حق حرية الحصول على المعلومات .
ذ. محمد جناي
1 فبراير، 2021
كتب / ذ. محمد جناي
يعتبر الحق في الحصول على المعلومات من قبل المواطنات والمواطنين ؛ عامل أساسي في ممارسة حقهم في حرية الرأي والتعبير ، فالمعلومات هي المقدمة الضرورية لتطبيق مبدأ حرية الرأي وبلورة الفكر والموقف، والتعبير عنه في المجتمع الديموقراطي، الذي يتميز بحرية المعلومة ونشرها و الوصول إليها باعتبارها حق أساسي للمواطن ، مع ضرورة تنظيم وسائل الإطلاع على المعلومات الرسمية بقانون دون احتكار أو توجيه ملزم من السلطة التنفيذية ،وعلى النقيض من ذلك ،فإن المعلومة في الدول الديكتاتورية خاضعة لاحتكار الحاكم ،وهو الذي يحدد مايسمح بوصوله إلى المواطنين ومايذاع ومايتم تداوله.
الآن أصبح أكثر من خمس وتسعين دولة في العالم تأخذ بالتدابير لتعزيز حق الحصول على المعلومات، وذلك أن تعزيز الحق في الحصول على المعلومة يلعب دورا محوريا في تعزيز المساءلة ومكافحة الفساد، كما يجب أن تكفل الدولة حق الحصول على المعلومة للمواطن والإعلام الرسمي والمستقل والمجتمع المدني من خلال وضع آليات لتفعيل القانون ، وتحديد واجبات الدولة تجاهه ومع عواقب الامتناع، وآليات للطعن والشكوى وكل ما يعزز من فرصة إتاحة المعلومات، مع التأكيد أن توفر ومصداقية الوثائق والبيانات العامة هو أمر أساسي لبناء المساءلة، وفي كثير من الحالات ربما تحتاج الجهود الأولية للمساءلة إلى التركيز على تأمين حرية المعلومات ، لأن الحصول على المعلومات يؤدي إلى تحسين كفاءة الخدمات وزيادة الموارد، وتدعيم لشرعية الحكومة ومصداقيتها، وارتقائها بمستوى الشفافية والمساءلة، والحد من الفساد.
ماهي مصادر الحق في الحصول على المعلومات ؟
قد أقرت المواثيق الدولية حق الحصول على المعلومات كحق أساسي للإنسان كما في المادة 19 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 9 من الاتفاقية الإفريقية لحقوق الإنسان، والمادة 32 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، وكذا المادتان 10 و 13 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ( CNUCC) التي ألزمت الإدارات العمومية بضرورة تمكين المواطنين من الحصول على المعلومات واتخاذ التدابير الكفيلة لممارستهم لهذا الحق، تعزيزا للشفافية وترسيخا لثقافة الحكامة الجيدة.
اشتمل دستور 2011 للمرة الأولى على الحق في الحصول على المعلومات ،وجاء التعديل الدستوري في سياق خروج الآلاف من المواطنين المغاربة للمطالبة بإنهاء الفساد والفصل بين السلطات ،والحكم الرشيد والمحاسبة في أعقاب ما يسمى ” الربيع العربي”،ويعطي الفصل 27 من الدستور للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية ، والمؤسسات المنتخبة ، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
و هناك خمسة فصول دستورية أخرى تشتمل بشكل غير مباشر على جوانب من حق الحصول على المعلومات :
✓ يضمن الفصل 25 حرية الفكر والرأي والتعبير بكافة أشكالها وحرية الإبداع والنشر؛
✓يكفل الفصل 28 حرية الصحافة ،وحق التعبير للجميع، ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية ومن غير قيود ، عدا ماينص عليه القانون صراحة؛
✓ يطالب الفصل 158 على الشخص منتخبا كان أو معينا ، الذي يمارس مسؤولية عمومية ، أن يقدم طبقا للكيفيات المحددة في القانون ، تصريحا كتابيا بالممتلكات والأصول التي في حيازته؛
✓ يطالب الفصل 148 المجلس الأعلى للحسابات بنشر جميع أعماله، بما فيها التقارير الخاصة والمقررات القضائية؛
✓ يلزم الفصل 167 بإنشاء هيئة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وتتولى تلقي ونشر المعلومات في مجال الوقاية من الرشوة ومحاربتها في إطار ماهو موكول إليها من مهام.
فجاء إذن الدستور المغربي لیقر وبوضوح و جلاء تام على ھذا الحق في الفصل السابع والعشرین منه : للمواطنات والمواطنين الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية ،والمؤسسات المنتخبة ، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام . لايمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون ، بهدف حماية كل مايتعلق بالدفاع الوطني ، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي ،والحياة الخاصة للأفراد ،وكذت الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور ،وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة .
و يشكل القانون 31.13 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6655 بتاريخ 21 مارس،2018 ثورة تشريعية هامة تساهم في ترسيخ دولة الحق والقانون، وكذا تقوية الصرح الاجتماعي وتعزيز اللبنات القانونية التي ينهجها المغرب لترسيخ الديمقراطية وضمان المصداقية في تدبير الشأن العام ،ويأتي هذا القانون لتحديد مجال تطبيق الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العامة والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام وشروط ومسطرة ممارسة هذا الحق.
حيث يتيح قانون الحق في الحصول على المعلومة للمواطنات والمواطنين ، طلب الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية فهو حق إنساني طبيعي، للفرد على المؤسسات المعنية ،ولقد عرف قانون 31.13 المعلومات على أنها : ” مجموعة من المعطيات والإحصائيات المعبر عنها في شكل أرقام أو أحرف أو رسوم أو صور أو تسجيل سمعي بصري أو أي شكل آخر، والمضمنة في وثائق ومستندات وتقارير، ودراسات وقرارات ودوريات، ومناشير ومذكرات وقواعد البيانات وغيرهامن الوثائق ذات الطابع العام التي تنتجها أو تتوصل بها المؤسسات أو الهيئات المعنية في إطار مهام المرفق العام ، كيفما كانت الدعامة الموجودة فيها، ورقية أو إلكترونية أوغيرها”.
و حق الحصول على المعلومات؛ حق يعترف به المنتظم الدولي من خلال مؤسساته، كمنظمة اليونسكو، والاتحاد الأوروبي، كحق أساسي منبثق عن الحق في حرية التعبير ، وهو ما تبرز معه ضرورة تمكين المواطنات والمواطنين من الحصول على المعلومات وَفق الشروط والكيفيات التي يحددها القانون ،ومع التنبيه أن فعلية هذا القانون يرتبط ارتباطا كبيرا بمدى سلوك الموظفين والأعوان العموميّين، وهو ما يقتضي تغييرا حقيقيا للذهنيات وهذا يقتضي قبل كل شيء الإلمام بهذا القانون ومعرفته وفهمه من لدن المواطنين والمرتفقين، حتى يتمكنوا من تحديد حقوقهم وأبعاد وحدود هذه الحقوق”.
لماذا الحق في الحصول على المعلومات ؟
* لولوج أفضل للخدمات العمومية (الصحة ،التعليم ،المياه،الإسكان،التوظيف، إلخ)؛
*تتبع أفضل للسياسات العمومية من قبل المواطنات والمواطنين؛
*تعزيز الشفافية ومساءلة الموظفين العموميين والمنتخبين؛
*تعزيز المشاركة الاقتصادية وتشجيع الاستثمار الاقتصادي؛
*مشاركة أفضل للمواطنات والمواطنين في الحياة العامة؛
*تقليص عدد الشائعات والمعلومات المضللة؛
*مساعدة الصحافيين والباحثين في إجراء استقصاءاتهم.
ويلزم قانون 31.13 الإدارات الحكومية والمؤسسات العمومية والمنتخبة وباقي الهيئات الرسمية تقديم المعطيات والمعلومات، التي لم يستثنها الفصل 27 من الدستور، إلى كل مواطن عندما يطلبها وفق نموذج محدد، وعند رفض الموظف العمومي يصبح عرضة لعقوبات تأديبية محتملة، ووفق منطوق قانون الحق في الحصول على المعلومات، فإنه يتواجد داخل الإدارات العمومية أشخاص مكلفون بالرد على طلبات الحصول على المعلومات، كما أن صاحب الطلب يتحمل نفقة التكاليف عند الاقتضاء، والقانون يمنع تحريف مضمون المعلومات المحصل عليها من لدن المؤسسة العمومية، ويتعرض لعقوبات جنائية كل من أدى استعمال المعلومات أو إعادة استعمالها إلى الإساءة أو الإضرار بالمصلحة العامة، أو المساس بأي حق من حقوق الآخرين”.
حيث أكدت مجموعة من الأبحاث والدراسات على أن الحق في الحصول على المعلومات، هو إحدى ركائز تعزيز المساءلة والشفافية ومن ثم تعزيز الشرعية ومكافحة الفساد، كما قامت عدة منظمات دولية بالقيام بمعايير لقياس أو الإشارة إلى مدى إتاحة الحق على الحصول على المعلومات لأهمية أثره على مكافحة الفساد، هذا وعلى الرغم من اتخاذ المملكة المغربية عدة خطوات نحو مكافحة الفساد ، فإن نتائج العديد من الدراسات والمؤشرات الدولية تشير إلى أنه لا يزال هناك الكثير من التحديات،واستنادًا إلى المعايير الدولية لقياس حق الحصول على المعلومات فمن أهم الآليات المحفزة لتفعيل حق الحصول على المعلومات هي الآليات التشريعية ودور المجتمع المدني والإعلام، ونجد في القانون المنظم للحق في الحصول على المعلومات الكثير من النواقص والإعفاءات والثغرات التي تحد من الفعالية وتضفي بعض الغموض ، أما الإعلام والمجتمع المدني فكلاهما يواجهان تحديات تعيق من فاعلية أدائهم، وهنا يجب العمل التشاركي للنهوض بكل تلك الآليات المحفزة للحق في الحصول على المعلومات حتى تستطيع المملكة التغلب على الفساد والرفع من كفاءة الأداء والتنافسية.
ماهي المعلومات التي يمكن الحصول عليها بصفة تلقائية؟
*الإتفاقيات التي تم الشروع في مسطرة الانضمام إليها أو المصادقة عليها؛
*النصوص التشريعية والتنظيمية ومشاريع القوانين؛
*مشاريع قوانين المالية والوثائق المرفقة بها؛
*ميزانيات الجماعات الترابية ،والقوائم المحاسبية والمالية المتعلقة بتسيير هذه الجماعات وبوضعيتها المالية ؛
*الأنظمة والمساطر والدوريات والدلائل التي يستخدمها موظفو المؤسسة أو الهيئة أو مستخدموها في أداء مهامهم؛
*قائمة الخدمات التي تقدمها المؤسسة أو الهيئة للمرتفقين ،بما فيها قوائم الوثائق والبيانات والمعلومات المطلوبة بقصد الحصول على خدمة أو وثيقة أو بطاقة إدارية رسمية والخدمات الإلكترونية المرتبطة بها؛
*حقوق وواجبات المرتفق تجاه المؤسسة أو الهيئة المعنية ، وطرق التظلم المتاحة له؛
*برامج مباريات التوظيف والإمتحانات المهنية والإعلانات الخاصة بنتائجها؛
*المعلومات التي تضمن التنافس الحر والنزيه والمشروع وغير ذلك.
وختاما : إن عملية تنزيل وتفعيل قانون الحق في الحصول على المعلومات رغم أهميته، سيشوبها العديد من النقائص والاختلالات، و أن العديد من الإدارات والمؤسسات العمومية غير مهيأة وغير مستعدة لتنفيذ هذا القانون ، مما سيترتب عنه لا محالة الكثير من الشكايات وخصوصا أن هذه مرحلة مهمة أولا من أجل التأكد من مدى استعداد الدولة لممارسة الشفافية والمسؤولية وتقبل المحاسبة، ومن ناحية أخرى من أجل تقييم القانون، والوقوف على مكامن الخلل، والعمل على إدخال تعديلات جديدة، حتى ينسجم القانون مع روح الفصل 27 من الدستور، ومقتضيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 19).
هوامش:
– د. قاسم الطويل الحق في الحصول على المعلومات دراسة مقارنة ، الناشر:مكتبة الرشاد ،الذي هو في الأصل أطروحة لنيل شهادة الدكتوراة، الطبعة 2021.
-امتلك المعلومة :الحصول على المعلومات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، تقرير الشفافية الدولية 2013
2021-02-01