توضيح بخصوص أخطار زراعة القنب الهندي (cannabis ) على النظام البيئي و الحلول الناجعة للقضاء على آفة العصر :
كتب : لزعر معاذ
يعرف شمال المغرب و الريف خصوصا زراعات واسعة جدا من الحشيش و التبغ (الطابا) على مر السنين .
بدأت هذه الزراعة في أعالي الجبال معتمدة على التساقطات المطرية و رطوبة المناخ دون اللجوء لسقيها (البعلية)و بدأت تتطور شيئا فشيئا إلى أن إنتشرت في السهول الشاسعة(السقوية )، و في المرحلة الأخيرة إرتفعت وثيرة هذه الزراعة مخلفة ورائها أثار بيئية وخيمة جدا و تدمير واسع للغطاء النباتي و إستنزاف الفرشة المائية (المياه الجوفية )، كما ساهمت هذه الزراعة الدخيلة في القضاء على المزروعات التاريخية التي إرتبطت بالإنسان مند صعور غابرة و كانت تشكل الإقتصاد المحلي ومزروعات دات قيمة غذائية وصحية مهمة .
في السنوات العشر الأخيرة دخلت زراعة الكيف المهجنة (الرومية ) التي تستنزف المياه الجوفية بشكل خطير جدا ،إذ أنها تزرع في أواخر ماي و تحتاج لأراضي واسعة مما يعني مزيدا من إجثات الغابات و مزيدا من حفر الآبار الجوفية في كل مكان حتى أصبح البعض يشبه الأرض بالغربال لكثرة الآبار الجوفية .
السؤال الذي يطرح نفسه ،ما الذي إستفاد الساكنة من هذه الزراعة ؟ ماهي أثار هذه النبتة الدخلية ( espèce exotique envahissante) على الغطاء النباتي العريق بشمال المغرب ؟
لا شيء يذكر ،البطالة وسط الشباب لازالت مرتفعة و الفقر هو سيد الموقف في الدواوير إلا القلة من القليلة من يستطيعون مسايرة ظروف العيش الصعبة ،الإدمان على مخدر الحشيش الذي يسبب عبر الزمن أمراض نفسية و عقلية حادة تؤدي بالإنتحار لدى صاحبه.
كما سأحاول التنبه بخطورة هذه النبة الدخلية على الغطاء النباني الأصيل بالمنطقة و هي كالتالي :
*القضاء على مساحات واسعة من غابات البلوط و العرعار و الضرو … التي كانت دورا رئيسيا في المحافظة على رطوبة المناخ و تنظيم التساقطات المناخية و تخزين المياه الجوفية و تنقية الهواء ،كما تعمل هذه الغابات التي لم توجد هنا بالصدفة و لكن يعود تاريخها عشرات ألاف السنين (و لكن ياحسرتاه ضاعت في لمح البصر ??)
* إنقراض مجموعة مهمة من الوحيش و هناك آخر محدد بالإنقراض نتيجة غياب العش الإيكولوجي الذي كان يحتمي به و يعيش فيه ،هذا الوحيش ايضا لا يوجد بالصدفة و لكن له دور جد هام يسمى ( espèce clé de voute) اي بمجرد ضياع أي عنصر تضطرب المنظومة بكالمها .
*إنجرافات واسعة للتربة و إنهيارات صخرية نتيجة غياب الغابات التي كانت تمتص كثرة التساقطات المطرية ،وتعمل ايضا على تثبيث التربة و منعها من الإنجراف ،و كما تعلمون هذه الإنجرافات و الفيضانات تخلف آثار كارثية على الساكنة .
*فقدان التربة لمكوناتها العضوية نتيجة إرهاقها بالزراعات المتتالية من القنب الهندي ، وبالتالي تصبح الثربة غير منتجة رغم الكل الهائل من الأسمدة التي يستعلمها المزارعون لمضاعفة الإنتاج بدون نتيجة .
*إضطراب دورة المياه (cycle de l’eau) إذ باتت المنطقة تعرف تساقطات عشوائية غير منظمة ،إذ نجد مثلا خلال عشر سنوات لم تصل نسبة التساقطات سوى 56 ملم ،إذ خلفت هذه النسبة الضئيلة جدا جفاف حاد أودى بمصير المزروعات الأصيلة كاللوز و التين و الزيتون …
كما أدى الجفاف الحاد لهجرة مئات الأسر من البوادي للمدن كطنجة وتطوان مساهمة في المزيد من السكن العشوائي و البطالة …
ويؤدي اضطراب دورة المياه ايضا للتساقطات العشوائية التي لا تستفيد منها الأرض بالشكل الجيد ،و غياب التساقطات في أشهر الذورة المعروفة عند الفلاحين (بالليالي ) التي تغني الفرشة المائية و قد تأتي هذه التساقطات متأخرة بعد ضياع الموسم الفلاحي كما حدث فس العشر الأخيرة .
*القضاء على التنوع الطبيعي biodiversité للحيوانات و النباتات يساهم بشكل كبير في تدهور السلسلة الغدائية لمجموعة كبيرة من الكائنات الحية خصوصا الحيوانات ،مما يؤدي بشكل غير مباشر إلى إنقراضها ،و إنقراض هذه الحيوانات يؤدي بشكل مباشر إلى إضطراب المنظومة البيئية قاطبة .
تكثيف الضغط على هذه الكائنات الحية و تضييق الخناق على مساحات عيشها يؤدي إلى مرض سلوكياتها الطبيعية داخل محيطها و يؤدي بها إلى نقصان عددها ثم إنقراضها ،و بما أنها تكون تلعب دور رئيسي في تنظيم التكاثر الهائل للحشرات و البكتيريا و الفيروسات(التوازن الطبيعي) ، وغياب هذه الكائنات (السلاحف مثلا في تنقية المياه نمودجا)الكائنات يؤدي بهجوم الحشرات و الفيروسات على الإنسان (الأوبئة:سنعود لموضوع مفصل بخصوص الأوبئة ).
وبالتالي يؤدي نقص هذه الأنواع على العديد من الكائنات الحية الأخرى في النظام البيئي. نقول عن طريق الاستعارة ، إنهم يلعبون دورًا يشبه حجر الأساس في القوس: عندما تتم إزالته ، ينهار كل القوس ، أو حتى كل أو جزء من الهيكل الحجري. عندما يختفي أحد الأنواع الأساسية ، يمكن أن يتعرض النظام البيئي لتدهور كبير وربما سريع نسبيًا ، لهذا نسميه بالنوع التراثي .
*إستعمال المبيدات الحشرية في زراعة الكيف و بعض أنواع الأسمدة أدى بشكل مباشر لتدمير الكائنات الحية الموجودة في المياه السطحية وتسمى اللافقريات الكبيرة les micro invertébrés , هذه اللافقاريات الكبيرة مرئية للعين المجردة, و تعيش في قاع الجداول والأنهار والبحيرات والمستنقعات. هم أساسا الديدان والقشريات والرخويات والحشرات ،التي تلعب دورا رئيسيا لمعرفة جودة المياه(indicateurs de la santé des cours d’eau) و كمصدر لغذاء العديد من أنواع الأسماك والبرمائيات والطيور ، فهي حلقة وصل مهمة في السلسلة الغذائية المائية .
*إمتصاص المياه الجارية بمضخات المياه العالية الضغط أدى إلى جفاف مجموعة كبيرة من الوديان التي كانت تقطنها العديد من الكائنات الحية (السمك ،السلاحف …) التي إنتقرضت بمجرد جفاف الوديان.
*إرتفاع وثيرة حرائق الغابات نتيجة تعويض الغابات الأصيلة
(عرعر: Genévrier لسدر الجبلي: Ziziphus و الزيتونيات المتوحشة : L’oléastre الضرو :Pistachier lentisque ) التي كانت تقاوم الحرائق بغابات دخلية(تدخل الإنسان لغرسها ) كالصنوبر و الصفصاف التي زرعها الإنسان لملئ المساحات القاحلة لكنها الإشتعال و تساهم في إنشار الحرائق خصوصا في فصل الصيف ، و بالتالي نفوق الحيوانات الناجية من الصيد العشوائي لتلقى مصيرها بالحرق .
إستنزاف المياه الباطنية بشكل مهول خصوصا في فصل الصيف لتسقية مزراع القنب الهندي (بحيث أن هكتار واحد للقنب الهندي قد يكلف 10000 طن في ظرف أربعة اشهر فقط .
لازالت هناك أخطار عديدة لهذه الزراعة الدخيلة سأحاول الإشارة إليها لاحقا في مقالات اخرى ،واضعا سؤالا عريضا: إن كانت هذه المنطقة الصغيرة من خريطة العالم تعرضت لكل هذا الضغط الرهيب في سنوات ليست بالطويلة فما أدراك بمساحات شاسعة من الغابات في الكرة الأرضية ؟
و في الآخير عرفت هذه الزراعة إنهيار حاد جدا في قيمتها المادية(باطل) نتيجة العرض المهول و الإنتاج السنوي الكبير و ملئ السوق الدولية مما أدى إلى إنخفاض الطلب إليها ،مخلفة معها أزمة خانقة جدا في صفوف المزارعين و الأسر و مكرسة لظواهر إجتماعية صعبة (الفقر ،الهجرة …
في إنتظار تدخل جاد و مسؤول من طرف الدولة لخلق بديل حقيقي للساكنة و ذلك بإستغلال هذه المساحات الشاسعة من الأراضي الخصبة و العمل على إستصلاح الأراضي و جعلها صالحة للزراعات التسويقية مع الحفاظ على المجال الغابوي العريق و هذا ما يصطلح عليهagroforesterie ,و طبعا تقنين هذه الزراعة الدخيلة و إستعمالها في الأغراض الطبية و العلمية و غيرها و أن تبقى بهذه الفوضى الخطيرة التي وصلت إليها .
يتبع …يتبع …يتبع …??
* باحث في الهندسة الإيكولوجية و الحفاظ على التنوع الطبيعي .