من أجل رأي ورأي آخر بالوسط المدرسي..
/ذ- عبد السلام انویكًة
13 مارس، 2021
بقلم /ذ- عبد السلام انویكًة
ثقافة سلطةٍ وطاعةٍ وتراتبیةٍ وإرادة راشدٍ عبر تخویف وقوة وعنف وعقاب..، ھي طبیعة علاقة عمودیة طبعت ما كان بین أسرة وطفل وبینھ وبین مدرسة ومدرس في نھج تربوي تعلیمي وتدبیر (تقلیدي)، مستھدفاً واجب تقدیر
كبار من قِبل صغار دون وعي بھؤلاء كحاجات نفسیة تقتضي جملة قیم تجمع بین قدوة وسلوك وتأطیر وتواصل وأمن نفسي وتسامح ولیونة وثقة.. وبقدر ما كان علیھ ھذا الأسلوب من نجاعة في ماضي واعتقاد أسرة ومدرسة
لتأمین إرثٍ ما وثوابت ما على مدى قصیر، بقدر ما تبین افتقار ھذه المقاربة لاحقاً لكل قیمة لدرجة ما ھو نتائج عكسیة، وأن العقاب مثلاً في نھج كھذا لا یكون سوى بأثر سلبي على مدى بعید وفق ما انتھت الیھ دراسات
علمیة نفسیة عصبیة عدة، ومن تمة حاجة الأسرة والمدرسة والفاعلین التربویین كل من موقعھ لورش تربیة على ما ھناك من تعدد ذكاءات. ایجابیة سلوك في الحیاة، مع تنمیة ثقافة وقیم تعاونٍ عبر تفاھمٍ وتواصلٍ وإكسابِ ما ینبغي من لطافة كذا استثمار ..ولعل من جملة ما تستھدف التربیة على اللطافة bienveillance ، موقعاً وسطاً في المدرسة عبر ما ینبغي من أفقیة یتم فیھا تثمین ما ھو نفسي وجداني من حاجات ناشئة متمدرسة، حتى لا تكون الغایة تحقیق طاعة ما ضمن علاقة ما مثلاً، بل بناءھا في اطار تعاون واحترام ورأي ورأي آخر بین “طفل” و”راشد” باعتبارھما كائنین
انسانیین یتقاسمان قیماً مشتركة.
وغیر خاف ما كان في الماضي من ھاجس بحث مدرسةٍ ومدرسین وتربیة
وتربویین وتأطیر ومؤطرین، عن ثقافة وسلوك طاعة بشكل سریع وفق ما یتماشى وینسجم مع وضع سسیوثقافي كائن.
وإذا كانت ھذه ھي معالم تربیة وتكوین ومن تمة طفل متمدرس (صالح) في نھج ماض تربوي، ففي وعي حدیث وعمل تربیة على حسن سلوك وایجابیة یتم اعطاء أھمیة أكثر لِما یكتسب عبر قناعة، مع آخذ حاجات الآخر النفسیة بعین الاعتبار كما الطفل مثلاً دون إلزامھ بأي سلوك، عبر اعتماد ما یسمح بتعاونھ وخلق علاقات ثقة بینھ وبین الآخر من الراشدین لبلوغ أھداف ما بعیداً عن كل ضغط وقوة وعنف وتخویف. من ھنا التربیة على الایجابیة في الحیاة وحسن السلوك تقوم على ما ینبغي من تثمین وتحفیز وبحث عن حلول، وتجاوز كل
عقاب یخص سلوك أطفال متمدرسین بالبحث عن فھمھ وتمثلھ، مع أھمیة مصاحبة ھؤلاء وحل مشاكلھم عبر تعاونھم وتعمیق العلاقة معھم من أجل ما ھو أفضل. ولعل التربیة على السلوك الایجابي تقوم على علوم الانسان
ومنھا الدراسات النفسیة العصبیة التي كانت بأثر على أنظمة وأسالیب التربیة بالمؤسسات التعلیمیة، فالأبحاث العلمیة التي توجھت بعنایتھا لدماغ الانسان وأنشطة التعلیم، بقدر ما اتسعت خلال العقود الأخیرة بقدر ما انتھت
بنتائج ھامة تخص التربیة دون عنف.
وعلى أساس قیم كونیة فإن لطافة تعامل وسلوك، كثیراً ما تروم حاجات نفسیة من أجل انتماء ونشاط جمعي منسجم یستھدف حمایة توازن وأمن وجداني فضلاً عن دعم وخدمة علاقات، تسمح بسلوكات من قبیل تعاون
وصدق وتساھل وتسامح وتضامن ومسؤولیة وثقة واخلاص…، وغیر خاف ما عرفتھ قضیة السلوك من تناول خلال السنوات الأخیرة، ذلك أن الأمر یخص سؤال واقع تسامح وتجاوز في الوسط المدرسي وایجابیة ووضع لا
عنف. وإذا كانت الدراسات العلمیة النفسیة تقول بكون الایجابیة ولطافة السلوك تقوم على حاجات وجدانیة أساسیة، فإن الایمان بقدرة الأطفال المتمدرسین على التعلم یعد أساس كل عملیة تعلیمیة، وأن بإمكان المدرسین
أن یكونوا بتأثیر وأثر على ھؤلاء الذین یرتبطون بموارد وصعوبات ونسبة تطور خاصة.
وإذا كان السلوك الایجابي في الوسط المدرسي نتاج عیش ممتد في الزمن وجزء من إرث انسان وثقافة، ففي بعده الحدیث یروم البحث عن حلول وبناء علاقات على أساس احترام متبادل وتعلم مھارات عیش وتطویر كفایات وثقة في النفس، لمعرفة سبل تدبیر وضعیات ومواقف صعبة وفق ما ینبغي من تعاطف واحترام ذاتٍوآخرَ ولا عنف. وعلیھ، فإن التربیة على سلوك ایجابي تعاوني تطرح على التربویین عموماً جملة أدوات من شأنھا تعدیل تقالید قائمة، من خلال تربیةِ ناشئةٍ متمدرسة على كفایات حیاة وفق ما یقوم على احترام حاجات طرفین “أطفال” و”راشدین”.
ولعل من جملة ما ینبغي اكسابھ للمتمدرسین سبل عیش حسب وجدانھم وعواطفھم مع تعبیر عنھا بطرق محترمة في محیطھم، فضلاً عما یحتاجونھ من مصاحبة دون اشعارھم بالخوف من الخطأ، وفضلاً عن قدرة تحدید ما یختفي من حاجات وراء سلوكات صادرة مثیرة للسؤال بالوسط المدرسي. كل ذاك من أجل اعتماد مبادئ سلوك ایجابي في المعالجة عوض ما ھو عنف، لیبقى المھم والأھم اعادة نظر في علاقة ما قائمة بین آباء ومدرسین وتربویین ومؤطرین من جھة وبین متمدرسین من جھة ثانیة، لتجاوز حاجز تقالید سائدة واعتقادات
مجتمعیة صوب تربیة مؤسسة على سلوك ایجابي.
إن التربیة على السلوك الحسن تسمح للمتمدرسین بكفایات حیاة، وبالتالي سبل تعلیم مدرسین وترویین ثقة ھؤلاء في أنفسھم، فمع كل تقدم یحققونھ یصبحون كائنات حیة وجدانیة ایجابیة أكثر قدرة على التفكیر، قادرین على
اتباع قواعد وفي نفس الوقت تقویمھا عارفین بسبل تدبیر اخفاقات واحباطات، مع سیر وتفاعل بثقة في الحیاة وقدرة على مواجھتھا لتحقیق تطلعات دون اكتراث بأحكام آخرین. من ھنا فإن التربیة على الایجابیة في الحیاة ولطافة سلوك وعلاقة وتعاون وتفاھم، ھي دعوة للاشتغال على الذات كآباء ومدرسین ومؤطرین ومدبرین، وعلى وجدان جمعي ودرجة ثقة في المستقبل من أجل نماء وناشئة، كذا على ما ھو إرث ثقافي وأسلوب تواصل كأفق وتطویر ذاتي من شأنھ أن یسھم في تحقیق أھداف منشودة، ولعل ھذا الورش من الاشتغال والتغییر الذي ینبغي أن یشمل جملة واجھات منھا الأسرة والمدرسة والعمل والعلاقات مع الآخر…، لیس قضیة اختیار تربوي بل خیار حیاة.
یذكر أن السلوك الایجابي positive discipline في التربیة والتكوین، تیار تربوي نشأ في الولایات المتحدة الأمریكیة خلال تسعینات القرن الماضي تأسیساً على أعمال عالمة النفس Nelson Jane ،وقد بلغ ھذا التیار فرنسا قبل عدة سنوات بفضل عالمة النفس الاكلینیكیة الفرنسیة Sabaté Beatrice التي كیفت دراسات “جان نیلسون” مقترحة تكوینات للأسر ومؤسسة لجمعیة فرنسیة للسلوك الایجابي. ولعل التربیة على الایجابیة في الحیاة والسلوك، تشكل خطة عمل لتسھیل ومرافقة عیش جماعي بتركیزھا على المتمدرسین من الأطفال وعلى محیطھم وتنشئتھم، مقاربة تتوجھ لكل الآباء والتربویین والمدبرین والمؤطرین واضعة ما ھو تحفیز وتشجیع في قلب العلاقة الكائنة بالوسطین التربوي والمدرسي، وعیاً بأن تربیة الناشئة وتأھیلھا ورش ھام لبناء راشدین ومن خلالھم مستقبل مجتمع ونساء ورجال غد.
إن كل ما یتأسس على دعمٍ وتحفیزٍ واقناعٍ وقدوةٍ وتعمیق ثقةٍ..، ھو تربیة على سلوك ایجابي وحُسْن ولطافة علاقة، ما یروم جعل الناشئة أكثر مسؤولیة واستقلالیة وتفتحاً. وكان ھذا الأسلوب التربوي كمفھوم قد انتشر من
خلال ما حصل من اھتمام حول أھمیة الحوار دون عنف، مقاربة اھتمت أساساً بالأفراد مركزة على ما ھو نفسي وجداني، بحیث من المفید فیھا التواصل انما دون أحكام مسبقة حول الآخر ودون عنف.
ولعل الثقة ھي قلب أي سلوك ایجابي وحسن علاقة من أجل حسن انصات وتشجیع واستجابة، ولسیت ھناك طریقة خاصة یمكن اتباعھا في ھذا النھج التربوي فقط نصائح ذات أھمیة منھا تجنب السلبیة.
ولعل التربیة على الایجابیة والسلوك الحسن..، تقتضي انتماء الى جماعة ما وحاجة ما وتواصل وتبادل للرأي وفق ما ینبغي من احترام، كذا وعي بكون العقاب رؤیة بمدى قصیر وأن كل سلوك لھ سبب وجود.
ولتنزیل ورش تربیة ایجابیة وثقافة لطافة من المفید تحقیق تواصل قبل أي تصحیح مع وجود علاقة وثقة، كذا وعي بالخطأ كأداة اكتساب وإغناء مع أخذ الوقت لإعادة تواصل مع الذات، فضلاً عن طرح أسئلة تھم حب استطلاع
وأخیراً بناء عنصر ثقة.
من أجل ھذا وذاك من تطلعات المدرسة المغربیة، وفي اطار تعاون مغربي أمریكي تجویداً للوسط المدرسي
الاعدادي والثانوي عبر مشروع المؤسسة، مع رفع قدرات وكفایات أطر اداریة وتربویة وتأطیریة من أجل مھَمة أفضل وانخراطٍ أوسع فیما ھو منشود. كانت مدینة فاس مؤخراً على موعد مع أشغال تكوین مكونین، استھدفت
مؤطرین تربویین عن الأكادیمیة الجھویة للتربیة والتكوین، ومكونین باحثین عن المركز الجھوي لمھن التربیة والتكوین. وبقدر ما توزعت ھذه الأشغال على محاور بطابع بیداغوجي دیداكتیكي، بقدر ما استحضرت ضمن أفق آخر أھمیة تجدید معارف ومھارات وتحسین أسالیب تدخل في عمل تربیة وتعلیم وتكوین وتأھیل لمتمدرسین، من خلال محاور ومجالات بطبیعة عرضانیة ذات بعد قیمي انساني سلوكي علائقي تفاعلي، كما بالنسبة للتربیة على اللطافة وحسن العلاقة والسلوك الایجابي et bienveillante éducation’l discipline.positive
ولعل ھذا المحور في عُدة تكوین المكونین ھذه، ھو ما أطرتھ الباحثة في علوم العلاقات الانسانیة والتفاعل البیني المؤسساتي دة. فوزیة مسعودي، كموضوع على قدر عالٍ من الراھنیة والقیمة المضافة لفائدة المستفیدین
من التكوین. علماً أن التربیة على البعد الایجابي في الحیاة وقیم الحُسن والتواصل والتعاون والتقاسم والتفاھموالقبول برأي الآخر..، لا تزال مساحة بدون ما ھو كافٍ من عنایة وموقع في مجال التكوین الأساس للأطر
والتكوین المستمر. وغیر خاف عن تربویین ومھتمین بمنظومة بلادنا التربویة ما ھناك من اشارات حول أھمیة ورھان التربیة على الایجابیة والسلوك الحسن في الوسط المدرسي والتربوي المھني، مثلما ورد في المیثاق
الوطني للتربیة والتكوین كذا تقاریر المجلس الأعلى للتربیة والتكوین، فضلاً عما احتوتھ مذكرات وزاریة عدة ومعھا دلائل ومشاریع تربویة وغیرھا.
یبقى وعیاً بقیمة الانسان في حد ذاتھ وبما ھناك من علاقة للسلوك بمنظومة القیم، ووعیا بدرجة تطور الوعي بمكانة الانسان والمؤسسات وما ھو كائن من علاقات، وبكون تنمیة السلوك الایجابي بات حاجة ملحة لترسیخ علاقات أكثر مسؤولیة بین الجمیع. یبقى وعیاً بكل ھذا وذاك أھمیة الرھان على ما یمكن أن تسھم بھ المدرسة والأثاث المدرسي في ھذا المجال، وبما یمكن أن تسھم بھ discipline et bienveillante éducation’l
positive ،على مستوى ما ھو تربیة وتنشئة فضلاً عن تنمیة ثقة ومواقف وسلوك حسن وتواصل وتضامن وتسامح وتقدیر وایجابیة في الحیاة.
مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحمایة التراث
2021-03-13