بلاغة الخطاب السردي في الرواية السعودية للكاتب والباحث المغربي عزيز العرباوي (البلاغة والتداولية: أية علاقة ؟)
عزيز العرباوي
21 أغسطس، 2025
بلاغة الخطاب السردي في الرواية السعودية للكاتب والباحث المغربي عزيز العرباوي( البلاغة والتداولية: أية علاقة ؟: )
كتب – عزيز العرباوي
2-2- البلاغة والتداولية: أية علاقة؟:
إن اللغة الأدبية، حسب الدراسات النقدية الحديثة، هي نظم معقد للاتصال، حيث يجاوز هذا النظم مستويات الصياغة اللفظية والنصية المحضة إلى دراسة الحدث الأدبي في ذاته من خلال دائرة الاتصال الاجتماعي، بمعنى محاولة الانتقال باللغة الأدبية في النص من مستواه كنظام إلى مستوى التواصل. ويتم ذلك من خلال الانتقال إلى فهم هذا النص انطلاقاً من ارتباطه بالسياقات أو التحديدات السياقية.
وتدرس التداولية النص، بله الخطاب الأدبي في علاقته بالسياق التواصلي والتلفظي، حيث إنها تركز على مبدأ مهم وهو المقصدية ووظيفتها في الخطاب والنص معاً. فهي تُعنى بالأساس بفهم العلاقات بين المتكلم والمتلقي وتحديدها ضمن سياق خاص. فالتداولية كمقاربة علمية نقدية تدرس اللغة العادية واللغة غير العادية مثل اللغة الشعرية، واللغة الروائية، واللغة الدرامية المسرحية،… كما تهتم بحضور الضمائر (الأنا والأنتَ)، والسياق التواصلي، والوظيفة المقالية والمقامية، ودراسة الحجاج في النصوص والخطابات الهادفة إلى الإقناع والتأثير الإيجابي في المتلقي، والانتقال من الحرفي إلى الإنجازي الإنتاجي، بل دراسة السرد الإقناعي كما هو عند غريماس، وبالخصوص في حالة التطويع والتحفيز المبنية على فعل الاعتقاد والتأويل، وفي حالة الكفاءة المبنية على منطق الجهات…
وتتعامل التداولية مع النص الأدبي باعتباره خطاباً محضاً وملفوظاً لغوياً ككلية عضوية، سواء كان هذا الخطاب شفوياً أم كتابياً، حيث يتم ربط ملفوظاته بالوظيفة، والسياق المقامي، والأداء الإنجازي… وفي هذا الإطار تتم دراسة مكوناته التلفظية السياقية، وروابطه الحجاجية المنطقية وغير المنطقية، حيث يربط بالحوارية والمقصدية والإحالة، والتفاعل، والتخاطب التداولي، كما أنها تضع في اعتبارها المنهجي في رأي الدكتور سعيد جبار مجموعة من المفاهيم لأهميتها الخاصة في مقاربة الملفوظ ومنها: السياق، أفعال الكلام، الاستلزام الحواري، الملاءمة، الاستدلال، الموجهات، الاقتضاء، المقصدية…
ولكي نوضح العلاقة بين البلاغة والتداولية، فإننا مدعوون إلى البحث عن مظاهرها، فالبلاغة مبحث قديم جداًّ يهتم في موضوعه بفن الإقناع في مكوناته وعناصره وتقنياته، وذلك من خلال البحث عن استنباط الحجج ومعالجتها وتحديدها. ومن هنا نجد أن البلاغة اليوم في ارتباط بالتداولية. فالبعد التداولي في البلاغة متصل اتصالاً مباشراً بنشأة البلاغة في الغرب، وخاصة في إطار الحجاج عند أرسطو وتلامذته من بعده. حيث استفاد النص أو الخطاب الأدبي من مجموعة من المقاربات والنظريات والمناهج، وخاصة بعد مرحلة ما بعد الحداثة بين سنوات الستين والسبعين من القرن العشرين الميلادي، ومن أهم هذه المقاربات التي انفتح عليها الأدب بصفة عامة، والبلاغة بصفة خاصة، المقاربة التداولية بكل تياراتها الحجاجية، والمنطقية، واللغوية، والتخاطبية، والتداولية، والسياقية. ومن ثم، فثمة تصورات تداولية عدة حول النص والخطاب الأدبي تختلف من تيار إلى آخر، ومن تداولي إلى تداولي آخر.
ومن أجل تحديد العلاقة بين البلاغة والتداولية فإن دارسي هذه الأخيرة يرون أنه من الضروري تصنيف مجال دلالة البلاغة باعتبارها أداة ذرائعية، وإلا صار من الممكن اعتبار كل شيء بلاغة. ومن هنا يفهمون التداولية اللغوية كتنظيم غير مخالف لعلمي الدلالة والنحو إلا في المستوى فقط؛ إذ أنه يجمع بينهما في مستوى آخر خاص بالسياق المباشر. مما يجعل من التداولية قاسماً مشتركاً بين أبنية الاتصال النحوية والدلالية والبلاغية. فالتداوليون يُعنون بالعمل على تحليل الخطاب باعتباره موضوعاً خارجياً، أو شيئاً يفترض وجود فاعل منتج، وعلاقة حوارية مع مخاطب أو مرسل إليه. بينما من الناحية اللسانية فإن فكرة الفاعل أساسية لمتابعة تحولات اللغة في هذا الخطاب. إن ما يهم في التحليل التداولي هو الخطاب وفاعله، بمعنى الفاعل الذي نعرفه فقط من خلال خطابه، أي بالطريقة التي يقدم بها نفسه من جانب، حيث يكون في بعض الأحيان هذا التقديم زائفاً، وباعتباره مسؤولاً أيضاً عن مجموعة من العمليات الإجرائية على مدار النص من جانب آخر.
وفي هذا الصدد، يربط التداوليون في تحليلهم للخطاب بأشكال التباعد “Distance” حيث ينجم عنه صور بلاغية عامة بالغة الأهمية، وأساسية في التحليل مثل السخرية والتهكم والمحاكاة. إذ إن ظاهرة التباعد في الخطاب تستحق عناية خاصة في التحليل، لأن ذلك يؤدي إلى خلق مفارقة واضحة المعالم عندما يتبنى المتكلم كل ما يقوله. وفي هذا الإطار يرى صلاح فضل أنه “إذا كانت السخرية تتمثل في معظم الأحيان في الانتقاص من شيء أو شخص آخر فإن هدفها حينئذ ينصب على المنقول عنه في الخطاب. وقد لاحظ الباحثون أن المفارقة تعني بالضرورة قدراً من التباعد من قبل القائل عن قوله. وإن كانت لا تقتضي دائماً إشارة لقول شخص آخر أو حكاية له. فهناك مفارقات لغوية تعتمد على ذكر قول آخر، ومفارقات حالية لا تورد مثل هذا القول. كأن نشهد مثلاً تبادلاً للسباب بين شخصين ونعلق على ذلك بقولنا [ها هم يتبادلون الزهور فيما بينهم] فتصبح المفارقة حينئذٍ حالية وليست قولية”.
-
من التشفير إلى الاستدلال:
يُعرف التشفير بأنه عملية تحويل معلومات وأفكار واضحة إلى شفرات وتقنيات غير مفهومة، حيث تبدو منذ الوهلة الأولى أنها غير ذات معنى واضح، لمنع الأشخاص غير المرخص لهم لمعرفة على هذه المعلومات وفهمها، ولهذا تنطوي عملية التشفير على تحويل النصوص العادية إلى نصوص مشفرة صعبة الفهم، أو على الأقل غير يسيرة في التأويل.
يرى العديد من الدارسين أن محاولة اصطناع أسلوب الرمز والتشفير عند الأديب يأتي لستر أفكاره ومواقفه الفكرية موظفاً في ذلك الإشارة والرمز. فأي أديب يعمل على استحضار الرمز والإشارة لينتج الرموز الإنسانية والثقافية والكونية والاجتماعية والحرفية واللغوية، حيث يستقي هذه الرموز والإشارات من محيطه والعالم الذي يتفاعل معه. فالناقد المحلل للنص الأدبي يحاول في عمله أن يفك آليات التشفير التي يوظفها الأديب داخل نصه وفهم كيفية اشتغالها، وفهم النسق العام والخاص الذي تحتل فيه اللغة مركز الرمز والإشارة، فيعمل على الأقل على الاقتراب من النص من أجل إيجاد التأويل والفهم الواقعي أو غير الواقعي لهذا النص…
يتحدد التشفير عند الناقد المحلل للنص الأدبي من خلال إشكالين اثنين هما:
-
الإشكال الأول: يتحدد من خلال مجموعة من الغايات والقوانين والمخاطبين المفترضين الذين يتوجه إليهم الأديب بضوابطه، في ثقافة ومجتمع تعتبر قوانينه محددة، فيستخدم وسائل متعددة من الرموز والتصورات والصور البلاغية والشعرية…
-
الإشكال الثاني: يتحدد من خلال اللغة المستخدمة، إذ أن اللغة تقول الأشياء كما هي بطريقة واضحة ومفهومة، لكن الأديب لا يعبر إلا بالصور من خلالها فيقول عكس ما يُفهم من خلالها، بل من خلال ما يريد أن يقوله هو…
لقد ارتبط الفهم عند القارئ بعملية خاصة لبناء المعنى وإنتاجه من جديد، وذلك من خلال ملء الفراغ الذي يقوده إليه السياق الحاضر في النص، حيث إنه يتيح الفرصة المتاحة لهذا القارئ أن يدخل إلى النص ويتجول بين فقراته، من أجل أن يبحث عن أسراره الخفية في إطار تفاعلي معه، باعتباره يقوم بفعل تعويضي يكشف من خلاله عن الغامض في النص وتحديد المطلق الذي أرسله الكاتب.
إن الاستدلال أو التعرف كما ترجمه القدماء هو كل نشاط تعبيري إنساني يكون عبارة عن دال يقتضي دلالة. بمعنى الاستدلال بالدال على المدلول، والتعرف عليه من خلاله. فحين يتم الحديث عن الدلالة في هذا الإطار، يمكن الحديث في مستوى الدلالة الحكائية الإيحائية أو التخييلية، بل يمكن أخذ الدلالة المنطقية والمضمونية ضمن الاهتمام ذاته. ويرى الدكتور محمد العمري “أن انتماء الاستدلال والتصوير إلى النشاط التعبيري اللغوي كلاًّ أو جزءاً هو الذي سهل إيجاد مجال تطبيقي من الشعر العربي للمفاهيم الأرسطية التي بدت من خصوصيات البناء السردي الدرامي”.
ويستحضر العمري خمسة أنواع من الاستدلال أو التعرف وهي: التعرف بالعلامات الخارجية، والتعرفات التي يرتبها الشاعر ولهذا تكون بعيدة عن الفن، التعرف الذي يتم بالذاكرة، والتعرف عن طريق القياس، وأخيراً التعرف عن طريق خطأ في استدلال الجمهور.
ويعرِّف بايير (Beyer, 1987) الاستدلالَ بأنه: مهارة تفكيرية، تقوم بدور المسهِّل لتنفيذ أو ممارسة عمليات معالجة المعلومات التي تضم التفسير والتحليل والتركيب والتقييم، ويضعه في المستوى الثالث من عمليات التفكير المعرفية بعد استراتيجيات التفكير المعقدة، (وهي حل المشكلات، واتخاذ القرار، وتكوين المفاهيم)، ويصنف الاستدلال ضمن مهارات فرعية؛ هي: الاستدلال الاستقرائي، الاستدلال الاستنباطي، والاستدلال التمثيلي، وهناك مَن يضيف مهارة رابعة هي الاستدلال السببي؛ (أي إظهار العَلاقة بين السبب والنتيجة) كأحد أشكال الاستدلال العقلي. ويرتبط الاستدلال بعدد كبير من الموضوعات؛ كالتفكير الناقد، والمنطق، واللغة، والمعرفة،… وغيرها، ونظرًا لأهمية فهمِ طبيعة العَلاقة بين الاستدلال وكل من هذه الموضوعات؛ فإننا نحددها فيما يأتي: الاستدلال والتبرير: يُتَّخذ لتبريرِ شكل الاستدلال وصورتِه في الغالب، إلا أن هناك فرقًا رئيساً بين الاستدلال والتبرير يرجعُ إلى هدف كل منهما، فالاستدلال يهدفُ إلى توليد معرفة جديدة عن طريق إعمال الفكر في المعلومات والأدلة المتوافرة، وتقليب الأمر على وجوهِه، واستخدام قواعدَ واستراتيجيات عملية معقولة للوصول إلى نتائج صحيحة.
يرى كينتش (Kintsch 1993- 1998) أن مصطلح الاستدلال منذ سنوات عديدة، قد أُسيء فهمه وتصوره. إنه يرفض تصور العديد من الكتَّاب، مثل غرايسر، وسينجر، وتراباسو (1994)، ومثل مْكُون (Mcoon) وراتكليف (Ratcliff) (1992)، الذين عرفوا الاستدلالات باعتبارها جميع المعلومات التي يضيفها القارئ دون أن يجد لها ذكراً صريحاً داخل النص. فحسب كينتش (Kintsch 1993- 1998)، “فلكي يكون هناك جيل من الاستدلالات، فإنه ينبغي أن يكون هناك قطع في عملية الفهم وبناء مراقب للمعلومات الجديدة انطلاقاً من البيانات الموجودة. فعملية بناء المشكلة بطيئة ومكلفة جدّاً في الموارد المعرفية”.
وفي هذا الإطار يسمح الاستدلال للقارئ بإكمال فهمه للنص من خلال طرح التفاصيل التي لم يتم ذكرها صراحة (Blanc, 2009). ويسجل جايسون Gaisson (1990) أنه من أجل توليد الاستدلال، ينبغي على القارئ أن يتجاوز المستوى السطحي للنص، الذي يذهب بعيداً جداًّ عن الفهم الحرفي للنص. ولنحتفظ بالتعريف الذي أتى به بْرانْ وآخرون Bran et AL. (2004): “الاستدلال هو إضافة معلومة غير موجودة صراحة في النص، ويمكن للقارئ أن يستنتجها أو يفترضها انطلاقاً من معارفه الذاتية العامة حول العالم، وذلك من خلال إنشاء روابط بينها وبين أقسام النص المختلفة والتي تمكنه من إنشاء تمثُّل ذهني مدمج”.
إن العملية الاستدلالية هي عملية تسمح بالعبور من معلومة مكشوفة إلى أخرى غير مكشوفة، وذلك باستخدام مهارات تواصلية ومعرفية متعددة ومختلفة. فالاستدلال هو نتيجة هذا الفعل. فمعالجة معلومة في النص تبدأ من خلال تفعيل عمليات الذاكرة على المدى الطويل. هذه العملية ستمكن من تفعيل المعارف الدلالية ذات الصلة بهذه المعلومة وتقديمها في ذاكرة العمل. وبالتالي سيتم ربط هذه المعلومة المعالجة بالمعارف الدلالية للموضوع. وأخيراً، يتم تخزين النتيجة المحصلة في الذاكرة على المدى الطويل.
فالاستدلال هو عملية تنطلق من مقدمات للوصول إلى نتائج، وهو بهذا المعنى يقوم بوظيفة البرهنة. لكن البرهنة هي فعل تفكير واع، بينما الاستدلال يتم بطريقة آلية وعفوية. ومن هنا يمكننا القول إن المستمع لا يمارس عملية تشفير المعنى اللغوي للملفوظ لأنه يستدل على هذا المعنى الذي يريده المتكلم مرسل الخطاب. حيث تحدث هذه العملية وفق عنصرين اثنين وهما: المعنى اللغوي والسياق. وتتم عملية الاستدلال من خلال المراحل التالية:
-
يفترض النموذج الاستدلالي كون المتكلم ينتج مؤشراً خاصاً للمعنى الذي يهدف إيصاله.
-
قد يكون هذا المؤشر لغوياً أو غير لغوي، مؤشراً بطريقة ما أو غير مؤشر.
-
يستدل المستمع على المعنى انطلاقاً من المؤشر المقترح ومن السياق المحدد.
-
يتميز التشفير اللغوي بالغنى والتنوع والتعقيد حيث لا يمكن له أن يسمح بتشفير المعنى كاملاً في نظر المتكلم.
وطبقاً للنظريات البنائية الأولى من نوعها التي يفهمها مْكُون (Mcoon) وراتكليف (Ratcliff) (1992)، تتولد الاستدلالات الشاملة والاستدلالات التحضيرية خلال عملية الفهم لبناء نموذج كامل ومفصل لوضعية النص. وتظهر هذه الدراسات أن القارئ عندما لا يهدف لأغراض خاصة، فإن هناك نوعين من الاستدلالات يتولدان عن عملية الفهم: إما الاستدلالات اللازمة لإقامة التماسك الداخلي. وإما الاستدلالات المستندة إلى المعلومات التي يمكن الوصول إليها بسرعة وسهولة باستخدام الذاكرة. لذا، وحسب البسطاء، فالقراء الذين يتبنون تمثيلاً معرفياً عاماً لمجموع النص، لا تتولد لديهم هذه الاستدلالات الشاملة والتحضيرية خلال عملية الفهم مثلما تقترحه النظريات البنائية الأولى. ومن ناحية أخرى، نلاحظ أن التوضيحات التي قدمها غرايسر (Graesser) ، وسينجر (Singer) وتراباسو (Trabasso) (1994) للنظريات البنائية الأولى تسمح بتحديد عناصر معينة ينتقدها البسطاء. ووفقاً لهذا التفكير النظري لا يبني القراء نموذجاً مفصلاً وكاملاً لوضعية النص، وبالتالي، لا يولدون استدلالات تحضيرية خلال عملية الفهم كما يمكن تصوره في النظريات البنائية الأولى. ولذلك، فإن مجموع الانتقادات البسيطة لا يمكن إرجاعها إلى النظرية البنائية عند غرايسر وأصدقائه. غير أن هناك نقطة تكشف تناقضاً كبيراً: فمن ناحية، يعتقد البنائيون أن الاستدلالات الشاملة تتولد خلال عملية الفهم، ومن ناحية أخرى، تظهر الدراسات البسيطة (Minimalistes) أن الاستدلالات وحدها تسمح بإقامة التماسك الداخلي والاستدلالات المستندة على المعلومات التي يمكن الوصول إليها بسهولة، يتم توليدها خلال عملية الفهم.
ويأتي الاهتمام بالاستدلال في التداولية، حسب الدكتور سعيد جبار، من خلال التخييل، الذي يعتبر المبدأ الأساس في تمييز الخطاب الجاد الصادق من الخطاب التخييلي، حيث تؤكد التداولية في هذا الإطار، على “لا كينونة الكيانات التخييلية، وأن وجودها يرتبط فقط بتمثيلاتها التي تتجلى عبر الملفوظات. وهذه الخصائص لا تفقد خطاب التخييل خاصيته المعرفية التواصلية، وهي خاصية تتمظهر عبر السياقات والاستلزامات الخطابية التي يعيد المتلقي تأسيسها من أجل بلوغ الدلالة التي يقصد إليها المرسل أو المتكلم. وبالتالي فإن قوة التخييل تتمثل في ذاك البعد المعرفي الذي يتضمنه ولا يمكن إدراكه مباشرة”.
فالتداولية هي نسق معرفي عام يرصد في اهتمامه بالاستدلال تلك المسالك الاستدلالية اللغوية والطرق الممكنة لمعالجة الملفوظات، وخاصة عملية شرح العمليات الاستدلالية في معالجة المنطوقات…
فلتحقيق تداولية القول في الخطاب ينبغي علينا أن نرتكز على مستويين من التحليل كما جاء عند حمو النقاري، وهما:
-
مستوى يسعى التحليل فيه إلى تحقيق وتقنين عملية تقويم الأقوال تداولياً، وبالتالي الكشف عن مجموعة من القواعد الاستدلالية التي تتأسس مشروعيتها على اعتبارات تداولية (اعتبارات متعلقة بالمستدِل وبالمستدل له وبمقام الاستدلال)، وليس على اعتبارات صورية فقط (اعتبارات متعلقة بعلاقات صورية وحسابية بين مقدمة أو مقدمات الاستدلال ونتيجته). ويشكل عرض هذه القواعد الاستدلالية التداولية جوهر العمل الجدلي والخطابي الأرسطي.
-
مستوى يسعى فيه التحليل إلى تقنين عملية القول وتحسينه، كتابة وإلقاء، أي الكشف عن مجموعة من القواعد يرفع احترامها من قيمة الأسلوب ويجعله فصيحاً وبليغاً ومؤثراً. وتتأسس هذه القواعد على اعتبارات تداولية أيضاً (اعتبار علاقة القول بصاحبه، وبموضوعه ومرجعه، وبالمقال له وبمقامه)، وبالتالي يمكن أن نسمي هذه القواعد قواعد الإبلاغ التداولية.
ففي الأدب، يرى التداوليون أن استخدام الشفرة اللغوية على وجه الضرورة لتقديم الشخصيات والتعريف بها، وإبراز خصائصها ومميزاتها، وذلك من خلال إدخال صوت مغاير لصوت فاعل الخطاب الذي يحتفظ بلغة محددة ومتجانسة وخاصة له. كما يعتبرون أن التغيير في الشفرة يعني تغييراً في الموقف كما يعني تماهياً مع الشخص الآخر. ومن ثمَّ يبقى العمل على إعادة صياغة القول من جانب الذي يستخدم الخطاب غير المباشر، لا يقتصر على تلخيصه وإيجاز محتواه. بل يمكن أن يتمثل في تضمينه لبعض العبارات أو الفقرات المحددة أيضاً. حيث تكمن أهمية هذه الطريقة في أن المتكلم يدمج خطاب الآخر في خطابه هو، وينقله إلى موقفه القولي، فيصير المتكلم الأول هو شخص غائب، ويتحول المضارع الذي استخدمه المنقول عنه إلى ماضٍ في عبارة المتكلم الثاني.
فشايم بيرلمان مثلاً يعيد اللغة في شقها الجدلي المحض إلى قطب تصوره، فيجعلها محط مشروع تأملي مفصل يعتبر الحجاج خطاباً ذا استدلال منظم باحث عن منطق للقيم، متوجه إلى مستمع كوني. كما يسخرها أيضاً لاستجلاب مؤازرة الآخرين التي لا يمكنها أن تتم إلا داخل فضاء تفاعلي، يراعي الاعتبارات الذاتية التي عمل النموذج العقلاني على تلافيها. ومن هنا نخلص إلى كون أن نظريته تقوم أساساً على تصور الحجاج بوصفه فعلاً متصلاً بسياق نفسي واجتماعي وثقافي. إن المسار الاستدلالي المتبع مثلاً في المناظرات الخطابية، ومن كون أكثره متولد عن قاعدة عامة مدارها يقف على مواقف داحضة لأطروحات واضحة أو ضمنية بوساطة تقنيات حجاجية وأقيسة، سواء كان استدلالياً إضمارياً أم استقرائياً، تقتضيها بالضرورة مسافة معينة فاصلة بين الطرحين المتواجهين، “التي كلما كان نوع الخلاف فيها موضوعياً، تمحورت آلياتها حول كنه القضية بغض النظر عن أصحابها، وكلما كان ذاتياً تركز حول الأطراف المتحاورة الفعلية أو المتخيلة؛ فهي بذلك استراتيجية منحدرة من عالم البلاغة بامتياز، نموذجها الأمثل النوع التقويمي”. ومن هنا نستنتج أن القياس البلاغي احتمالي غير ملزم في مقابل الاستدلال الجدلي الباحث في كنهه عن حقيقة واضحة ومحددة”.
إن الصور البيانية، كباقي الأجزاء والإجراءات الأسلوبية المختلفة لها منطق الخيارات التي يحكمها “منطق استدلالي” لا يبحث بالضرورة في الحقيقة المطلقة، بقدر ما يميزه الاحتمال والتعدد، حيث تؤطره “سيرورة خطابية جامعة للقوى الحسية والإدراكية والتصورية الإنسانية، والكلمة المؤثرة الفاعلة، المشروطة بالاعتقادات والقيم المشتركة”.
هذا المنطق الاستدلالي لا يسقط في المباشرة والجمود بل يبحث في التعدد اللغوي والاحتمال الدلالي المرتبط بالضرورة بتمثل المتكلم والمخاطب والخطاب. ولكي يكون الخطاب، أي خطاب كان، كالخطاب الروائي مثلاً، موجهاً وتفاعلياً، فإنه يعمل على انسجام بينته الداخلية، ومساره الاستدلالي الخالص، بمعنى أن تطابق مقدماته نتائجه.
ونخلص في النهاية، إلى أن عملية الاستدلال تربط النص بالقارئ، باعتباره يمتلك معارف أساسية للقراءة، ومن خلال هذه القراءة يفترض أن النص يقدم إليه خصائص لسانية ونصية تحرك هذه المعارف التي تمثل في جملتها الذاكرة البعيدة المدى. ومن هنا يتم ذلك التفاعل بين المعلومة التي يقدمها النص وبين المعارف التي يمتلكها القارئ، فيحقق الاستدلال الضروري. ولأجل تحقيق هذا الاستدلال فإن القارئ مدعو إلى تحقيق مجموعة من الكفايات يمكننا أن نحددها في أربعة أنواع، وهي:
-
الكفايات اللسانية: وتتم عبر المعجم والتركيب الذي يقدمهما النص، بمعنى أنها تمثل الفهم الحرفي للنص.
-
الكفايات المنطقية: وتتم من خلال فعل القراءة التدريجي، حيث البحث عن روابط تربط بين ملفوظات النص.
-
الكفايات الموسوعية: وهي التي تمثل المعارف والمعلومات التي يمتلكها القارئ حول العالم.
-
الكفايات البلاغية والتداولية: وتمثل الأدوات المختلفة التي يملكها القارئ وتساعده في الانتقال من المستوى اللساني إلى المستوى التداولي…
2025-08-21