بلاغة الخطاب السردي في الرواية السعودية للكاتب المغربي عزيز العرباوي ….مدخل نظري: بــــلاغــــة الـــــــســـرد
عزيز العرباوي
11 أغسطس، 2025
الكاتب والباحث – عزيز العرباوي
مفهوم البلاغة:
يتأرجح مفهوم البلاغة عند الغرب ككلمة مقابلة لكلمة “بلاغة” العربية (Rhétorique) بين ثلاثة مفاهيم كبرى تستمد مشروعيتها من التراكم المعرفي والثقافي والأدبي عبر التاريخ منذ أرسطو إلى اليوم، وهي حسب الدكتور محمد العمري[1]:
-
المفهوم الأرسطي: الذي يخصصها لمجال الإقناع وآلياته وأدواته المتعددة، حيث تشتغل على النص الخطابي في المقامات الثلاثة المعروفة (المشاورة، المشاجرة والمفاضلة). وهي المفهوم المركز تقابل كلمة بْوِيتيك (Poétique) التي تهتم بالخطاب المحاكي المخيل أي الشعر حصراً. وهذا هو المفهوم الذي أعاد شايم بيرلمان وآخرون معه صياغته في اتجاه بناء نموذج منطقي للإقناع.
-
المفهوم الأدبي: الذي يجعلها مجرد بحث في صور الأسلوب، حيث استقر هذا المفهوم عبر تاريخ من الانكماش رسم بارت خطوطه العامة في محاضراته المشهورة عن تاريخ البلاغة القديمة. لكن أُعيدت صياغة هذا الاتجاه حديثاً باعتباره بلاغة عامة أحياناً، كما هو الحال عند “جماعة مُو” الشهيرة في دراستها تحت عنوان “البلاغة العامة”.
ج- المفهوم النسقي: الذي يسعى لجعل البلاغة علماً أعلى يشمل التخييل والحجاج معاً. بمعنى أنه يستوعب المفهومين الأوليين من خلال المنطقة التي يتقاطعان فيها موسعاً هذه المنطقة أقصى ما يمكنه التوسع. حيث إنه حدث خلال التاريخ، كما يرى العمري، “أن تقلص البعد الفلسفي التداولي للبلاغة وتوسع البعد الأسلوبي حتى صار الموضوع الوحيد لها، فكانت نهضة البلاغة حديثاً منصبة على استرجاع البعد المفقود في تجاذب بين المجال الأدبي (الذي يهيمن فيه التخييل) والمجال الفلسفي المنطقي، واللساني (الذي يهيمن فيه التداول)”[2].
-
تطور مفهوم البلاغة العربية:
عرفت البلاغة الغربية في مسارها التاريخي، على المستوى الخطابي والشعري، ولادة عسيرة، وتعرضت لمنعرجات خطيرة، ولصراعات فكرية حادة، فكان مسارها متعدداً ومتشعباً ومتنابذاً، أما البلاغة العربية فقد عرفت ولادة أقل عسراً وتشعباً في غياب المسار الموحد لها. فقد نشأت البلاغة العربية وتطورت في مجتمع عربي تغلب عليه البداوة والخشونة والعصبية والمناخ الثقافي المختلف الذي “يسود فيه الشعر الغنائي ويحكمُ، وإن بدت في الأفق بوادر أجناس أدبية مستحدثة ومزاحمة، وفي أجواء سياسية محتقنة، وأنظمة سياسية متحكمة، وصراعات مذهبية حادة، ومع حرقة الأسئلة الدينية وبداية ثمار تلاقح حضاري، وتفاعل ثقافي متنامٍ مع أممٍ مجاورة ذات تراث بلاغي متداول؛ فكان من الطبيعي، أن تنطبع البلاغة العربية بهذا الطابع، وتتأثر بهذه الأجواء المختلفة”[3]. وقبل أن يأخذ مفهوم البلاغة طريقه إلى العقول ويستقيم في أنساق معينة، كان “البيان” عند الجاحظ (ت. 255ه) بديلاً عن العنف السياسي والديني الذي عرفه الخطاب والممارسة في عهد الأمويين، ومطلباً لتجاوزه بالحوار والإفهام والإقناع، بمعنى الخطابة بكل أسسها، باعتبارها جزء من البيان، واحتفال بالكلام الحجاجي الإقناعي حسب المقامات، وبالنهاية “إدانة للصمت وذم للعي والخطل، ونصرة للحق. فمركز البيان عند الجاحظ، وهو يضع اللبنات الأولى للخطابية العربية، هو الفهم والإفهام، بالوسائل اللغوية والإشارية خاصة، أي كل ما يحقق الإقناع، أما محيطه، مما يندرج ضمن ما يعرف بالاستطرادات، فواسع وممتد يصب في المركز ويشهد له”. ثم بعد ذلك قايض مفهوم البيان بكلمة بلاغة، ثم عمل على مقايضة البلاغة بالخطابة وكأنها مرادفة لها، حيث كان بذلك يؤسس للحجاج أو لبلاغة الخطاب الإقناعي[4].
ثم ظهر بعد ذلك، مفهوم البديع مع عبد الله بن المعتز (ت. 296ه) الذي شكل لحظة حاسمة في تاريخ البلاغة العربية، لأن ابن المعتز عمل في كتابه على جمع وتجميع الصور البلاغية الشعرية، واستقراء شعر الفحول المتقدمين، فميز بين نوعين من الصور: مجموعة الصور الخمسة للبديع، ومجموعة محاسن الكلام الاثنتي عشرة. ثم أتى بعده العديد من البديعيين الذين اكتفوا بالملاحظة والاكتشاف والتجميع والمراكمة حتى حدود القرن الخامس الهجري الذي عرف لحظة مهمة من البحث عن السر والجوهر وبناء النماذج البلاغية وأنساقها. ولعل عبد القاهر الجرجاني (ت. 471ه) هو المثال الأكبر على هذه المرحلة المتقدمة في البلاغة العربية من خلال كتابيه “أسرار البلاغة” و”دلائل الإعجاز” اللذين وضعا فيهما الأسس المهمة للبلاغة العربية، من ضبط في التعريف، وتدقيق في المفاهيم، ورؤية مدققة ومتطورة، قائمة على خلفية ثقافية وفكرية واضحة المعالم.
تميز الجرجاني في مشروعه البلاغي من خلال قدرته على وضع اليد على البلاغة كمفهوم قائم الذات واستبعاد مصطلحات أخرى مثل البديع والبراعة والبيان والطرافة… والتي لا يمكنها أن تدل على المقصود بالبلاغة ولا تستطيع النفاذ إلى الجوهر، بل لا تساعد على كشف النسق. “لقد كان همُّ الجرجاني هماًّ بلاغياً صرفاً، وذلك ما برهن عليه أولاً في كتابه الأسرار لما أراد أن يصوغ نسقه البلاغي، باستخراج بلاغة الشعر من الكلام العربي البليغ، على أساس عنصر الغرابة، وما يقترن به من مفارقة وتخييل وتأويل وغموض وكذب، بغرض إبراز الموقع الرفيع للبلاغة القرآنية والإقرار بتفوقها، وإن وقع في حرج لما طرح قضية الصدق والكذب طرحاً أخلاقياً، وأخرج الاستعارة من التخييل، وثانياً في كتابه الدلائل باعتباره امتداداً للأسرار وتعميقاً له، لما أضاف الجرجاني الكناية إلى التمثيل والتشبيه والاستعارة، وربطها بمقتضيات النظم النحوي، جعلها تابعة له”[5].
ولتأكيد هذا الكلام، يقول محمد العمري عن الجرجاني في جواب له عن سؤال الهوية الذي تحدث عنه بإسهاب في كتابه “أسئلة البلاغة”: “إن الجرجاني بحث في الأسرار عن تعابير بلاغة الشعر دون أن يلح على الغرض الإعجازي، أما في الدلائل فبحث عن معايير بلاغة الشعر باعتباره معجزة العرب في البلاغة لينتهيَ من تحصيل هذه المعايير إلى تفوق القرآن الكريم”[6].
وشيد أبو يعقوب السكاكي (ت. 626ه) في كتابه المتميز “مفتاح العلوم” النموذج البلاغي الخاص به منطلقاً من البحث الجاد في علم الأدب باعتباره حصيلة ثقافة العصر بمعارفها في مجالات اللغة والأدب والنحو والمنطق والفصاحة، حيث “انتهى إلى بلاغة معضدة بالنحو والمنطق، مجسدة في علم المعاني والبيان”. مما يؤكد على البلاغة عنده هي المعاني والبيان على هامشهما معاً يوجد البديع باعتباره محسنات لا يستوعبها هذان العلمان. فالسكاكي من خلال بحثه في علم الأدب، يعتبر أن البلاغة “تقع عند تقاطع ثلاثة مباحث متداخلة ومتنافرة في الوقت نفسه، هي النحو والمنطق والشعر (الشعر باعتباره رؤية وتشكيلاً للغة، وسنعوضه هنا بلغته الواصفة الأكثر ارتباطاً به، وهي البديع بمفهومه الواسع عند ابن المعتز ومن سار في طريقه)”[7].
بينما نجد حازم القرطاجني (ت. 684ه) قد شيَّد قطيعة معرفية مع البلاغات الجزئية السائدة في عصره وقبله، وذلك عندما عرف البلاغة على أنها “علم كلي معضود بالمنطق والفلسفة، ويشمل صناعتيْ الشعر والخطابة، ويستوعب الخطابين التخييلي والإقناعي”[8]. ولقد حاول القرطاجني صياغة المنطلق النظري العلمي المتعلق بالأسس الخمسة للصناعة، مستفيداً من عمل واجتهادات ابن سنان، فأدخلها في إطار نظري أوسع، متوسعاً في بعض الجوانب التي أغفلها ابن سنان أو لم يقم بتوسيعها مثل قضية المحاكاة. وفي هذا الإطار، أي البلاغة العامة عند القرطاجني، تمت مناقشة العلاقة الضيقة بين التخييل والاستدلال في ضوء واقع الشعر العربي وذلك من جهة الأثر الذي يتركه في المتلقي. فحازم قد قرأ قراءة عامة لعمل أرسطو من أجل تنظيم التراث العربي النقدي والبلاغي، “تنظيماً يحوِّل ذلك المجموع إلى صناعة شاملة لعلوم اللسان، هي البلاغة. ولعل هذا الانفتاح هو الذي حال بينه وبين استثمار مفهوم التغيير عند ابن رشد”[9].
ونخلص في النهاية إلى أن مجمل الإنجاز البلاغي العربي في ضوء الأسئلة البلاغية الحديثة قد عرف جانبين مهمين من التحول وهما الشمول والعمق. ففي المقام الأول يمكننا الحديث عن الغرابة والمناسبة حيث يرتبط سؤال الغرابة والانزياح والبديع بالنظر في توسع اللغة الذي يترجمه المجاز والضرورة ثم في إطار معالجة خاصة من خلال تأـويل المشكل حيث تكشف نسقه وتبرز آليات اشتغاله من خلال تأويل المحاكاة الأرسطية إلى “تخييل”، و”تغيير” وتوظيفها في قراءة الشعر العربي. أما سؤال المناسبة المقامية التداولية في أهم صوره، فيتم من خلال البحث عن فعالية علمية إقناعية خطابية من جهة، وملاءمة العبارة للمقاصد ضمن نظرية النظم الإعجازية من جهة أخرى. ويرى العمري في هذا الإطار، أن القرطاجني قد تنبه إلى هذا التنوع والغنى فحاول “أن يدمج المداخل المختلفة في بلاغة شعرية كلية يتداخل فيها المحاكي والمقنع. فامتد التخييل عنده ليحتويَ المعرفة والاستدلال، بالرغم من أن مدار الكتاب على بلاغة الشعر. وعن طريق التخييل خرج من دائرة الصدق والكذب التي شوشت مواقف كثير من البلاغيين”. بينما في المقام الثاني، فيما يخص العمق، فتكون المراهنة، حسب العمري، على عنصر واحد من عناصر البناء البلاغي (المعنى أو الصوت) حيث يسجل ما يلي: بناء الشعر على المفارقة الدلالية والتي تصل قيمتَها عند اعتمادها التخييل والبناء على الصور التشبيهية والمجازية، بناء يخرج من الجملة إلى النص، وإدخال عنصر النظم كمراقب للمزية الانزياحية ومكملاً لسانياً للبناء الدلالي مدمجاً في البناء التركيبي، والإلحاح على البعد الدلالي للموازنات الصوتية، وتأويل الضرورات الشعرية وربطها بالمقاصد وإظهار مزاياها الخطابية، والبناء على الصور البلاغية والانتقال إلى مستوى النص[10]…
-
البلاغة في الثقافة الغربية:
عند رجوعنا إلى المعاجم البلاغية والأسلوبية الغربية الحديثة نجد كلمة ريطورية تدل على معنيين مهمين، بل قد تدل على معانٍ أخرى ثانوية وعارضة. ففي معجم ألفاظ الأسلوبية (Vocabulaire de la stylistique) لجون مازاليغا (Jean Mazaleyard) وجورج مولينيي (George Molinier) نجد لها ثلاثة معانٍ، وهي: 1- البلاغة مبحث قديم يهتم بفن الإقناع في مكوناته وتقنياته: استنباط الحجج ومعالجتها وبثها. “ومن هذه الزاوية نجد البلاغة اليوم في ارتباط بالتداولية”. 2- البلاغة مجموعة من صور التعبير منفصلة عن نوع الخطاب الذي استعملت فيه. 3- وقد تعني الكلمة أحياناً المقاييس المعيارية لفن الكتابة[11].
ويخلص الدكتور محمد العمري في الإطار نفسه، إلى كون المعنى الثالث، هو معنى ثانوي وعارض، ولا دخل له في تحديد هوية البلاغة رغم كونه مؤثراً فيها لأنه يعطي قيمة لما هو جاهز ومتداول ويكرسه. فما يبقى للبلاغة في التقليد الغربي هو المعنيين التاليين: “المعنى الحجاجي الإقناعي الذي يصب في التداولية الحديثة، والمعنى التعبيري الشعري الذي يصب في الأسلوبية. وهذه الثنائية تغري باسترجاع ثنائية البديع والبيان في نشأة البلاغة العربية”[12]. ويشرح ذلك، بكون المعنى الأول المرتبط بالبعد التداولي متصل بنشأة البلاغة في الغرب، حيث ركز رولان بارت في خلاصته المشهورة المركزة من تاريخ البلاغة الغربية على نشأتها في إطار الحجاج من أجل الأرض، انطلاقاً من عمل كوراكس وتلاميذه على تعليم الناس تقنية الدفاع عن الأرض. ومروراً بصياغة أرسطو لأدبياتها المتراكمة إلى عصره حيث يمكن تفسيرها من ثلاث زوايا وفق ما اقترحه أوليفييه روبول: الزاوية الحجاجية القضائية، والزاوية الأدبية، والزاوية الفلسفية. أما المعنى الثاني المرتبط بالبعد الأسلوبي فهو مستمدٌّ من عملية الاختزال التي تعرضت لها البلاغة عبر تاريخها الطويل[13].
لقد حاول باحثون ألمان حديثون إعادة الاعتبار للبلاغة، كدوك هورن (Doch Horn) (1944- 1949) من خلال تأسيسه لعمل جمالي بلاغي قائم على التأثير، وكورتيوس (1956) من خلال تبريره للتحليل التايخي للمعاني المشتركة، ولوسبيرك (1960- 1967) من خلال استقصائه المنهجي الواسع لمواد البلاغة الكلاسيكية. وقد توسعت الأبحاث في هذا المجال على المستويين التأريخي والنظري سواء في أوربا أم في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يرجع هذا الاهتمام البالغ بالبلاغة، وخاصة في مجال التنظير، إلى تلك الأهمية الكبيرة للسانيات التداولية، ونظريات التواصل والسيميائيات والنقد الإيديولوجي، والشعرية اللسانية في مجال وصف الخصائص الإقناعية للنصوص وتقويمها. ويرى العمري في هذا الصدد أن الرجوع للبلاغة القديمة في الأبحاث الغربية الحديثة، هو “دليل على الإحاطة بالإشكالية الخطابية والإمساك بخيوطها. لقد صار استحضار البلاغة القديمة حجة على نجاعة المنهج وملاءمته لموضوعه. ومن هنا وجدنا الحديث (بل الاعتزاز) بوراثة البلاغة القديمة وتمثيلها. فتودوروف (وديكرو بالتضامن) يرى أن الأسلوبية هي الوريث الشرعي للبلاغة. ويصرح بيرلمان ومن معه بأن الوجهة الصحيحة لحجاج فعال وناجع في البيئة الديمقراطية الحديثة هي وجهة بلاغة أرسطو. كما يصرح رائد علم النص، فان دايك، أن علم النص هو الممثل العصري للبلاغة. وتجاوز جان كوهن فتوى المشروعية فوضع يده على الميراث البلاغي مباشرة فسجله وحفظه تحت اسم اللغة الشعرية في كتابه “بنية اللغة الشعرية”[14].
ولعل هذا التحول الذي عرفته البلاغة في الغرب هو الذي جعل بعض الباحثين يربطونها ببعض المفاهيم والنظريات الأخرى، كما حدث مع بيرلمان وتيتيكا اللذين سعيا إلى ضبط العلاقة بين الحجاج والبلاغة، من خلال قراءتين مختلفتين هما: الحجاج هو البلاغة الجديدة، أو الحجاج جزء من البلاغة الجديدة. وقد عمل بيرلمان في كتابه “إمبراطورية البلاغة” على إجراء تعديلات على الخطابية الأرسطية حسب ما يتطلبه التوجه المنطقي الذي يشتغل فيه، يقول: “إن نظرية للحجاج من هذا القبيل توجه الذهن، حين التمعن في موضوعها، إلى البلاغة القديمة، ولكنني إذ أعالجها من زاوية هموم عالِم المنطق سأضطر لتقليص مباحثي من جانب وتوسيعها من جانب آخر”[15]. وفي هذا الإطار يجد الدكتور العمري أن هذه النظرية تقدم خدمة للبلاغة من خلال امتدادها التأويلي في توجيه التراث البلاغي لصياغة نظرية ذات عمق حواري فلسفي، نظرية قرئَت على نطاق كبير وأثرت في المسار البلاغي تأثيراً عميقاً…
أما القطب الثاني للبلاغة الحديثة فهو قطب بلاغة العبارة، ابتدأ مع بلورة سؤال “الأدبية” مع الشكلانيين الروس في إطار لساني وكرد فعل على الاهتمام بالمكونات الخارج-أدبية إلى تقوية هذا المسار الاختزالي من خلال تعميقه باعتباره بلاغة عامة كافية لفهم الخطاب وتأويله وتفسيره. وهكذا نجد من أعلام هذا القطب جيرار جينيت وبيرلمان ورولان بارت وجاك فونتاني وديمارسي وجاك سوشر وميشيل جوكي… فمع هؤلاء الباحثين وقعت البلاغة في أسر الشعرية، وفي ذلك يقول جيرار جينيت في كتابه “الصور 3” (Figures 3): “من البدهي، فيما آمل، أننا لا نقترح هنا لا على الشعر ولا على الشعرية التخلي عن استعمال الاستعارة أو عن نظريتها، بل الصواب بالمقابل هو أن الاستعارية أو المجازية أو نظرية صور التعبير هي التي تتركنا وشأننا فيما يخص البلاغة العامة، وأكثر من ذلك فيما يخص هذه البلاغة الجديدة (إذا شئنا) فهي التي تنقصنا (من بين أشياء أخرى) من أجل التأثير في محرك الكون، وهي التي ستكون سيميائيات للخطابات، لجميع الخطابات”[16].
أما التوجه الثالث في البلاغة فهو الذي ينطلق من مقولة جينيت الأخيرة والتي تتحدد من خلال البحث في بلاغة كل الخطابات، تلك البلاغة المهتمة والقادرة على “التأثير في محرك الكون”. ومن هنا يمكننا أن نتحدث عن إمكانية خروج البلاغة من كونها معمّمة إلى بلاغة عامة “ينصهر فيها المكونان الشعري والتداولي الخُطبي وتتجاوز اللغة الطبيعية إلى عالم العلامات. بلاغة تقع عند تقاطع أجناس القول وأشكال التواصل؛ رائدها التأثير والتفعيل”[17]. ومن بين أقطاب هذا التوجه هنريش بليث الذي آخذ على التوجه الثاني (الشعري) إهماله للبعد التداولي في الخطاب، حيث يقول: “لقد اعترف منظرون محدثون مثل ج. ن. ليش (1966- 1969)، وت. تودوروف (1967)، ومجموعة لييج (ج. ديبوا، وج. م. كلانكبيرك وأل 1970) بدقة فن العبارة القديم (Elocution)، وأسلوبية الانزياح، وحاولوا إدماجهما اعتماداً على اللسانيات البنيوية. كانت النماذج المحصلة بهذه الطريقة أحياناً أكثر تماسكاً من البلاغة الكلاسيكية، غير أنها، بخلاف الأخيرة، تتخلى بشكل يكاد يكون تاماً عن التوجه التداولي”[18].
فالبلاغة، إذن، عند مجموعة مو (Groupe Mu)، “تضم كل العناصر الأدبية في الخطاب، أي كل ما يشكل انزياحاً، وهذا ينطبق على صور الأسلوب بوجه خاص”[19]. ويرى الدكتور العمري هنا في تفسيره لهذا التعريف، أنه يتميز بتعيين العلاقة بين البلاغة والأدب على أقل تقدير. لكنه ينطوي في الوقت نفسه، على اختزال كبير. أما البلاغة عند جان بليز جرايز (Jean-Blaise Grise)، فيتجلى في كون العنصر البلاغي هو ما يخص الخطيب ويهدف إلى المساعدة على تلقي الشيء الذي قُدِّم، حيث يقول في ذلك: “فالبلاغي متميز إذن عن الحجاجي، إنه كل ما يستعين به الخطاب لتسهيل تلقيه. إنه بيداغوجيا الخطاب بالنظر إلى ذاته. يبدو هذا صائباً غير أنه يقوم على اختزال مخل. وذلك أن البيداغوجيا، كيفما كانت، تعمل على تغيير موضوعها. فإذا ما كان الخطيب بيداغوجياً بإزاء حجاجه الخاص، فإن هذا الحجاج سيتغير، مهما قلت هذه البيداغوجيا، ليصير أكثر بساطة وأكثر انسجاماً وأكثر حيوية ووضوحاً”[20].
ويعرف فرانسيس جاك بدوره البلاغة، وذلك من خلال تحديده لثلاثة مستويات في الخطاب وهي: البرهاني والحجاجي والبلاغي، هذا الأخير الذي يمكن وضعه بصرامة وصدق تحت المستوى الحجاجي أو الحواري، يقود جاك إلى اعتبار البلاغة، كما هو الحال عند أفلاطون، أنها “تضمُّ دائماً جانباً من الرتابة العمياء، ومن المداهنة التي تجعلها موضع شك. فبماذا هي مهتمة؟ إنها مهتمة، أولاً، بكونها غير عقلية، في حين يدعي الحجاج العقلانية أو، على الأقل، المعقولية. وما دامت البلاغة تعمل دائماً على تمرير الحجة الأكثر ضعفاً وكأنها الحجة الأكثر قوةً (بروطاغوراس) فلن تستطيع أبداً الخروج من الاحتمال”[21].
لقد شهد تاريخ البلاغة على أنها كانت تعني فن الإقناع في لحظة معينة، وفي لحظة أخرى كانت تعني الصنعة الجمالية؛ حيث اتسعت لتشمل الوظيفتين الجمالية والحجاجية معاً. ورغم انحسارها وانحرافها الذي قيل عنه الشيء الكثير في الوقت الذي اختُزلت فيه ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي بتناولها لجزء واحد من أجزاء الخطاب وهو الأسلوب… فالبلاغة الجديدة قد عملت، في معترك ثورتها على هذا الاختزال، إلى فصلها عن المجال الجمالي والعودة بها إلى المجال الحجاجي، وهذا لا يعني مطلقاً المطابقة بينها وبين الحجاج وحصرها فقط في مقاربة المجال الحجاجي دون المجال الجمالي. إن المقصود بهذا التجديد هو العمل على تحديد بلاغة الصور[22] ووجوه استثمارها الخطابي ووظيفتها الخاصة…
فمارك بونوم (Marc Bonhomme) الذي يرى أن للصور البلاغية وظائف عدة منها: الوظيفة الجمالية، والوظيفة التنبيهية، والوظيفة العاطفية، والوظيفة المعرفية، والوظيفة الحجاجية، لم يعتمد تحليل شايم بيرلمان في تثمينه الوظيفة الحجاجية على حساب الوظيفة الأسلوبية. “فهو يقر بأن جميع الوظائف التي تضطلع بها الصور لها القيمة نفسها، وهي لا تتحدد خارج السياق التواصلي الذي تستخدم فيه، ولا يمكن فصلها عن بعضها لتداخلها وتعاضدها. فالحجاجية بالنسبة إليه تشكل أحد الاستثمارات الوظيفية المتعددة الصور، ولا تكون الصورة حجاجية في ذاتها، ولكن الحجاجية تتوقف على شروط، وهي على ضربين:
-
الشروط الخارجية: أ- ثمة أنواع خطابية تقوم على منح الأولوية للاشتغال الحجاجي للصور، مثل أنواع الخطاب العمومي. بيد أن الصور قادرة على الاضطلاع بوظيفة حجاجية في أنواع خطابية غير حجاجية مثل الأجناس الأدبية. ب- يضطلع السياق الخطابي سواء أكان سوسيوثقافياً أم تاريخياً بتلوين الصور حجاجياً. وكما لاحظ ميشيل مايير (1993) فإن الصور مهيأة لاكتساب وظيفة حجاجية في مواقف الاختلاف والتوتر. باختصار إن التموضع التلفظي للمتكلم يؤثر حجاجياً في ملفوظاته التصويرية، وخاصة الأفعال اللغوية (التبرير والدفاع) أو (النقد والاتهام).
-
الشروط الداخلية: أ- توجه الصور: يتعلق الأمر بتوجيه إذعان المتلقين في الاتجاه الذي يرومه المتكلم. ب- القوة الإنجازية: تنبثق القوة الإنجازية للصور عادة من مظاهرها البارزة، على هذا النحو فإن التوتر التلفظي الظاهر للمبالغة يزيد من الحمولة الحجاجية للخطاب”[23].
لقد اختزل البعض البلاغة في بعدها التداولي الحجاجي، فمع كل الانفتاح على حجية الصور[24]، فقد بقي الشعر خارج هذه البلاغة، فاختزل بذلك الخطاب الحجاجي نفسه. يقول بيرلمان في كتابه “حقل الحجاج” ما يلي: “إن نظرية الحجاج، كما حددناها، تجعلنا نفكر، على التو، من حيث موضوعها، في البلاغة القديمة، هذه البلاغة التي سأعالجها، مع ذلك، من خلال انشغالات عالم المنطق، وهذا سيضطرني إلى اختزال جوانب من أبحاثي وتوسيع أخرى”[25].
ففي إطار البلاغة الجديدة (الخطابية) في توسعها نحو المكتوب والمناظرة، وفي بعدها عن الاستهواء والخطاب الشفوي، يمكن الاعتناء بالضرورة بهذا النوع من الخطاب، حيث يصبح لدينا امتداد ثالث نحو “الصورة” باعتبارها عنصراً أساسياً في بلاغة الحوار، وبالموسيقى أيضاً كما في الخطاب الإشهاري مثلاً. فهذا الاهتمام بالصورة بكل معانيها الثلاثة (Figure, Photo, Image)، يجعلنا نعمل على استرجاع الجانب التداولي إلى موقعه الأول والأصلي وهو “البلاغة”، في الوقت الذي ينبغي فيه حفظ البعد الوجداني الانفعالي لهذا الجانب[26].
لقد خرجت البلاغة الجديدة من ميزتها المعيارية إلى الميزة الوصفية، حيث لم يصبح هدفها الأساسي وغايتها الأولى هو إبداع النصوص، وإنما صارت إلى التحليل، حيث اكتسبت مشروعيتها من خلال تناول الخطاب. لقد حاولت البلاغة تفسير طبيعة الصور البلاغية وكيفية اشتغالها وذلك بإدخالها في نسق عام ثم استخراج البنية المشتركة بينها. وقد عمل “جون كوهن” على ذلك في كتابه المهم “بنية اللغة الشعرية”، حيث يقول: “الواقع أن البلاغة القديمة قد بُنِيت بمنظور تصنيفي خالص، لقد وقفت محاولتها عند وضع المعالم، وتسمية الأصناف المختلفة من الانزياحات وترتيبها. كانت تلك المهمة مملة. ولكنها ضرورية، فمن هنا ابتدأت العلوم جميعاً. لكن البلاغة وقفت عند هذه الخطوة. فلم تبحث عن البنية المشتركة بين الصور المختلفة، وهذا بالتحديد هو هدف تحليلنا. فهل توجد في
القافية والاستعارة والتقديم والتأخير صفة مشتركة من شأنها أن تأخذ فعاليتها بعين الاعتبار؟”[27].
إن البلاغي الجيد هو الذي يتناول الخطاب في دراسته من خلال بعديه التداولي والتخييلي. فالبعد التداولي والذي بكل ما هو لساني وسياقي يهتم بمسألة مطابقة العبارة للمقاصد. أما البعد التخييلي، وحسب سيرل بالخصوص، فهو يقوم على كون أنه لا توجد لغة خاصة بالتخييل، بل الأمر يتعلق بقواعد معطلة تنطبق اصطلاحاً على الجمل التخييلية، فتصير القضية متعلقة فقط بكيفية التعرف على هذه الجمل “ويوجد حلٌّ بسيطٌ لهذه المسألة هو اعتبار كل جملة ترد في نص تخييلي- رواية كان أم مسرحية مثلاً- جملة تخييلية. إلا أن سيرل، وهو يؤكد تعايش الجمل التخييلية مع الجمل الإخبارية الخالصة داخل النصوص نفسها، استبعد هذه الإمكانية”[28].
وحين نلاحظ أن الخطابين (التخييلي والتداولي) يلتقيان في الاحتمال: بفعل الخيال الذي يجعل النص (المخيَّل) منغلقاً على نفسه، مفتوحاً للقراءة والتأويل، وبفعل المقامية التي تجعل موضوع التداول متنازعاً بين طرفين، أو مرهوناً بمدى تقبله من قِبل المتلقي مهما قويت صدقيته، وعلت حجته، حينما نلاحظ انفتاح التخييلي بحسب “وجدان” المؤول، وارتهان التداولي بموقف المخاطب، نقول: هذا كله خطاب احتمالي مؤثر[29]. ويتميز البعد التداولي للبلاغة في كونها تنزع نحو الوضوح وتنفر من التعقيد والغموض وتجنب كل معيق لعملية الاتصال بالنص، أو حجب المتلقي عن فهمه وإدراك معانيه، أو حتى تأخير هذا الفهم.
2025-08-11