لغة المجتمع الرمزیة
إبراھیم أبو عواد
18 مايو، 2021
إبراھیم أبو عواد / كاتب من الأردن
تُمثِّل البُنى الاجتماعیةُ فلسفةَ التحولات الإنسانیة على الصعیدَیْن الفردي والجَمَاعي . وكُل تحوُّل في شُعور الإنسان سینعكس على طبیعة العلاقات المادیَّة التي تربط بین المَعنى والوَعْي في المجتمع ، لأن الشعور سابق على المادَّة ، وصناعة الإنسان ھي الخُطوة الأُولى في طریق صناعة المجتمع .
وفي ظِل ھذه التشابكات المعرفیة ، تَظھر أھمیةُ اللغة باعتبارھا منظومةً وجودیةً رمزیةً تَجْمَع بین المَعنى والوَعْي ، وتُعید صِیاغةَ الإدراكِ الحِسِّي والتَّصَوُّرِ الذھني وماھِیَّةِ الروابط الاجتماعیة.وإعادةُ الصِّیاغة تعني تكوینَ تاریخ اجتماعي یُولَد باستمرار، ولا یتوقَّف عن الحركة ، فالتَّوَقُّف قتلٌ للمواھب الإبداعیة ، والجُمود تَحطیمٌ للأنظمة الفكریة في
المجتمع . والحركةُ المُستمرة ھي الضَّمانة الأساسیة لعدم سُقوط الظواھر الثقافیة والأنظمة الفكریة في الفراغ والعَدَم . وكُل حركة في المنظومة الاجتماعیة ، سواءٌ كانت أُفقیةً ( تتعلَّق بالھُوِیَّات المُكْتَسَبَة إرادیًّا ) أَمْ عمودیةً ( تتعلَّق بالھُوِیَّات المُتَوَارَثَة لاإرادیًّا ) ، تعني تَولیدًا مُتواصلاً للطاقة الرمزیة في المجتمع واللغة معًا . والمجتمعُ ھو لُغة واقعیة ، واللغةُ ھي مُجتمع حَالِم . واللغةُ وَحْدَھا ھي القادرةُ على حَمْلِ الرموز المُنبعثة من شُعور الإنسان بذاتھ
ومُحیطھ ، وبناءِ التفسیرات الحقیقیة والتأویلات المَجَازیة للأنا والآخَر ، وصناعةِ التجارب الروحیة والمادیة في جسد الإنسان وجسد المجتمع ، وتكوینِ الظواھر المعرفیة المُتجانسة ، ودَمْجِھا معَ العناصر الفكریة المُتمركزة في جَوھر البناء الاجتماعي .
وأھمیةُ الطاقة الرمزیة في اللغة تتجلَّى في قُدرتھا على قراءة ما بین السُّطور . والإشكالیةُ المركزیة في الوجود الاجتماعي ھي أنَّ الإنسان یَقْضِي حیاتھ لاھثًا وراء الأشیاء الاستھلاكیة ، ویَنسَى أن یَعیش . ومعَ مُرور الوقت ، یُصبح الإنسانُ شیئًا مِن الأشیاء ، وتُصبح مشاعرُه تكریسًا لضیاعِ ذاتھ الوجودیة ، وغیابِ صَوتھ الاجتماعي الفاعل ، وانكسارِ
ھُویتھ المُمیَّزة بین الثوابت والمُتغیِّرات .والحیاةُ الرمزیةُ للإنسان لَیست الفترةَ الزمنیة المُمتدة مِن ولادتھ إلى وفاتھ ، وإنما ھي الفترةَ الوِجدانیة المُمتدة مِن حُلْمھ إلى جَوھره. والطبیعةُ الإشراقیةُ للمعنى الإنساني وجَدوى وُجوده ،لَیست التفاصیلَ التي یَحْیاھا الإنسانُ في داخل المجتمع ، وإنما ھي التفاصیل التي یَحْیاھا في داخل نَفْسِھ . وكُلَّما تَعَمَّقَ الإنسانُ في فَھْم نَفْسِھ ، وإدراكِ أبعادھا الداخلیة ، استطاعَ إعادة تركیب نظام المشاعر الكامن في أعماقھ ، وتَوظیفھ من أجل فَھْم أسرار ذاتھ المُتواریة وراء الأقنعة والاستعارات والتشبیھات والتأویلات ، أي إنَّ الإنسان مُطَالَب بإیجاد صَوتھ الخاص خارج سُلطة الصَّدى ، والعُثورِ على وَجْھھ الحقیقي خارج نُفُوذ مَرایا المجتمع
المُتعاكسة .
وھذه العملیةُ المُھِمَّة تُتیح للإنسان فُرصة الانتقال مِن أسرار ذاتھ إلى أسرار العلاقات الاجتماعیة ، وتحلیل طبیعتھا غَیر المَرئیة ، والانتقال مِن جسد اللغة إلى تجسیدھا على أرض الواقع ، وُجودًا ونظامًا وخِطَابًا ومَفھومًا ومَنطوقًا وإلھامًا وإشراقًا ولَفْظًا ومَعْنى . لذلك ، تَخرج اللغةُ _ في كثیر من الأحیان _ مِن حَیِّز الوسیلة ( وسیلة الخِطَاب والتواصل ) إلى فضاء الغایة ، وتُصبح اللغةُ غایةً مُكتملةً ، وھدفًا قائمًا بذاتھ ، وسُلطةً مُكتفیة بكِیانھا، وزمانًا
عابرًا للتناقضات الاجتماعیة ، ومكانًا حاضنًا للأحلام الإنسانیة .
والمُجتمعُ المالكُ لِصَوْتھ ، والمُتحرِّرُ مِن الصَّدى ، والحاضنُ لرموز اللغة ، قادرٌ على تحویلِ الوسیلة إلى غایة ، وتَقَمُّصِ الأشكال المعرفیة المُختلفة ، لأن الرمز كالماء یأخذ شكلَ الإناء الذي یُوضَع فیھ . وكُلَّما سافرَ الإنسانُ إلى اللغة وَجَدَ نَفْسَھ فِیھا ، وَوَجَدَ كِیانَھ في كَینونة المُجتمع ، مِمَّا یُشیر إلى أنَّ اللغة ھي ھُوِیَّة الإنسان الوجودیة ، وشَرعیتھ الوِجدانیة ، وسِلاحھ الرمزي والجدیرُ بالذِّكْر أنَّ منطق اللغة الرمزي لا یتحدَّد وَفْقَ الكلام الذي یَقُولھ الإنسانُ ، وإنما یتحدَّد وَفْقَ الكلام الذي یَخاف أن یَقُولھ الإنسانُ. وھذا یَكشف المسؤولیةَ الجسیمة المُلقاة على عَاتِق اللغة ، حیث إنَّھا مُطَالَبَة بتفكیك العُقَد النَّفْسیة في الإنسان ، وتحریره مِن الخَوف ، لأن الخائف عاجز عن الإبداع ، وفَكِّ شِیفرة التحولات الاجتماعیة ، ورَبْطِھا بالرموز الحاملة لتاریخ الإنسان وأفكاره وذِكریاتھ وعواطفھ وأحلامھ وطُموحاتھ ، مِن أجل التفریق بین الخیال والحقیقة . وإذا نجحت اللغةُ في تحمُّل ھذه المسؤولیة ، وأدَّت وظیفتھا على أكمل وجھ ، فإنَّھا
سَتَحْمي الإنسانَ مِن نَفْسِھ ، وتَمنع عملیةَ ھُروبھ مِن الواقع إلى الخیال ، لأن الخیال موجود لتغییر الواقع ، ولَیس الھُروب مِنه..
2021-05-18