دفاعا عن القرآن وتدريسه
خالد شخمان
8 سبتمبر، 2019
بقلم : خالد شخمان /باحث في القانون العام والعلوم السياسية
تدريس القران كان فيما مضى يمنح الطفل قبل أن يصل لسن التمدرس رصيدا لِسْنيا (معجميا) ثَريا يتضمن الآلاف من المصطلحات والتعابير، ناهيك عن القصص القرآني الذي يصقل الذكاء وينمي مهارات التخيل، ويحرك العواطف الجياشة اتجاه الشجر والحجر والحيوان (النمل والجراد والقرَدة والبقر والحمير والبغال والطيور والضفادع ..) وأدوارها ووظائفها وحكمة خلقها والغاية من هذا الخلق الذي لم يكن -بكل تأكيد- خلقا اعتباطيا…. لهذا كان الكُتّاب مشتلا لاستنبات وتخريج الحفاظ من المحدثين والمفسرين والقراء، فتم للعرب والمسلمين الإبداع في ميادين الأدب واللغة: من شعر ونحو وبلاغة وقصة وفن وحلقة ورسائل سياسية، وألفوا المتون والمؤلفات العديدة وتناولوا شتى المجالات في استعصام موسوعي بالعديد من المعارف وبمختلف التخصصات كمثل الفرابي والفلكي البَتّاني والرازي وابن بصال، والفقيه ابن بري الرباطي والبيروني والغزالي، والمحدث البغدادي الذي جمع الدينيات واللغويات مع الطبيعيات. وغير هؤلاء العلماء والفقهاء كثر ممن أنجبتهم رحم الأرض العربية والإسلامية ببركة دروس الكُتاب الأولى.
وبناءً على هذه القوة المعنوية الهائلة تقصدت حركة المستعمر قبل الدخول بجيوشها العسكرية المادية، الاستعانة بفيالقها الفكرية لتسميم المقومات الفكرية للأمة العربية الاسلامية بما بثته من سموم حول هذه الكتاتيب ومن تعمد النبش والنهش في وظائفها لتصير-في المخيال الشعبي- مؤسسة متخلفة غير قادرة على استدرار وسائل وطرائق جديدة تواكب العصر وحاجات الأطفال النفسية والاجتماعية والتربوية، فشوهوا فقهاء الكتاتيب بأن صوروهم “وحوشا” يتلذذون بتعنيف الأطفال وإرهاقهم بما لا تطيقهم أعمارهم وقدراتهم العقلية والنفسية، متناسين أن فقيه الكُتاب أو المعلم كان –في الأصل- مربيا لا يفرق تلامذته: يصاحبونه ويخدمونه كما يخدمون آباءهم مقابل رعاية احتياجاتهم ومتطلباتهم، ناهيك بتمتيعهم بحنانه وعطفه وبفيض علمه ومعارفه.
وهكذا، وضمن هذا القلب المتسيب للحقائق ومحاولة تغييرها على أرض الواقع بقوة السياسة والاقتصاد، أحل الاستعمار مؤسسته الحديثة محل هذه البنية التربوية والتعليمية التقليدية، كما أحل لغته محل لغة القرآن مستقويا، لا بما تحوزه لغته من ثراء معجمي و قوة جمالية ولا حتى بما تستضمره من مقومات توليفية توليدية، بل بما فرضه من محددات ثقافية واقتصادية وسياسية، لعل أولها وأهمها خلق وظائف مهنية وسياسية لأصحاب هذه اللغات (فرنسية في الحالة المغاربية، وانجليزية أو إسبانية في مناطق أخرى من الوطن العربي ) حين صار بإمكانهم -من غير سواهم- الظفر بمناصب الدولة الوتيرة وبتسلق سلالم السياسة المتينة.
وإذاك أضحى من الطبيعي جدا أن ينهار وهج اللغة العربية في ممارسات الناس “الرِّزقية” (كاد الفقر أن يكون كفرا). فبدأوا يفرون فرادى وجماعات من القرآن ولغته وأهله، للّحاق بركب مدنية المستعمر وببريق مادته التي ينهبها جهارا نهارا (كمادة خام) ليعيد تشكيلها في قالب معونات تخفي وراءها منظومات معرفية ربوية قهرية ديدنها استعباد الناس واستدراجهم نحو رفع القداسة عن قيمهم ومثلهم ومقومات تعففهم وتمنعهم.
والغريب أنه وبعد أن استولت علينا مناهجهم ورؤاهم وطرائقهم في الدرس والتدريس، وبعدما اقتلعنا مؤسساتنا التقليدية من تربتنا ومن خصوصيتنا، وهرولنا نحو تغيير ماء سقيها وهواء استنشاقها وسماد استقدارها على النمو والتطور.. صرنا نحاسَب على عدم إثمارها وإيناعها، بل على بوارها وكسادها.. لكن نبتتنا تملك من القوة المعنوية ما يجعلها -رغم الداء والأعداء- تقاوم في وجدان الناس، لأن أصلها ثابت متجذر في عنان السماء.
2019-09-08