأساتذة طيلة فترة دراستهما -ابني وابنتي- حين يأتي أحدهما شاكيا لي من أستاذ له بأنه ظلمه أو فضل زميلا آخر عليه، فكانت دائما تلك أجوبتي لهما، ولا أكلف نفسي عناء الذهاب لمدارسهم. من أجل الاستفسار عن مثل هاته التصرفات أو هذا النوع من الشكوى، لأنني مقتنعة وبشدة أن الأستاذ لا يظلم وحتى إن كان هناك ظلم ما فهو غير متعمد، كما لا تظلم الأم أبناءها عن قصد وكما تكون جد حريصة على أن تعدل بينهم إلا إذا كان هناك انفلات رغما عنها.
فابتسمت وأنا أسمع كلمات ابنتي وأدركت حينها وقع كلامي على نفسيتها لأول مرة عليها وهي في عز إحساسها ذاك بالظلم، حين تأتي باكية لي أو شاكية من أستاذة أو أستاذ يدرسها. وقلت لها: «ومع كل هذا فالأستاذ بوطالب لم يظلمني فقد طبق على كل الطلبة الذي غيروا الفوج نفس المنطق وساوى بيننا رغم اختلاف الأسباب والنيات والدوافع» وأردفت: «كيف سيعرف الأستاذ أو يثبت أنني كنت مخطئة فعلا في الفوج وغير متعمدة لذلك؟ إن ما فعله لهو قمة العدل، أي منحه لنا جميعا نصف النقطة التي يستحقها كل واحد منا! ثم لا تتناسي على أنه لازالت هناك فرصة أخرى أمامنا وهي الدورة الاستدراكية لتدارك الأمر». إلا أنها كررت لي مغتاظة «”حوفيك” مرة أخرى».
أعدت اختبار مادة أسس علم الاجتماع في الدورة الاستدراكية، وللمصادفة العجيبة سيطرح الأستاذ الزكريتي السؤال على نفس المحور الذي طرحه الأستاذ بوطالب أي على أحد أهم مؤسسي السوسيولوجيا وهو “إميل دوركايم”، ولأني كنت جد هاضمة للمادة فلم أجد أية صعوبة في الإجابة رغم ضيق الوقت الذي يتقلص بنصف ساعة في الدورة الاستدراكية بدل ساعتين في المادة في الدورة العادية، وأذكر أنه من بين الأساتذة الذين قاموا بحراستنا أستاذ يمشي مستعينا بعكازين تحت إبطيه، سأدرس عنده في الفصل الثاني مادة “الديموغرافيا ” التي حببها لنا كطلبة وحللها وفتت لنا محاورها، كما تفتت الأم لطفلها الغرير كسرات الخبز حتى يسهل عليه أن يأكلها ويهضمها بسهولة ويسر ويتلذذ بمذاقها.
إنه البحر كما شبهه لي مرة أحد الطلبة حين قال لي متسائلا: هل يوجد على وجه هذه البسيطة ما هو أضخم او أكبر من البحر؟ وهل للبحر حدود أو حد؟ فكذلك الأستاذ جيدة محمد فليس لمعرفته حدود.
يلقبونه كذلك “بغوغل” أو “الحاج غوغل” الذي وبمجرد ضغطة صغيرة، أو بطرح أي تساؤل عليه فهو يستفيض في الجواب بإسهاب وبدقة شديدة على كل ما يطرح عليه، وشخصيا وأنا أستمع لمحاضراته أتخيل نفسي وكأنني أسافر وأحلق في عالم المعرفة والمعلومات اللامتناهية، ولا عجب فهو دكتور متخصص في مادة الجغرافيا كعلم من العلوم الحقة بل هي أحق العلوم كما لقننا في مادته الديموغرافيا تحديدا والاجتماعيات تعميما وهي الشعبة الأكثر تثقيفا لصاحبها ولمن يرشف من علمها، فمن خلالها يعرف الطالب الماضي والحاضر وقد يستقرئ المستقبل أو يتنبأ به من خلال الماضي كما فعل بالضبط ابن خلدون منذ القرن الرابع عشر حين نظر للتاريخ نظرة مختلفة عن سابقيه، فاعتبره علما لا يقوم فقط على الرواية والثقة المطلقة فيما يقوله الرواة بل هو علم يعتمد على الشرح والتحقيق والتحليل فهذا ما جاء في مقدمته الخلدونية الشهيرة.
فنفس ما قام به الأستاذ جيدة محمد في إحدى حصصه، حين تنبأ لنا بفوز إمانويل ماكرون (Emmanuel Macron) في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فبعد تحليل مستفيض كأنه أستاذ للعلوم السياسية، وبعد أن حلل لنا الانتخابات الفرنسية وكون المرشحين بالمقابل لماكرون هم مرشحوا اليمين المتطرف الرافض للمهاجرين، وبما أن سياسة فرنسا الديموغرافية تنحو إلى تشجيع الهجرة فإن الفوز سيكون من نصيب المرشح (إمانويل ماكرون)، وفعلا كان ذاك بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية الفرنسية سنة 2017.
محاضراته أيضا يسودها الصمت، وقد يفقد أستاذنا السيطرة على أعصابه إذا بالغ أحد الطلبة في التشويش عليه، يطالبنا بعدم الكتابة والاكتفاء بالانتباه والاستماع فقط. وفعلا فالطالب الجالس أمام الدكتور محمد جيدة أثناء إلقائه لمحاضراته يكتفي بشرحه ويمكن أن يكتب في امتحانه مستندا لما سمعه من الأستاذ وهي نفس الخصلة التي يتمتع بها الدكتور تمحري عبد الرحيم، فهما معا يلقنان المعلومة ببساطة وسلاسة وذلك بتكرارها عدة مرات بصيغ مختلفة.
وحين تقترب فترة الامتحانات فإنه يعرض ما شرحه لنا طيلة الفصل على شكل فيلم وثائقي لتفعيل كل شروحاته السابقة باستفاضة وتطعيمه بشتى الوسائل كالإحالة على مشاهدة أفلام سينمائية مهمة تؤرخ للفترة المدروسة بدقة. إنه عاشق باريس مدينة الجن والملائكة كما قال عنها طه حسين ، عشق لا يخفيه.
يحب تدريس طلبة شعبة السوسيولوجيا، هذا ما ردده علينا مرارا للحس النقدي الذي يميز الطلبة السوسيولوجيين وقدرتهم عل التحليل. ويعتبر هذا الأستاذ من أنشط الأساتذة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمارتيل، فهو من يقوم برحلات تدريسية ميدانية لطلبته لعدة مناطق شمالية كمنطقة بليونش الساحرة المطلة على إسبانيا أو قاب قوسين منها وكأنهما أرض واحدة شقتهما قليل من المياه، فأصبحت عبارة عن أرضين ولغتين وثقافتين مختلفتين كل الاختلاف، وكأن انشقاق الأرض بحركات تكتونية وانجراف القارات هو الذي طرح المرأة الميتة أو (موخيرا مويرطي) (La mujer Muerta) شاهدة ملامح جسدها التضاريسي على هذا الانقسام والانشطار لأرض واحدة تتطلع لها قلوب وآمال وأحلام الشباب ما بين الجذب والطرد على ضفاف قليل المياه هذا الذي شق قلوب وآمال وأحلام الشباب بدل أن يضمدها وينزل عليها الرحمة والسكينة، وقليل المياه هذا الذي يقدم أجساد الشباب بكل عنفوانها وقوتها وأحلامها على طبق مجاني بدون ثمن مهدى لكائنات المياه القليلة هاته الفاصلة بين الأرض الواحدة. فأحيانا يسافر الدكتور جيدة وطلبته بعيدا عن المناطق الشمالية، فيذهب وإياهم إلى وليلي الشامخة آثارها رغم جميع ضروب الزمن، فصمود قوسها كركلا وفسيفسائها الأزرق الجميل الذي لازال براقا كأي معدن أو حجر أصيل يثبت عجز الزمن أمام إبداعات الإنسان وذكائه.
يجول الأستاذ جيدة بعقولنا في الكثير من بقاع العالم ويسافر بنا بشروحاته المستفيضة عن بعض المناطق وكأننا نراها بأم أعيننا في تلك اللحظة. كنت أشك في أنه زار كل تلك المناطق التي يتحدث لنا عنها، وما ذلك كله إلا إبداع ومهارة في توصيل المعلومة بحبكة شديدة من طرف أستاذ متمرس في مهنة التعليم لمدة تفوق الثلاثين سنة.
أستغرب أحيانا أنه من أجل بعض الدروس في التنمية البشرية نجد بعضهم يستشهدون غالبا بأشخاص كمثل أعلى في التحدي وفي العطاء رغم الإعاقة، بالطموح وتحدى الذات والجسد مقابل العقل والروح والفكر، وإعطاء النموذج بالإنجليزي ستيفن هاوكينغ Stephen William Hawking (1942-2018)كمثال لكل ذلك التحدي والقوة رغم إعاقته الجسدية. وأتساءل أين هي وسائل إعلامنا من أشخاص ينتمون لوطننا هم أكبر مثال على التحدي والعطاء رغم إعاقتهم الجسدية مثل الدكتور محمد جيدة ، وكل تلك الطاقة الايجابية الكبيرة التي يمنحها لطلبته حين يرونه داخلا للمدرج من أجل تنوير عقولهم والعبور بمعيته والأساتذة الآخرين إلى مصاف الباحثين والدارسين والطالبين للعلم والمعرفة
… يتبع

شاهد أيضاً

كلام في الرياضة كل يوم ثلاثاء : جامعات خارج النص …والاعلام لا يعرف سوى الكرة

كتب/ الاستاذ حفيظ بنكميل  في الوقت الذي تعيش فيه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فترة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *