نبضات قلم مضطربة
خديجة الدباغ
25 مارس، 2018
كتب : خديجة الدباغ
وحدي أدافع عن جدار ليس لي .
وحدي أدافع عن هواء ليس لي .
وحدي على سطح المدينة واقف .
أيوب مات ، وماتت العنقاء وانصرف الصحابة
وحدي أراود نفسي الثكلى ، فتأبى أن تساعدني على نفسي .
ووحدي كنت وحدي ، عندما قاومت وحدي .
وحدة الروح الأخيرة.
لست أدري لماذا كلمات محمود درويش سقطت على هذا الفؤاد المجروح ، وهذا الشعور الضائع بالانتماء والإحساس المختل توازنا ، المتمرد خارج قانون الطبيعة ، المصدوم بصعقات الحقيقة المؤلمة ، أوليس الشعر وعاءا يستجمع شظايا الألم والحنين ، في كل مرة يهفو هذا القلم في سيلان حبره على بياض الورق ، في ثورة تتجاوز الخطوط الحمراء . إنها حمى الكتابة ، التي تصيب بالهذيان والقذف في ورطات كشف المستور وإماطة اللثام على القابع في زوايا الباطن المعتم . فكل كتابة تشبهني ، تحفر صحارى روحي العميقة ، تتصاعد أنفاسي الأخيرة في كل توقف اضطراري لقيمة الإنسان وكل تلاعب عبثي لحياة البشر ، في كل جرح متخثر، ليست سمائي بطبعها متعكرة ، ولكن في كل مرة شحنة ، تفرغ في ميناء الاحزان ، همومي الحبلى بعنفوان الغارقين ، في مستنقع الأحلام المستحيلة ، أبحث عن أشياء سقطت سهوا ، وسط سحابة تتراقص أمامي ، تتمايل ، ممتلئة صواعق ، مرة تضحك ومرة تتجهم ، ما بين الحياة والموت ، تختنق بحرقة الحب ثارة ، ولوعة الفراق ثارة أخرى ، لتنثر كل الأحاسيس الممزوجة ، برزايا السنين ، لتعطي خليطا غريبا ، يجمع اللذة بالألم ، الجمال بالقبح ، الحب بالكراهية ، وجميع المتناقضات المتداخلة في قلب يرنو بحرقة إلى الخلاص ، إلى نشوة تجعل جسدي يتراقص كالطائر الجريح مرة ، ومرات كالمحلق في فضاء الحرية الواسع ، دون قيود ولا حدود وهمية ، يخترق كل حماقات المثقفين ، وخيال الشعراء الهائمين ، بحثا عن تلك السعادة التي لطالما طرقت باب قلبي مستأذنة الدخول إلى عالمي الغائر ، لكن في كل مرة ، تصطدم بجبل من جليد .
كم هي عنيدة أحلامي وكم هو عميق بحر أحزاني ، فمن يريد أن يصطاد ويلقي بشباكه في مياهه المتقلبة ، عليه أن يختار الطعم الذي يستهوي جوهر طبيعتي فلا الابتسامة تنهي مشكلة ولا الصمت يصلح لعبور مداها فأينما وليت وجهك ، كل شيء قابل للانفجار ، فهل يعقل أن نظل قابعين في سكون حتى نبهت أو نخضر أو نصفر ، متصلبين ، مستعرين ، حنقا لفرط الانتظار، أمام تلك الفزاعة السوداء فوق شجرة الحياة ، محذرة ، متوعدة ، ونحن نضحك على ماضينا ومجدنا المهترئ ، المتعفن .
“فمن لا بر له ، لا بحر له “على قول محمود درويش ، كيف نجمع اشلاءنا داخل كيان واحد ، كيف نلصق شظايا السنين المبعثرة ، كيف نعيد صياغة المستقبل من جديد ، حتى يستطيع ذاك الصياد الفقير ان يبحر بزورق من ذهب لا من ورق ، وتلك المرأة ان تتعلم ان الإرادة إبداع ، وأن عشقها لنفسها ، في مدها وجزرها ، منتهى الاستمتاع ، ان تتعلم كيف تعيش دون مقابل ودون ابتزاز ، وذاك الشاب ، الذي يتدرب على حمل الاثقال ، ان يتمالك نفسه ويغض الطرف كي يوفر طاقته لعدو أجدر ، وذاك الطفل الذي تعود أن يقتات من القمامة ، والنوم في شوارع المدينة ، ان يعرف أنه من الشعب أتى ، وأن لهب الشمس وكل حفر الشوارع ، مأوى الفقراء ،شاهدة على قهره كي يتعلم كيف يطير، حتى لا يقع بسرعة في الكبر ، كيف نكسر جدار الاعاقة ونخلق ذلك العقل الحر والارادة ، التي لا تهزم ، كيف نصبح جسدا واحدا ، لا فرق بين من يطيع ومن يأمر ، كيف نتعلم ان نمشي منتصبي القامة ، مرفوعي الهامة ، غير منكبين على عكاز سراب أوأوهام ، أن ننهض إلى الأمام ، دون استسلام ودون انهزامية ، أن نجتاز حاجز المظاهر الخداعة ، أن نخرج من وسط ستار الدخان القاتم ، حتى تتضح الرؤية وينقشع الضباب ، ان نمنح الأشياء أصواتا وأسماء ، ان نعرف كل المصطلحات بمرادفاتها دون لجلجة أو مواربة ، ان نقتلع الميداليات الفخرية والنياشين وكل الأوشحة ،عن صدور أغبى الأغبياء وكل من يتعاطى السمسرة بمآسينا في هذا الزمن ، أن نقوم كل اعوجاج ونزيل كل لبس وكل زيف بعيدا عن مراسيم الموت وموكبه المهيب .
لنحارب معا ذلك العدو الوهمي ، الذي يتربص بنا في كل مكان ، يعد مأدبة إعدامنا على مقصلة المشانق ، كل الأقنعة زالت ، نراه في شوارع المدينة ولوحات الإعلان الكبيرة و تعابير الوجوه البئيسة والقصص والحكايات الغريبة ، والمزارع المنهوبة والكلمة المعسولة بالبسمة الماكرة وفي كل التاريخ المسلوب والزمن الضائع من هذا الوطن .
2018-03-25