حكاية انعتاق طالبة أستاذة من الجنون للكاتبة والأديبة ماجدة غرابو [ أي روح مواطنة عنها أتحدث]
ماجدة غرابو
19 يونيو، 2025
الرباط نيوز
إن كتاب: “البورناوت” Burn- Out انعتاق طالبة أستاذة من الجنون؛ هو صرخة بصيغة نون النسوة؛ لانطلاق طائر الفينق وإحيائه من جديد، والانبعاث من الرماد للانطلاق بكل قوة وحرية..
ماجدة غرابو
لم أفكر يوما أن أكتب سيرة ذاتية، فحياتي ليست بثراء حياة نوال السعداوي أو مغامرات كازانوفا أو صدمة وقسوة حياة شكري! فما أنا إلا أستاذة أو معلمة بسيطة عاشت حياتها بكل هدوء وهي تحادي الجدران، تحلم بغد أفضل لأبنائها وأسرتها الصغيرة. وما هذه السيرة الذاتية إلا صرخة نملة/ أستاذة في هذا المجتمع بصوت جميع ممتهني مهنة التدريس؛ الذين احترقوا مهنيا دون أن يفهموا ما أصابهم ودون أن يجدوا من يشد بأيديهم وعلى. عضدهم لينعتقوا من مصابهم، فمنهم من ظل قابعا في قسمه شبه ميت وكأنه جذع شجرة خاو محترق إلى أن تقاعد، ومنهم من انتهى به الأمر كالمجذوب في الحواري والشوارع أو البراري، ومنهم من انتهى به الأمر في مستشفى المجاذيب أو المجانين ومنهم من انتحر منهيا عذابه وصراعه مع الواقع رغم إيمانه الشديد ووثوقه بالله أكثر من أشد الواثقين به سبحانه. فدافعي الأول لكتابة سيرتي الذاتية هو إصابتي بمرضي الذي أتقدم له بجزيل الشكر؛ وممتمنة له أيما امتنان لإصابتي به، فهو كان دافعي للخلاص إما منه أو من الحياة، وصدفة كنت من المحظوظين لوجود أشخاص رائعين بحياتي وجدتهم حولي كما الخبيثين لدفعي بقوة وللتحدي لأظل بهذه الحياة وهذه الدنيا لأتقاسم معناتي بمرض “الاحتراق المهني” المشخص بمرض القلق الذي أثار اهتماما خاصا لدى أحد أعلام الحرية الوجودية كيير كيغارد. (Kier Kegard) من حيث هو دافع إلى الإنجاز والإبداع، ويراه كيير كيغارد -أي القلق الخلقي- على أنه موجود منذ عصيان آدم عليه السلام ربه. ولكنه لا يتضح لدى الفرد إلا بعد ارتكابه إثما يعترف به أو يكون منبعا للإبداع، وبأن قوة النفس تنبثق من نجاح الفرد في مواجهة الخبرات التي تثير القلق، فالقلق سبيل إلى نضج النفس الإنسانية وتفتحها عن طبيعتها العميقة الخلاقة، ولكنه يقود إلى الانسحاب أحيانا بدلا من الخلق والإبداع، ويمكن أن يتطور إلى عصاب شديد الأثر.فانبثقت أولى بوادر هذا الانعتاق والخلاص والخلق حين فكرت في أن أتابع دراستي الجامعية بشعبة السوسيولوجيا وأن ألقى أساتذتي الأجلاء الذين أتوجه إليهم بكل الامتنان والاحترام والتقدير، فلم يبخل أساتذتي علي في شعبة الفلسفة ومسلك السوسيولوجيا على إمدادي بالطاقة اللازمة لأواصل دراستي وبكل التشجيع لأطور من عطائي وكتاباتي، فكانت الدراسة بالنسبة لي شفاء وبلسما، وكانت الكتابة تحررا من أسر الذات وميلادا منبثقا من الرماد والاحتراق وأسر المرض ومن ضروب الجنون من زاوية النظر المغربية…
أي روح مواطنة عنها أتحدث
لماذا في بلداننا نتعذب للوصول لشيء هو قاب قوسين منا ولو كان بسيطا جدا؟ ودوما نصطدم بشتى أنواع العراقيل لأشياء من حقنا حتى يستغني الكثيرون عن المطالبة بها أو البحث عنها.
ولماذا لا ننال أقل حق من حقوقنا؟ ولما تكريس نفس الحقيقة من أشخاص أعلى تراتبية في المجتمع؟ إلى أقل وأبسط فرد في مجتمعاتنا؟ حين تسمع من الجميع عليك بالتسامح! ولا أعرف كيف يمكن التسامح في الكرامة وفي الوطنية وفي الإنسانية؟ لا أعرف كيف تجد نفس الأفكار عند الأستاذ الجامعي الذي استشرت معه وعند الطبيب الذي أعطى لأبني شهادة طبية مدة عشرين يوما، وعند البناء وعند المساعد في الورش الذي بات يقوم ببعض الإصلاحات منزلي أيم وقوع الحادث، الاستسلام والخضوع نفسه، والخضوع الذي غرس في أنفسنا إلى هذه الدرجة؟ وكيف نغرسه في الآخرين، هي تجارب كثيرة يخلص فيها الناس لنفس النتائج هي حقوق تضيع إلى غير رجعة.
هذا ما سمعته حين تم الاعتداء على ابني ذي الاثنا عشر ربيعا بشكل سافر داخل مدرسته الخاصة المزودة بأجهزة للمراقبة من طرف أربعة أشخاص من بينهم راشدين بالقوة الجسدية، وذلك بدفعه على الجدار بقوة ومحاصرته مع السب والقذف بأشنع الألفاظ المنحطة في حقي أنا أيضا رغم عدم وجودي في المكان، كما يحدث دائما، فالمجتمع الذكوري متفنن حتى أثناء الغضب في التلفظ بأقبح وأقدح الكلمات في حق المرأة التي تحضر في هذه المواقف كأشد أنواع الإهانات وقعا على الخصم. وكل هذا حدث لابني داخل المؤسسة التي يدرس بها ابني أمام العديد من الأطر الإدارية والعاملين بها مع التوثيق بآلات التصوير “الكاميرات” المنتشرة بالمؤسسة وتوفر على الجميع الكثير من الدفاع والتبريرات، لكن المدعية هنا ما هي إلا مواطنة مغربية كأي نملة في وطنها لا تساوي حتى سماع صرختها وهي تداس تحت الأقدام والمسماة ماجدة بنت محمد هي هويتي الدالة على عروبتي وعلى تديني، أما المعتدية على ابني والتي ذهبت مرتين إلى قسمه وهي تصرخ بوجهه لائمة له عار تطاوله على ابنها وعار محفظته التي كسر جانب منها؟؟ قبل أن تهجم عليه هي وصهرها وابنهما بالعنف الجسدي والمعنوي فمسمات ناتالي (NATHALIE) الدالة هي هويتها على أنها غربية، فهي فرنسية شقراء، شعرها غير أسود، وبعد مرور أكثر من سنة لازالت شكايتي بمخفر الشرطة قابعة هناك، وبالمحكمة التي قال لنا بها وكيل الملك: كيف سنعرف عم الطفل الذي اعتدى على ابنكم إذا كان لديه عشرة أعوام؟ كيف ستعرفه المحكمة؟ إذن ما العمل؟ ومن الذي يمكنه أن يعرف؟ وأين نتالي في الموضوع؟
الجميع نصحوني بأن لا اقتص بنفسي من طفلها كما فعلت بابنك خسستا بعين قضائنا !!! وقد نويت ذلك فعلا وخططت له، لكن لم أكن بالشجاعة الكافية مثل (نتالي NATHALIE)، ولم أكن بقلة الوعي نفسه.
وكان أقصى ما بدلته الشرطة أنها استقدمت أحد عائلة الطفل / المغربي، على أساس أنه معتدي والذي يحمل نفس اسمه لكن اتضح ويا للمفاجأة أن لا علاقة له بالموضوع، وقد سرحته فيما بعد الشرطة بكل بساطة دون أخذ أقواله أو دون عمل محضر له على أساس أنه ليس الشخص المعتدي على ابني في تماطل سافر وتلاعب على رجال الشرطة وعلينا وضياع وقتنا ووقتهم الذي يحتاجونه في خدمة قضايا المواطنين وقضايا هذا الوطن ! مع حرماني لابني نتيجة لهذا الاعتداء من لعبه وممارسة حياته الطبيعية كطفل – كانت الفترة نهاية السنة الدراسية- حين اقتاده كل مرة لمركز الشرطة وللمحكمة وعند الطبيب، وانتكاسته من جديد وبكاؤه وخوفه كل مرة حين يستحضر ظلم عائلة هذا الطفل/المغربي، زميله في القسم، واعتداءهم عليه كلما قدناه لمراكز الشرطة أو المحكمة ورفضه نطق الكلمات النابية التي سمعها منهم أمامي وخجله، وكتابته لها بعد أن طلب منه أحد رجال الشرطة كتابتها، وبالمقابل لا يحضر الآخرون المعتدون المحصنون بالأم الفرنسية أو ابنها المحظوظ بانتمائه لها.
وأتخيل لو عكست الآية لا قدر الله، وكنت أنا المعتدية ماجدة بنت محمد في بلدها على ابنها وسط الحرم المدرسي؟ !
ألن ينشر الخبر كل وسائل الإعلام الفرنسية وتتناقله وسائل التواصل الاجتماعية صوتا وصورة؟ ألن تقوم فرنسا وتقعد وتنشر بالبنية العريض خبر اعتداء عربية مسلمة على طفل أمه فرنسية في ديارنا الفرنسية ووسط مؤسساتنا التعليمية ! ولما لا نسب القضية لعمل إرهابي لأنني أغطي رأسي؟ وقد تدخل على الخط كل جمعيات حقوق الطفولة والإنسان !!
أين هو حق طفولتنا التي تنهك وسط مؤسساتنا التعليمية دون أن تكلف المؤسسة عبر موظفيها تقديم اعتذار بسيط لابني؟ حين ذهبت مشتكية لمديرة المؤسسة، أخبرتني أن (نتالي NATHALIE) مسلمة؟؟ فهمت أنه كيف لي أن أجرأ بحق ابني من فرنسية مسلمة؟
بعد هذه الحادثة لم أعد أعرف كيف سألقن أبني مبادئ المواطنة وكيف سأشرح له حقوقه وواجباته حين يستظهر علي دروس التربية على المواطنة؟
وكيف سألقنه بعد هاته الحادثة مبادئ روح المواطنة؟ كيف سأمنع مشروع هجرة ابني الذي يبدو لي من الآن للضفة الأخرى بحثا عن حقوق لمسها من أجل الآخر مقابل ضياع حقوقه بأم عينيه؟
كيف سأكذب عليه بعد الآن وأخبره بحكمة “قطرات بلادك ولا عسل بلادات الناس”؟؟؟.
2025-06-19