الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 10:43:37
أخبار عاجلة
ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى( أستاذنا الغالي سي الزياني .. مربي الأجيال و رفيق الحروف .) عاجل …تعيينات جديدة في مناصب المسؤولية بمصالح الأمن الوطني بمدن وجدة والقنيطرة وفاس وإيموزار كندر وتطوان وطنجة وأيت ملول وإنزكان وورزازات وجرف الملحة ومشرع بلقصيري، الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، قائد المنطقة الجنوبية يستقبل بالرباط رئيس أركان القوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة فرقة محاربة العصابات بولاية أمن فاس تضرب بقوة  ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى( السي الحاج الدرعاوي ..أيقونة الجد والاجتهاد ..) الدكتورة منال إمام تكتب: أكتوبر 1973.. حين تكاملت البندقية مع الدبلوماسية: الاستاذة السعدية بنسهيلي تكتب: اليوم العالمي للمدرس 5 اكتوبر له اكثر من دلالة تربوية و سياسية و اجتماعية و ثقافية قيمية حكايات من هجوم الغربان للاديب والكاتب المصري محمد إبراهيم الشقيفي  (رجال الظل) عبد النبي عيدودي والمسؤولية الحكومية: قراءة في محددات الكفاءة والتمثيلية السياسية وهبي بعد نهاية حبية مالي : انا راض على مستوى الاسود والمقابلة حققت الغاية الأساسية
الرئيسية / أقلام وأراء / الثقافة هل هي تجربة أم وصفة.. ؟

الثقافة هل هي تجربة أم وصفة.. ؟

كتب – ذ/ مولاي علي الخاميري
عندما نقول إن الثقافة تجربة نعني مجموعة من المقتضيات ، نذكر من أمثلتها ما يلي :

– الغِنَى الموضوعي والفكري واللغوي .
– التنوع وتعدد الرؤى ، وبسط المواقف ضمن سياقاتها المناسبة لها .
– اعتبار المخاطب ، ومحاولة إقامة جسر للتواصل معه ولكن بإقناع مستند على  شروط العلم ، ومذيل بمستلزماته ، بمعنى أن نحافظ له على حريته في مقدار التأثر والتأثير ، والقَبول والرفض .
– حضور الزمن الثقافي بكل تجلياته وأفكاره ضمن الحيز الفكري الذي يُكتَب في شأنه .
– تكوين الإنسان هو الأهم في التجارب الثقافية ، وإقامة المجتمع المتمدن الذي يهفو إليه الإنسان هو الغاية  من العمل الثقافي .
– الثقافة بمعنى التجربة لا تموت مع توالي حلقات الزمن ، وليست لها صلاحيات متعلقة بحقبة معينة ما دام المحرك الأساسي في البدء والنهاية هو الإنسان .
الثقافة والتجربة يأبيان التقنين والتقعيد المبالغ فيه ، ويرفضان النتائج الحرفية والمباشرة التي تدل على أننا أنهينا المشوار ، وهذا ما يجعل الفعل الثقافي متجددا وإن تكررت مواضيعه .

أما الثقافة بمعنى الوصفة فلها محدداتها العديدة ، ونقتصر على ذكر نماذج منها فيما يلي :

– تَعتبِر الإنسان فاشلا ، أو مريضا ، ولهذا تحدد له الوصفات القادرة على النجاح السريع .
– تحاول أن تحصر الثقافة في مواضيع  محددة ، ضيقة وقصيرة ، أصحابها يقيمون مشاريعهم الثقافية على فعل الإثارة الفجة ، ولهذا تجد مؤلفاتهم تُكتَب بعناوين مثيرة وجذابة ، و تكثر من مثل هذه العبارات المسكوكة والمُستَخِفة بعقول الناشئة المقصودة من لدنهم : كيف تعشق ، كيف تنجح ، كيف تصبح مليونيرا ، كيف تتحول إلى قائد……
– تَغلِب على أصحابها نزعة الخبرة والمعرفة في كل ما يفعلونه وإن كانوا لا يتوفرون عليهما .
– روادها يهتمون بوسائل مشوشة قد تقلب الحقائق أمام القارئ بدون ما يدري ، ويقحمونه في متاهات الأحلام والاستسهال ، ويستغلون كذلك الوسائل التواصلية الحديثة التي سهلت عليهم المأمورية وإلى أبعد الحدود .
– يركزون على إشاعة هموم الإنسان المعاصر ، ويركزون على إرجاعها إلى حقيقة حتى ولو كانت في  أصلها وهما ، فيصبح ( المثقف ) طبيبا ، ويتقمص أدواره العملية في التحليل والوصف والعلاج .
– الكاتب في الثقافة بمعنى الوصفة لا يكتب لنفسه ومن وحي ذاته ، وليست له أهداف مجتمعية رائدة ، إنما يكتب ما يريد الآخر  وكيف يريده ، ويحاول أن يتصيد الهفوات والنقائص الموجودة في زمنه .
– الثقافة بمفهوم الوصفة تقف عند حدود المعلومة ولا تهمها الأبعاد الأخرى التي أنتجتها ولا الأهداف المتوخاة من ورائها .
– الوصفة في الثقافة تجعل الكاتب يهتم بما هو فرداني شخصاني ، لأن الاهتمام فردي ، والوصفة العلاجية كذلك ، وقلما تجد لديهم اهتماما بالمجتمع .

عندما تستعرض عناوين كتبهم ستصاب بدوار شديد ، ينغص عليك حياتك ، ويقلب مجموعة من الحقائق أمامك ، أو يحرفها عن مسارها الإنساني العام ، وشبابنا المسكين والمضغوط بسيل وثقل المشاكل الملقاة على عاتقه يسارع إلى تحصيل تلك المضامين بِنَهَم لا يصدق ، وربما يعكف عليها من ناحية القراءة اعتكاف العابد المتبتل بحثا عن العلاج المأمول والمفقود في آن واحد ، فلا نصل في النهاية إلى المراد المُوحَى به إلينا ، وإنما قد تنقلب العملية الثقافية برمتها ، وتصبح من أسباب ظهور نتائج سلبية وعكسية تفوق تعقيدا  وبكثير ما كان عليه الأمر قبل فعل المطالعة ، ويمكن أن نشير إلى بعضها عبر عناوين محددة ، أوجزها فيما يلي :

1 – إيهام الشباب والقراء عموما بأشياء غير مضمونة الحضور بعد عملية القراءة ، فيتحول المشهد في النهاية إلى رحلة تِيهٍ لا تنقضي فصولها ، وليس لها حدود تنبئ بمضامينها ومميزاتها ونهايتها .

2 – حصر اهتمام القراء في سبيل واحد ، ضيق جدا هو كيفية الحصول على النتيجة الموعودة ، وهذا نوع من الأسر المقيت ، يتنافى في حقيقته مع الثقافة ومعانيها المتصلة بالحرية والانعتاق .

3 – توسيع دائرة المرض والفشل والسلب إن سلمنا بوجودها مسبقا ، فالقارئ عندما لا ينعم بالحصول على هدفه الذي خُوطِب على منواله من طرف العروض الثقافية التي دفعته إلى شراء الكتاب ، والاطلاع عليه يتحول عنده الوضع إلى نحس مطرد ومستطير ، فيحصل المرض والفشل بمعانيهما الحقيقية فتصبح الثقافة عاملا من عوامل الهدم الشديدة .

ولتتبع الموضوع ، وتبين مضار هذا المشهد الثقافي المتذبذب ، ومن خلال مستويات واهتمامات الأجيال الجديدة ، وتدهور محصولها المعرفي ، وانحداره إلى الأسفل وبوتيرة سريعة وعلى كل الجوانب سأفرد ما تبقى من هذا الحيز لذكر مجموعة من تلك المضار ، وهي غير النتائج السلبية التي ذكرتها آنفا ، فالفرق يكمن في اعتبار المضار عللا نهائية ومستقرة ، في حين أن النتائج تكون مؤقتة يمكن أن تُغلَب وتُقهَر بالعلاج والتغيير ، وأول ملاحظة تسترعي الانتباه ، وعند المقارنة بين الأجيال تقودك إلى الوقوف على حقيقة فارقة كبرى هي غياب الرغبة القوية في تحصيل العلم التي كانت لدى عموم الأجيال المتقدمة ، وضعف الإقبال على المعرفة الصحيحة بِوعي وتنافسية مُحتدِمة مقارنة بالسابق مما مضى من أزمنة الثقافة الجميلة ، وقد أعجبني أحدُ المدونين حين انتبه إلى هذا الوضع الفارق ، فتساءل عن أسباب الإصرار والاعتكاف على طلب العلم الذي كان حاصلا من قبل مما جعلنا نحصل على عباقرة في كل الميادين ، أما اليوم فقد صار الاعتكاف يدور حول الهواتف الثابتة ، ووسائل التواصل المنتشرة مما جعل الحصاد النهائي مختلفا في النوع والجودة ، وعموما يمكن حصر تلك المضار والتأثيرات للثقافة بمعنى الوصفة في الآتي :

1 – ضعف تكوين الأجيال الجديدة من الناحية الثقافية ، وفقدُهم لأية قدرة على التغيير والتحسين ، والنظرُ إلى المعرفة نظرات قميئة وازدرائية مما جعلنا أمام ظواهر اجتماعية تعم وتنشر ثقافة الاتكال والاستسلام والخداع والاسترزاف .

2 – نشر الترَّهات المناسبة للأحوال النفسية المعوجة ، وربط الناس بها ربطا مُطبَقا ومن جميع الجوانب حتى أضحت جل النفوس سجينة لتلك الترهات ، تُقَدَّمُ إليها على شكل  صكوك وحلول لكل المشاكل والعراقيل .

3 – القضاء على التفكير والتعقل الرزين في فهم الحياة ، وغياب الفعل القادر على المواجهة والتحدي والتغيير ، وأصبحنا أمام مشهد عام ومعاق ، لا يستطيع الاستقلال بنفسه على مستوى التفكير والتدبير ، وبناء الطموح اللازم لإنتاج الحياة السليمة والمرادة .

4 – طمس هوية الإنسان ، وشَلُّ قدرات الإبداع لديه ، وإعطاؤه نماذج مزورة تدل على الحياة ، وهي على العكس تخريب وفقر ، وتحريف لمعنى الإنسان في الفهم والإدراك وإرادة التغيير إلى الأحسن ، والأدهى أن الثقافة الجديدة بمعنى الوصفة تصادر حرية الآدمي ، وتسلب منه الطموح والرغبة في التفكير والنجاح وفق قدرات ذاتية ، يعرف صاحبها كيف ومتى يفجرها ، ويوظفها للحصول على النجاح الموعود.

5 – خلق نمطية عامة تُقبِر مفاهيم الهُوية الذاتية ، وتستبدلها  بطرق متكررة ومتشابهة تزعم لنفسها الأهلية والصلاح في تحقيق السعادة المنشودة ، وهذا ما جعل الحياة المعاصرة تتقارب وتتشابه في مضامينها إلى حد الذوبان ، والشعور بالملل والرتابة القاتمة ، والسبب أن الإنسان لم يعد يعيش حياته بمحض إرادته ، ولم يعد يفكر وينجز كما يحلو له ، بل وجد نفسه أمام قواعد وقوانين شاملة تؤطر الحياة ، وتجعل الجميع يحيا في ظلالها المهترئة حياة مرتبطة كثيرا بمتطلبات المطالب الحياتية من ناحية الماديات ، مما جعل الضغوط تزداد في قوتها ، وتشتد في ضرباتها ، فالمطالب تتسع دائرتها ، وتعظم محتوياتها ، وإمكانيات الإنسان لا يمكن أن تجاريها ، أو تقبض عليها ، فيجد نفسه في دوامة ترهقه ، وتذهب برواحه ورائحته .

إن الحياة التي تمنحها الثقافة الجديدة يغلب عليها طابع التصنع في كل شيء ، وتنظر إلى الإنسان بمنطق العقل الصناعي ، وترى فيه فرصا لتحقيق الأهداف المادية المأمولة ، وتفرق بينه وبين كل ما يشعره بإنسانيته وعظمة وجوده ، ووظائفه الموكولة إليه في التدليل على نفسه ، والعيش برضى وفق ما هو مكتوب عليه في صحائفه العليا ، وبدل من كل ذلك ربطت الثقافة الجديدة بين الإنسان والإنسان فقط ، وقيدته بمجموعة من القيود البشرية ليسهل على الأقوياء الخبثاء أمر القيادة والاستفادة ، ثم بعد ذلك سيصبح الإنسان يوزن بمقدار خدماته لذلك الآخر القوي ، فإذا ظهر في الساحة من هو أخدم منه عملا وطاعة سيُستَغنى عنه ، ويُكتَب على ظهره العبارة الاقتصادية المشهورة : ( انتهت صلاحيته ) .

هكذا يُدبر أمر الإنسان في دواليب الثقافة بمعنى الوصفة ،  ويُدَبَّج وفق رؤيتها وأهدافها ، وتُدَاس إنسانيته فيها ، ويُنظر له من جهة الخدمات التي يستطيع تقديمها ، ولا يُلتَفَت إليه على أنه كائن حي  ، يجب أن تعطى له فرصته في الوجود والعمل والإنتاج بحرية تامة ، تكشف عن مواهبه ، وتترجم مشاعره وعقله  ومواقفه ، ويجب أن يتاح له من الثقافة الرصينة ما يوفر له وسائل الفهم الصحيح لمجريات الحياة ، ويجعله في تناغم تام مع نفسه ، ومع محيطه البشري والكوني ، ويمكنه من الإضافة والفعل الدال على أهليته وأهميته وإنسانيته .

شاهد أيضاً

حسين علي صالح يكتب :حكاية ماقبل النوم للأطفال بين الموروث الشعبي والتطور التكنلوجي

كتب/ حسين علي صالح الطفل هو ذلك الكائن الجميل الذي حباه الله سبحانه وتعالى بكل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *