غارقون في انانيتنا
زينب بن حمو
8 سبتمبر، 2020
بقلم : *زينبة بن حمو/ باحثة في سلك الدكتوراه
لم ندرك بعد مدى سوء هذا الوباء اللعين، هذا الذي لسنا تحت سطوته سواء.
بعضنا أسوء ما يواجهه هو اضطراره لارتداء الكمامة، الخانقة نعم، لكنها مجرد قطعة ثوب لا تسبب أي اذى، على الاقل لنا نحن العوام، قطعة قماش قد تمنع انتقال الوباء وقت لا تمنعه بحسب منظمة الصحة العالمية، المتضاربة الآراء و البلاغات أكثر من حكومتنا.
لكنها، ذات الكمامة، كرست و عمقت معاناة البعض. لم أكن أنا نفسي، المتأففة من الكمامة، أدرك إلى أي حد جعلت حياة فئة من الناس صعبة بل مأساوية.
القصة :
ذات نهار جميل، رغم أنف كورونا، خرجت من الشقة في اتجاه مكان عمل شابة خلوقة طيبة وهادئة بشكل مربك. كنت بحاجتها لمساعدتي في أمر ما، كنت أعرج عليها بين الفينة و الأخرى حين لا أجد بي رغبة لكتابة أو استخراج وثيقة ما. أمر بمقر عملها، تساعدني و نحن نتبادل أطراف حديث ودي و عام دون الخوض في الخصوصيات.
لست أعلم ماذا أصابها اليوم، ربما بالها مشغول، فأنا اكرر الكلمة على مسامعها مرات عدة و مع ذلك لا تلتفت لما أقول. كنت أجلس عن يمين مكتبها وكان هناك شريط يفصل بيننا حفاظا على مسافة الأمان. جررت الكرسي الذي عليه أجلس واقتربت من الشريط و أزلت الكمامة عن وجهي، وسألتها مازحة، بعد أن التفتت نحوي بسبب الجلبة التي اثرتها :
هل سدت الكمامة أذنيك أيضا أم ماذا ؟!
سألت ببراءة :
ماذا ؟
أخبرتها أني خاطبتها مرارا و طلبت بعض التعديلات على النص الذي كتبته، لكنها لم تنتبه.
نظرت إلي بأسى وقالت :
الحقيقة أن لدي مشكل في السمع.
سألتها ببلادة إن كان مرتبطا حقا بالكمامة.
أجابت :
لا، لدي مشكل خلقي، عظمة الاذن تتآكل بسبب باكتيريا معينة، وقد سبق أن أجريت عملية على أذني اليمنى قبل سنوات. و مع ذلك فقدت السمع بها، المصيبة أن الطبيب أخبرني أن المرض سينتقل إلى اليسرى.
سألتها :
أنت تعتمدين على أذنك اليسرى فقط الآن ؟
أجابت، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، أجل.
و المصيبة اني بدأت افقد السمع في اليسرى أيضا
سألتها :
كيف تستطيعين سماع الزبناء إذا ؟! هل تقرأين الشفاه ؟
قالت نعم. لكن مع الكمامة للأسف لم أعد أستطيع قراءتها، لأن الجميع الآن يلبس الكمامة. و صرت أعاني بسبب ذلك من ضعف القدرة على التواصل. و عشت مواقف كثيرة ينفعل فيها الزبناء و يتعصبون لانهم يظنون اني مهملة ولا انتبه لهم.
والحقيقة أني لا أسمعهم.
قبل أيام انفجرت سيدة في وجهي و قلبت المكان على رأسي
كل ذلك يسبب لي مشاكل مع رب العمل.
قلت لها بصوت متأثر :
وطبعا أنت لا يمكنك أن تشرحي حالتك للجميع
قالت وهي تنفجر باكية :
لا، لا يمكن.
مصيبتي هي أن الطبيب قال أنى سافقد السمع نهائيا بعد فترة…
اقتربت منها ووضعت يدي، برفق، على ساعدها أحاول تهدأتها بعد أن رأيت سيدة تقترب من المكتب..
طلبت بلباقة، من هذه الأخيرة، أن تزيل الكمامة عن وجهها و تحافظ على مسافة الأمان حتى يكون التواصل سهلا.
واعتذرت لها عن حشريتي…
كان ذلك كفيلا بأن يكسبنا بعض الوقت ريثما تستجمع الشابة نفسها وتستعيد بعض هدوءها..
هل فكرت أنا يوما في هذه الفئة خلال هذه الازمة ؟
بالطبع لا، فأنا غارقة في أنانيتي
كان قلبي، يمزقه الأسى والألم،
لست أعلم أين الحكمة في أن يجتمع الفقر و المرض و سوء الطالع… لدى شخص بهذه الطيبة و هذا الهدوء و الجمال.
استغفرك اللهم…
2020-09-08