الأستاذ أحمد عبيل يكتب : الكاميرا وصناعة الفشل
الأستاذ أحمد عبيل
16 نوفمبر، 2025
بقلم /الأستاذ أحمد عبيل – مهتم بالشأن المحلي بكلميم.
لم يعد الضجيج الإعلامي اليوم دليلا على قوة الشخصية أو فاعلية الأداء، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى آلية لتضخيم الصورة حتى تغدو هشة وقابلة للانفجار عند أول اختبار. ففي الآونة الأخيرة برزت ظاهرة لافتة تتمثل في التهافت المبالغ فيه على التقاط الصور والفيديوهات من قبل بعض المنتخبين والمسؤولين خلال كل نشاط، حتى غدا الهدف هو تسويق صورة السياسي أو الإداري أكثر مما هو توثيق للمنجزات.
أصبحت هذه الممارسات سمة بارزة في المشهدين السياسي والإداري، حيث لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي تخلو من صور التدشين والزيارات—even لمشاريع بسيطة—وانتقلت العدوى إلى الاجتماعات الداخلية التي تُستغل هي الأخرى لإنتاج “لقطات” تُنشر مصحوبة بشعارات الإنجاز والعطاء، وكأن الأمر يتعلق بعمل تطوعي لا بمهام مؤسساتية منصوص عليها قانوناً.
هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: ما علاقة هذه السلوكيات بالتسيير الفعلي للشأن العام؟ وهل تمثل فعلاً رغبة في التواصل والشفافية، أم مجرد توظيف رمزي هدفه البروز الإعلامي وتلميع الصورة؟
لا خلاف في حق المنتخب أو المسؤول في التواصل مع المواطنين وإحاطتهم علماً بالمشاريع والبرامج المنجزة، فهذا جزء من التواصل المؤسساتي السليم. غير أنّ الإشكال يظهر حين يتحول هذا التواصل إلى عملية تسويق شخصي تُقدّم فيها الصورة على الفعل، ويصبح الهدف هو الظهور لا الإنجاز.
وللأسف، تحوّلت الكاميرا من أداة لتوثيق العمل الإداري إلى وسيلة لـ”صناعة البطل الفاشل”، حيث يختزل الأداء العمومي في لقطة مصطنعة تغيب عنها عناصر التخطيط والمتابعة والتقييم. ويبرز نموذج كلميم مثالاً واضحاً لهذا الواقع، إذ أصبح التركيز على الصورة أهم من معالجة الاختلالات التي يعاني منها عدد من المشاريع المتوقفة رغم أنها دُشنت منذ سنوات. فهل رأى المواطنون يوماً مسؤولاً يقف على مشروع متعثر ويقرّ بإخفاقه في إيجاد حلول؟ أم يشرح للرأي العام أسباب تعطل التنمية أو تعثّر المرافق العمومية؟
لقد أصبحت المشاريع تُسوَّق إعلامياً أكثر مما تُنجَز ميدانياً، وبات التسيير محكوماً بمنطق “ما يظهر” لا “ما يُنجَز”. وهو سلوك يفرغ الخدمة العمومية من مضمونها ويحوّلها إلى مجرد تمثيل سياسي يعيه المواطن جيداً، حتى بات يعتبر كثيراً مما يُنشر مجرد “مسرحيات” لا علاقة لها بالتنمية الحقيقية.
إنّ المطلوب اليوم هو ترسيخ ثقافة تسيير قائمة على الفعل والنتائج لا على المظهر والخطاب، واعتماد آليات تواصل مؤسساتية مهنية وشفافة تقدم المعلومة للمواطن بموضوعية، مع الفصل الواضح بين التواصل الإداري والتسويق السياسي.
فالتقاط الصور والفيديوهات ليس مجرد تفصيل عابر، بل يعكس رؤية سطحية للتسيير العمومي قوامها الواجهة بدل الفعالية. والرهان الحقيقي هو الانتقال من “سياسة الصورة” إلى ثقافة الإنجاز والمسؤولية، حيث تُقاس قيمة المنتخب والمسؤول بما يحققه فعلاً للمواطن، لا بعدد الصور التي يظهر فيها.
2025-11-16