الثقافة هل هي تجربة أم وصفة.. ؟
ذ/ مولاي علي الخاميري
13 أغسطس، 2022
كتب – ذ/ مولاي علي الخاميري
عندما نقول إن الثقافة تجربة نعني مجموعة من المقتضيات ، نذكر من أمثلتها ما يلي :
– الغِنَى الموضوعي والفكري واللغوي .
– التنوع وتعدد الرؤى ، وبسط المواقف ضمن سياقاتها المناسبة لها .
– اعتبار المخاطب ، ومحاولة إقامة جسر للتواصل معه ولكن بإقناع مستند على شروط العلم ، ومذيل بمستلزماته ، بمعنى أن نحافظ له على حريته في مقدار التأثر والتأثير ، والقَبول والرفض .
– حضور الزمن الثقافي بكل تجلياته وأفكاره ضمن الحيز الفكري الذي يُكتَب في شأنه .
– تكوين الإنسان هو الأهم في التجارب الثقافية ، وإقامة المجتمع المتمدن الذي يهفو إليه الإنسان هو الغاية من العمل الثقافي .
– الثقافة بمعنى التجربة لا تموت مع توالي حلقات الزمن ، وليست لها صلاحيات متعلقة بحقبة معينة ما دام المحرك الأساسي في البدء والنهاية هو الإنسان .
الثقافة والتجربة يأبيان التقنين والتقعيد المبالغ فيه ، ويرفضان النتائج الحرفية والمباشرة التي تدل على أننا أنهينا المشوار ، وهذا ما يجعل الفعل الثقافي متجددا وإن تكررت مواضيعه .
أما الثقافة بمعنى الوصفة فلها محدداتها العديدة ، ونقتصر على ذكر نماذج منها فيما يلي :
– تَعتبِر الإنسان فاشلا ، أو مريضا ، ولهذا تحدد له الوصفات القادرة على النجاح السريع .
– تحاول أن تحصر الثقافة في مواضيع محددة ، ضيقة وقصيرة ، أصحابها يقيمون مشاريعهم الثقافية على فعل الإثارة الفجة ، ولهذا تجد مؤلفاتهم تُكتَب بعناوين مثيرة وجذابة ، و تكثر من مثل هذه العبارات المسكوكة والمُستَخِفة بعقول الناشئة المقصودة من لدنهم : كيف تعشق ، كيف تنجح ، كيف تصبح مليونيرا ، كيف تتحول إلى قائد……
– تَغلِب على أصحابها نزعة الخبرة والمعرفة في كل ما يفعلونه وإن كانوا لا يتوفرون عليهما .
– روادها يهتمون بوسائل مشوشة قد تقلب الحقائق أمام القارئ بدون ما يدري ، ويقحمونه في متاهات الأحلام والاستسهال ، ويستغلون كذلك الوسائل التواصلية الحديثة التي سهلت عليهم المأمورية وإلى أبعد الحدود .
– يركزون على إشاعة هموم الإنسان المعاصر ، ويركزون على إرجاعها إلى حقيقة حتى ولو كانت في أصلها وهما ، فيصبح ( المثقف ) طبيبا ، ويتقمص أدواره العملية في التحليل والوصف والعلاج .
– الكاتب في الثقافة بمعنى الوصفة لا يكتب لنفسه ومن وحي ذاته ، وليست له أهداف مجتمعية رائدة ، إنما يكتب ما يريد الآخر وكيف يريده ، ويحاول أن يتصيد الهفوات والنقائص الموجودة في زمنه .
– الثقافة بمفهوم الوصفة تقف عند حدود المعلومة ولا تهمها الأبعاد الأخرى التي أنتجتها ولا الأهداف المتوخاة من ورائها .
– الوصفة في الثقافة تجعل الكاتب يهتم بما هو فرداني شخصاني ، لأن الاهتمام فردي ، والوصفة العلاجية كذلك ، وقلما تجد لديهم اهتماما بالمجتمع .
عندما تستعرض عناوين كتبهم ستصاب بدوار شديد ، ينغص عليك حياتك ، ويقلب مجموعة من الحقائق أمامك ، أو يحرفها عن مسارها الإنساني العام ، وشبابنا المسكين والمضغوط بسيل وثقل المشاكل الملقاة على عاتقه يسارع إلى تحصيل تلك المضامين بِنَهَم لا يصدق ، وربما يعكف عليها من ناحية القراءة اعتكاف العابد المتبتل بحثا عن العلاج المأمول والمفقود في آن واحد ، فلا نصل في النهاية إلى المراد المُوحَى به إلينا ، وإنما قد تنقلب العملية الثقافية برمتها ، وتصبح من أسباب ظهور نتائج سلبية وعكسية تفوق تعقيدا وبكثير ما كان عليه الأمر قبل فعل المطالعة ، ويمكن أن نشير إلى بعضها عبر عناوين محددة ، أوجزها فيما يلي :
1 – إيهام الشباب والقراء عموما بأشياء غير مضمونة الحضور بعد عملية القراءة ، فيتحول المشهد في النهاية إلى رحلة تِيهٍ لا تنقضي فصولها ، وليس لها حدود تنبئ بمضامينها ومميزاتها ونهايتها .
2 – حصر اهتمام القراء في سبيل واحد ، ضيق جدا هو كيفية الحصول على النتيجة الموعودة ، وهذا نوع من الأسر المقيت ، يتنافى في حقيقته مع الثقافة ومعانيها المتصلة بالحرية والانعتاق .
3 – توسيع دائرة المرض والفشل والسلب إن سلمنا بوجودها مسبقا ، فالقارئ عندما لا ينعم بالحصول على هدفه الذي خُوطِب على منواله من طرف العروض الثقافية التي دفعته إلى شراء الكتاب ، والاطلاع عليه يتحول عنده الوضع إلى نحس مطرد ومستطير ، فيحصل المرض والفشل بمعانيهما الحقيقية فتصبح الثقافة عاملا من عوامل الهدم الشديدة .
ولتتبع الموضوع ، وتبين مضار هذا المشهد الثقافي المتذبذب ، ومن خلال مستويات واهتمامات الأجيال الجديدة ، وتدهور محصولها المعرفي ، وانحداره إلى الأسفل وبوتيرة سريعة وعلى كل الجوانب سأفرد ما تبقى من هذا الحيز لذكر مجموعة من تلك المضار ، وهي غير النتائج السلبية التي ذكرتها آنفا ، فالفرق يكمن في اعتبار المضار عللا نهائية ومستقرة ، في حين أن النتائج تكون مؤقتة يمكن أن تُغلَب وتُقهَر بالعلاج والتغيير ، وأول ملاحظة تسترعي الانتباه ، وعند المقارنة بين الأجيال تقودك إلى الوقوف على حقيقة فارقة كبرى هي غياب الرغبة القوية في تحصيل العلم التي كانت لدى عموم الأجيال المتقدمة ، وضعف الإقبال على المعرفة الصحيحة بِوعي وتنافسية مُحتدِمة مقارنة بالسابق مما مضى من أزمنة الثقافة الجميلة ، وقد أعجبني أحدُ المدونين حين انتبه إلى هذا الوضع الفارق ، فتساءل عن أسباب الإصرار والاعتكاف على طلب العلم الذي كان حاصلا من قبل مما جعلنا نحصل على عباقرة في كل الميادين ، أما اليوم فقد صار الاعتكاف يدور حول الهواتف الثابتة ، ووسائل التواصل المنتشرة مما جعل الحصاد النهائي مختلفا في النوع والجودة ، وعموما يمكن حصر تلك المضار والتأثيرات للثقافة بمعنى الوصفة في الآتي :
1 – ضعف تكوين الأجيال الجديدة من الناحية الثقافية ، وفقدُهم لأية قدرة على التغيير والتحسين ، والنظرُ إلى المعرفة نظرات قميئة وازدرائية مما جعلنا أمام ظواهر اجتماعية تعم وتنشر ثقافة الاتكال والاستسلام والخداع والاسترزاف .
2 – نشر الترَّهات المناسبة للأحوال النفسية المعوجة ، وربط الناس بها ربطا مُطبَقا ومن جميع الجوانب حتى أضحت جل النفوس سجينة لتلك الترهات ، تُقَدَّمُ إليها على شكل صكوك وحلول لكل المشاكل والعراقيل .
3 – القضاء على التفكير والتعقل الرزين في فهم الحياة ، وغياب الفعل القادر على المواجهة والتحدي والتغيير ، وأصبحنا أمام مشهد عام ومعاق ، لا يستطيع الاستقلال بنفسه على مستوى التفكير والتدبير ، وبناء الطموح اللازم لإنتاج الحياة السليمة والمرادة .
4 – طمس هوية الإنسان ، وشَلُّ قدرات الإبداع لديه ، وإعطاؤه نماذج مزورة تدل على الحياة ، وهي على العكس تخريب وفقر ، وتحريف لمعنى الإنسان في الفهم والإدراك وإرادة التغيير إلى الأحسن ، والأدهى أن الثقافة الجديدة بمعنى الوصفة تصادر حرية الآدمي ، وتسلب منه الطموح والرغبة في التفكير والنجاح وفق قدرات ذاتية ، يعرف صاحبها كيف ومتى يفجرها ، ويوظفها للحصول على النجاح الموعود.
5 – خلق نمطية عامة تُقبِر مفاهيم الهُوية الذاتية ، وتستبدلها بطرق متكررة ومتشابهة تزعم لنفسها الأهلية والصلاح في تحقيق السعادة المنشودة ، وهذا ما جعل الحياة المعاصرة تتقارب وتتشابه في مضامينها إلى حد الذوبان ، والشعور بالملل والرتابة القاتمة ، والسبب أن الإنسان لم يعد يعيش حياته بمحض إرادته ، ولم يعد يفكر وينجز كما يحلو له ، بل وجد نفسه أمام قواعد وقوانين شاملة تؤطر الحياة ، وتجعل الجميع يحيا في ظلالها المهترئة حياة مرتبطة كثيرا بمتطلبات المطالب الحياتية من ناحية الماديات ، مما جعل الضغوط تزداد في قوتها ، وتشتد في ضرباتها ، فالمطالب تتسع دائرتها ، وتعظم محتوياتها ، وإمكانيات الإنسان لا يمكن أن تجاريها ، أو تقبض عليها ، فيجد نفسه في دوامة ترهقه ، وتذهب برواحه ورائحته .
إن الحياة التي تمنحها الثقافة الجديدة يغلب عليها طابع التصنع في كل شيء ، وتنظر إلى الإنسان بمنطق العقل الصناعي ، وترى فيه فرصا لتحقيق الأهداف المادية المأمولة ، وتفرق بينه وبين كل ما يشعره بإنسانيته وعظمة وجوده ، ووظائفه الموكولة إليه في التدليل على نفسه ، والعيش برضى وفق ما هو مكتوب عليه في صحائفه العليا ، وبدل من كل ذلك ربطت الثقافة الجديدة بين الإنسان والإنسان فقط ، وقيدته بمجموعة من القيود البشرية ليسهل على الأقوياء الخبثاء أمر القيادة والاستفادة ، ثم بعد ذلك سيصبح الإنسان يوزن بمقدار خدماته لذلك الآخر القوي ، فإذا ظهر في الساحة من هو أخدم منه عملا وطاعة سيُستَغنى عنه ، ويُكتَب على ظهره العبارة الاقتصادية المشهورة : ( انتهت صلاحيته ) .
هكذا يُدبر أمر الإنسان في دواليب الثقافة بمعنى الوصفة ، ويُدَبَّج وفق رؤيتها وأهدافها ، وتُدَاس إنسانيته فيها ، ويُنظر له من جهة الخدمات التي يستطيع تقديمها ، ولا يُلتَفَت إليه على أنه كائن حي ، يجب أن تعطى له فرصته في الوجود والعمل والإنتاج بحرية تامة ، تكشف عن مواهبه ، وتترجم مشاعره وعقله ومواقفه ، ويجب أن يتاح له من الثقافة الرصينة ما يوفر له وسائل الفهم الصحيح لمجريات الحياة ، ويجعله في تناغم تام مع نفسه ، ومع محيطه البشري والكوني ، ويمكنه من الإضافة والفعل الدال على أهليته وأهميته وإنسانيته .
2022-08-13