حلقات من سلسلة ( إنتحار مراهقة) للكاتبة المغربية بشرى الظالم [طفولةٌ مسروقة]
دة. بشرى الظالم
57 دقيقة مضت

كتب/ بشرى الظالم
لم تكن جنات تفقد شيئًا واحدًا في كل مرة، بل كانت تخسر أجزاءً صغيرة من طفولتها
حتى كبرت بعضُ أوجاعها قبل أن يكبر جسدها
كانت تجلس إلى جانبي في القسم، لكن عقلها لم يكن معنا دائمًا. أحيانًا كنت أراها تحدّق طويلًا في السبورة دون أن تكتب شيئًا، ثم تفتح دفترها وكأنها تذكّرت فجأة أنها في المدرسة. كانت دروسها تتراجع، وواجباتها تنقص، ودرجاتها تصبح أضعف من قبل
لم أكن ألومها
كنت أعرف أن من يذهب إلى المدرسة وهو يحمل خوف البيت في داخله، لا يستطيع أن يترك ذلك الخوف عند باب القسم
حتى بصرها بدأ يضعف. كانت تقترب من السبورة، وتضيّق عينيها محاولةً قراءة ما تكتبه المعلمة. أخبرتني أكثر من مرة أنها لا ترى جيدًا، وأنها طلبت من أمها أن تأخذها إلى طبيب العيون
لكن أمها كانت ترد عليها
كفى شكوى. نحن ندفع ثمن المدرسة، ماذا تريدين أكثر؟
كنت أستغرب تلك الجملة
لم أكن أفهم كيف يمكن أن يتحول دفع المال إلى المدرسة إلى ذريعة لحرمان طفلة من نظارة تحتاج إليها. المدرسة لم تكن بديلًا عن الأم، والمال لم يكن عذرًا لعدم رؤية وجع ابنة
كنت أحيانًا أنظر إليها وهي تحاول نسخ الكلمات من السبورة، فأشعر بأن شيئًا آخر يُنتزع منها بصمت
وفي أحد الأيام، حدث أمر جعلني أنظر إلى جنات بطريقة مختلفة
رأيتها تقترب من حقيبة إحدى زميلاتنا، ثم تأخذ مقلمة صغيرة وتضعها في حقيبتها
بقيت واقفةً أراقبها، غير قادرة على تصديق ما رأته عيناي
جنات؟
هي نفسها التي كانت تخجل من رفع صوتها؟
هي التي كانت تخاف حتى من أن تطلب شيئًا؟
بحثت زميلتنا عن مقلمتها طويلًا، ثم قالت في النهاية
لا بأس، ربما سقطت مني في الطريق. سأشتري واحدة أخرى
لم أقل شيئًا
وفي اليوم التالي، رأيت جنات تفتح حقيبتها، فأخرجت أقلام تلوين لم تكن لها
عرفتُ ذلك فورً
نظرت إليها، والتقت عيوننا
لم تقل شيئًا، ولم أقل أنا شيئًا
كان بإمكاني أن أفضحها، وكان بإمكاني أن أخبر المعلمة، وكان ذلك سيكون التصرف الصحيح تجاه زميلتنا. لكنني في تلك اللحظة رأيت شيئًا آخر خلف تلك الأقلام
رأيت طفلةً لم تكن تملك حتى الأشياء الصغيرة التي يملكها الأطفال دون أن يفكروا في ثمنها
لم يكن ذلك يجعل ما فعلته صحيحًا
السرقة تظل خطأ
لكنني بدأت أفهم أن الخطأ أحيانًا لا يولد من قلبٍ شرير، بل من احتياجٍ لم يجد طريقًا صحيحًا إلى صاحبه
كانت جنات محرومة من أشياء كثيرة: من الزيّ المدرسي، ومن النظارات التي تحتاج إليها، ومن الطعام والحنان، ومن أبسط الشعور بأن هناك من سيقول لها: «لا تقلقي، أنا سأهتم بك»
وكان الحرمان يتراكم
شيئًا بعد شيء
حتى بدأت أرى أثره في تصرفاتها
وفي ذلك العمر، لم أكن أعرف كيف أشرح ما كنت أشعر به. كنت فقط أعرف أنني لا أستطيع أن أراها كسارقة
كنت أراها طفلةً تحاول، بطريقة خاطئة، أن تلمس شيئًا من الحياة التي حُرمت منها
ولأول مرة خطر لي سؤال لم يفارقني بعدها
إذا حُرم الطفل من أبسط حقوقه طويلًا، فكم يبقى بينه وبين فقدان براءته؟
جنات لم تكن تعرف كيف تطلب
كانت تعرف فقط كيف تتحمّل
وحين يصبح الطفل معتادًا على الحرمان، قد يبدأ في أخذ الأشياء بيده، لا لأنه لم يعد يعرف الصواب من الخطأ، بل لأنه لم يعد يؤمن بأن أحدًا سيعطيه ما يحتاج إليه إذا طلبه
كنت أكره أمّ جنات
كلما جاءت إلى المدرسة لتأخذ ابنتها، كانت تبدأ رحلة أخرى من الإهانة
كانت تقف أمام الباب، ثم تقترب من بعض التلميذات اللواتي يعرفن جنات، وتقول لهنّ بنبرة ساخرة
هل ترينها؟ لا تدرس، ولا تهتم بشيء. ابنتي كسولة وغير مرتبة. تمنيت لو كانت ابنتي مثل واحدة منكنّ
وكانت تقول ذلك أمام جنات.
كانت جنات تقف بجانبها، تسمع كل كلمة، ثم يبدأ وجهها بالاحمرار، وتلمع عيناها بالدموع. كانت تحاول أن تمسك يد أمها وتقول
أمي، هيا بنا
فتشدها المرأة من ذراعها وتمضي بها
أما البنات، فكنّ يضحكن
وكنت أكره ضحكهن، لكنني كنت أكره المرأة أكثر؛ لأنها كانت تعرف تمامًا أين تؤلم ابنتها، ثم تختار أن تضغط على ذلك المكان أمام الآخرين
لم تكن تكتفي بإهانتها داخل البيت
كانت تأخذها معها إلى الطريق، وتسير بها في أطول الطرق المؤدية إلى المنزل، تمرّ بها أمام الجيران والمعارف والتلميذات، بينما جنات تمشي إلى جانبها باكية
كنت أراها من بعيد، وأشعر أن شيئًا ينكسر داخلي
في تلك الفترة، بدأت حالتي أنا أيضًا تتغير. كنت أعود إلى البيت مثقلة بما رأيته، وأفكر في جنات لساعات.أحيانًا كنت أحلم بأمها وهي تخنقني، فأستيقظ مذعورة وأبحث عن أمي في الغرفة
لم أعد أحب الذهاب إلى المدرسة كما كنت
كنت أخاف أن أراها
وأخاف أكثر أن أرى جنات معها
كان في وجه تلك المرأة شيء يجعلني أشعر أن الطفلة لا تذهب معها إلى البيت، بل تُعاد إلى المكان الذي يبدأ فيه خوفها
ثم جاءت مرحلة أخرى من عذاب جنات، حين بدأت دورتها الشهرية
كانت في ذلك العمر الذي تحتاج فيه الفتاة إلى أمّ تشرح لها ما يحدث، وتشتري لها ما تحتاج إليه، وتقول لها إن جسدها يتغير بصورة طبيعية، وإنها ليست مطالبة بالخجل منه
لكن جنات لم تجد شيئًا من ذلك
لم تشترِ لها أمها الفوط الصحية، ولا أخبرتها كيف تعتني بنفسها، بل استقبلت بلوغها بالغضب
قالت لها
لقد أصبحتِ امرأة. الآن قد تجلبين لنا العار
كانت كلمات قاسية، وقعت على جنات كأنها عقوبة أخرى لا تعرف سببها
كانت جنات تعود إلى المدرسة كل شهر وهي تحاول أن تخفي آثار دورتها الشهرية. لم يكن لديها ما يحمي ملابسها، فكانت البقع تظهر أحيانًا، وتسبقها إلى أعين التلميذات
وكانت السخرية تبدأ
بعضهن يضحكن، وبعضهن يتهامسن، وبعضهن يتعمدن النظر إلى ملابسها
أما جنات، فكانت تجلس في مكانها وكأنها تتمنى أن تختفي
وفي إحدى المرات، لم أحتمل
أعطيتها علبة من الفوط الصحية وقلت
خذيها، احتفظي بها عندك
نظرت إليّ بخوف شديد، ثم دفعتها نحوي
لا أستطيع
قلت:
لماذا؟
قالت:
أمي ستقتلني إذا وجدتها معي
توقفت
لم أفهم
قلت لها
لكنها أشياء تحتاجين إليها، لماذا ستغضب؟
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:
لأنها تقول إنني كبرت
سألتها:
وما المشكلة في أن تكبري؟
خفضت رأسها
تقول إنني قد أجلب العار
بقيت صامتة
كيف يمكن لأم أن تنظر إلى ابنتها التي بلغت سنًّا جديدة، فلا ترى فيها طفلة تحتاج إلى الحماية، بل ترى فيها خطرًا يجب مراقبته؟
كيف يمكن لجسد فتاة صغيرة، لم تختر شيئًا من تغيّراته، أن يتحول في نظر أمها إلى تهمة؟
كنت أعود إلى البيت وأتساءل
هل كانت تلك المرأة أمًّا قاسية فقط، أم أن القسوة في داخلها أصبحت أقوى من غريزة الرحمة؟
لم أجد جوابًا
وكلما حاولت أن أجد لها عذرًا، كانت جنات تأتي في اليوم التالي بعينين متورمتين من البكاء، أو بثوب يحمل أثرًا جديدًا من الإهانة، فأشعر أنني لا أملك حق اختراع الأعذار لمن يؤذي طفلًا أمام عيني.
كانت جنات تكبر، نعم
لكنها لم تكن تكبر كما تكبر الفتيات
كانت تكبر وهي تتعلم الخوف من جسدها، والخجل من أنوثتها، والاعتذار عن وجودها
وكنت أخشى عليها من اليوم الذي ستصدق فيه كلام أمها
ذلك اليوم الذي قد تنظر فيه إلى نفسها بعيني المرأة التي آذتها، فتعتقد أنها فعلًا عار، وأنها تستحق كل ما حدث لها
ولم أكن أعرف أن أخطر ما يفعله العنف بالطفل ليس أن يترك كدمةً على جسده
بل أن يترك صوتًا في داخله، يظل يكرر له سنوات
أنت المشكلة. أنت العار. أنت لا تستحق الحب….وكان ذلك الصوت قد بدأ، للأسف، يسكن في جنات
يتبع…
2026-09-29