أوراق من وعي وثقافة للكاتبة والمؤرخة المصرية الدكتورة منال إمام (الوعي والهوية في مواجهة حروب الإدراك)
د. منال إمام
12 ساعة مضت
كتب / د. منال إمام
لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بصوت المدافع، ولا تنتهي عند حدود الجغرافيا. فقد انتقلت المعركة إلى مساحة أكثر خفاءً وخطورة: عقل الإنسان ووعيه وهويته. أصبحت الشاشة ميدانًا، والصورة سلاحًا، والكلمة أداة للتأثير، والمعلومة غير الدقيقة قنبلة قد تنفجر داخل المجتمع دون أن نعرف من أطلقها.
ولذلك لم يعد السؤال: ماذا يحدث حولنا؟ فقط، وإنما: من يصنع الصورة التي نرى من خلالها ما يحدث؟
هنا تظهر خطورة حروب الإدراك؛ وهي الحروب التي لا تستهدف تغيير الواقع فحسب، بل تستهدف الطريقة التي يفهم بها الإنسان الواقع. قد تكفي شائعة تتكرر، أو صورة مجتزأة، أو فيديو مفبرك، أو رواية مشحونة بالكراهية، لكي يتحول المواطن من متلقٍ للمعلومة إلى أداة في نشرها، ومن دون أن يدرك أنه أصبح جزءًا من معركة أكبر منه.
والأخطر أن هذه الحروب لا تستهدف العقل وحده، وإنما تمتد إلى الهوية، فالعبث بالهوية يعني العبث بذاكرة الإنسان وانتمائه وعلاقته بوطنه ومجتمعه وتاريخه. وحين يتحول الاختلاف الطبيعي إلى كراهية، والخلاف إلى انقسام، والانقسام إلى صراع، تصبح المجتمعات أكثر هشاشة أمام أي تهديد خارجي.
ومن هنا فإن حماية الهوية العربية لا تعني الانغلاق أو رفض الآخر، بل تعني بناء إنسان واثق من جذوره، قادر على الانفتاح دون أن يفقد ذاته، وعلى الاختلاف دون أن يتحول اختلافه إلى عداوة.
لقد أصبح المواطن العربي اليوم في حاجة إلى مناعة معرفية تحميه من التضليل كما تحميه المناعة الجسدية من المرض. أن يسأل قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويميز بين الخبر والرأي، وبين النقد والتحريض، وبين الحقيقة والدعاية.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح من الممكن التلاعب بالصورة والصوت والفيديو، لم يعد التفكير النقدي رفاهية ثقافية، وإنما أصبح ضرورة من ضرورات الأمن.
وهنا تتضح العلاقة المباشرة بين وعي المواطن والأمن القومي العربي، فالأمن القومي لم يعد مرتبطًا فقط بحماية الحدود والقوة العسكرية، وإنما أصبح مرتبطًا كذلك بقدرة المجتمع على حماية وعيه وتماسكه وهويته من الاختراق.
إن الدولة قد تمتلك أقوى الجيوش، لكنها تظل بحاجة إلى مجتمع يمتلك القدرة على التمييز. فالحدود تحمي الأرض، أما الوعي فيحمي الإنسان الذي يدافع عنها.
ولهذا فإن مواجهة حروب الإدراك ليست مسؤولية الأجهزة والمؤسسات وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، وتصل إلى المواطن نفسه. فكل معلومة نتحقق منها قبل نشرها، وكل شائعة نرفض ترويجها، وكل خطاب كراهية نرفض الانجرار إليه، هو إسهام صغير في حماية الأمن المجتمعي والقومي.
إن أخطر انتصار يمكن أن تحققه الحرب ليس أن تدمر مدينة، وإنما أن تجعل الإنسان يفقد ثقته في الحقيقة، أو يكره أخاه، أو يتنكر لهويته، أو يتحول إلى أداة لهدم مجتمعه بيديه.
ومن هنا تصبح معركة الوعي واحدة من أهم معارك الأمن القومي العربي.
فالجيوش تحمي الحدود، ولكن الوعي يحمي الجبهة الداخلية، وحين يبقى عقل المواطن يقظًا، تصبح محاولات اختراق المجتمع أكثر صعوبة.
وفي زمن تتعدد فيه الأسلحة وتتغير فيه ميادين الصراع، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل نحمي أوطاننا من الخارج فقط، أم نحمي عقول أبنائنا من أن تتحول إلى ساحة للحرب؟
فالإنسان الواعي ليس مجرد مواطن يعرف ما يحدث حوله؛ إنه خط دفاع أول عن وطنه، وعن هويته، وعن أمن أمته.
2026-09-29