مشكلة الاستقراء
رشيد العيدي
27 يناير، 2019
بقلم : رشيد العيدي
يعرّف الدليل الاستقرائي عادة بأنه استدلال يعتمد على حالات خاصة قليلة لينتهي بالنتيجة الى حالة عامة، كما هو الحال في القانون الاستقرائي القائل (كل حديد يتمدد بالحرارة)، فلا شك انه ناتج عن اختبار عدد محدود من قطع الحديد بالحرارة.
والحقيقة ان الاستقراء لم تقتصر وظيفته على اثبات الحالة العامة. اذ لا شك ان له دوراً آخر في اثبات الحالة الفردية من خلال ملاحظة القرائن وتجميع الاحتمالات حتى يصل بها الى درجة الاثبات او اليقين.
فمثلاً كيف نعرف ان ذلك القدح مملوء بالماء لا الخمر، لولا عملية الاستقراء الكاشفة عن عدة قرائن احتمالية تتراكم لتصل الى مرحلة الجزم واليقين.
ومن الواضح ان هناك مشكلة اساسية في الاستقراء، ففي مثالنا الانف الذكر (كل حديد يتمدد بالحرارة) علمنا انه جاء نتيجة عدة اختبارات لقطع محدودة من الحديد، وبالتالي كيف جاز لنا ان نعمم النتيجة ونعتبر كل حديد يتمدد بالحرارة؟ وبعبارة اخرى: كيف نحكم بما هو شاهد على ما هو غائب؟ وكيف نحول ما هو خاص جزئي الى ما هو عام كلي؟ ومن ثم كيف نبرر عملية اليقين في التعميم، بل وكيف نبرر كذلك حالة اليقين في اثبات القضايا الفردية؟ وكيف يسوغ لنا ان نحول الاحتمال مهما بلغت قوته الى يقين جازم مطلق؟
وهكذا فان مشكلة الاستقراء في جوهرها هي مشكلة اليقين والتعميم.
واذا ما علمنا ان اغلب المعارف االبشرية هي معارف استقرائية، ادركنا قيمة الجهود التي تبذل لتفسير عملية الاستقراء. فتفسير هذه العملية هو في حد ذاته تفسير لأغلب المعارف التي يتزود بها الفكر البشري. من هنا جاءت دراسة (الاسس المنطقية للاستقراء) وهي تعبّر عن هذا المعنى.
فهي ليست مجرد تفسير للاستقراء بما هو استدلال فحسب، بل انها تمثل تفسيراً لاغلب معارف الفكر البشري، سواء كانت علمية او حسية او ميتافيزيقية او غير ذلك من المعارف الاخرى.
والمتتبع للمذاهب التي عالجت مشكلة الاستقراء، سيجد انها تفترق من الناحية الرئيسية الى موقفين متناقضين، أحدهما قديم يمتد الى ارسطو واتباعه من العقليين ومَن سار على شاكلتهم، والاخر حديث يبدأ من فيلسوف الشك التنويري ديفيد هيوم. فبينما كان المنطق العقلي يرى ان الاستقراء محلول أمره من أوله الى آخره دون ان يعي أي مشكلة يمكن ان يشار اليها بالبنان؛ جاء الفكر الحديث وهو يرى ان مشكلة التعميم واليقين مستعصية، مبدياً عدم تفاؤله بأي أمل لإنقاذ المعرفة البشرية من براثن الشكوك والظنون.
ووسط هذا الضباب، بين عدم الوعي بالمشكلة والوعي بها، وبين حل القضية والتعذر عن حلها، جاء دور الصدر الريادي ليدشّن طريقاً جديدة في المعرفة البشرية. لقد وقف الصدر موقفاً مزدوجاً تجاه كل من المنطق الارسطي والمنطق الحديث، فهو مع المنطق الارسطي أخذ ينعى عليه حلوله الساذجة، ويكشف عما فيها من دور ومسارات ليس الاستقراء بحاجة اليها.
أما موقفه مع المنطق الحديث، فهو وإن وافقه على وجود مشكلة منطقية في الاستقراء، لكنه اعتقد بالقدرة على تذليلها والقضاء عليها.
فهو يتفق مع المنطق الحديث ويعي ان البرهنة على قضايا التعميم واليقين في قضايا الاستقراء انما هو ضرب من المستحيل، لكنه مع ذلك سلك سبيلاً آخر لم يسبق له مثيل، حيث انه افترض اليقين في العملية الاستقرائية وقام بتبريره منطقياً.
*
من الناحية التاريخية ان أقدم المصادر التي تطلعنا على الاعتراف بوجود مشكلة في الاستقراء هي تلك التي تعود الى جابر بن حيان الكوفي خلال القرن الثاني للهجرة، حيث انه لا يرى ما يبرر اليقين في التنبؤ بالحوادث والتعميمات الاستقرائية، ويعتبر ان الدلالة عليها لا تزيد عن محض الاحتمال. فابتداءً يرى ان اضعف حالات الدليل هو ذلك الذي لا يعول الا على شاهد واحد، كمن يقول بأن إمرأة ما ستلد غلاماً وذلك اعتماداً على ما رآه انها قد ولدت قبل ذلك ولداً واحداً لا غير. في حين يعتبر ان أقوى حالات الاستدلال بالاستقراء هو ما كانت شواهد الوجود دالة عليه من غير مخالف، كمن يقول بأن ليلتنا هذه ستنكشف عن يوم يتبعها، استناداً الى ما رآه من اضطراد في تتابع الليل والنهار.
وبين هذه الحالة والحالة التي قبلها؛ هناك حالات اخرى تتفاوت قوة وضعفاً بحسب كثرة النظائر وقلتها.
وهو في جميع الاحوال لا يرى في هذه الحالات ما يفضي الى اليقين، بل فيها ظن وحسبان تبعاً لما يدرك من نظام وشبه ومماثلة (حتى انه لو حدث في يوم ما من السنة حادث لترجو حدوث مثل ذلك الحادث بعينه في ذلك اليوم من السنة الاخرى، فان حدث في ذلك اليوم بعينه من هذه السنة مثل ذلك الحادث تأكد عندهم ذلك ان سيحدث مثله في السنة الثالثة، وإن حدث في السنة الثالثة ايضاً، حتى اذا حدث ذلك مثلاً عشر مرار في عشر سنين لم يشكوا البتة في حدوثه في كل سنة).
ويزداد الوقع في النفس فيما لو زاد العدد، فكيف اذا ما كان الاضطراد على وتيرة واحدة من الحدوث؟! وقد اعتبر جابر ان هذا الحال اوهم بعض رجال العلم مثل جالينوس، فمع تمكنه من العلم وتدربه في النظر فانه حسِب مثل تلك الحالات المضطردة عقلية أولية، فقال في كتابه البرهان: (ان من المقدمات الأولية في العقل انه اذا كان الصيف يتبعه الخريف لا محالة، فانه لم يكن الا بعد خروج الربيع).
وهذا ما أنكره جابر، ذلك انه لا يُؤمّن ان يحدث هناك صيف لا يعقبه خريف ولم يتقدمه ربيع. وهو على العموم يرى ان علة عدم قدرتنا على التيقن من الحوادث المستقبلية جاء لسبب عدم احاطتنا بادراك جميع الموجودات .
لكن يظل ان الفضل في الكشف عن طبيعة المشكل المنطقي الذي يتضمنه الدليل الاستقرائي؛ يعود الى الفيلسوف الانجليزي ديفيد هيوم (1711ـ1776) المعروف بنقده للمعرفة ورده على النزعة العقلية.
فهو في مواقفه النقدية أثار مشاكل جديدة كان لها الاثر البالغ على نضج التفكير الفلسفي لدى الذين خلفوه؛ سواء من التجريبيين كالوضعية المنطقية، او من العقليين كالفيلسوف عمانوئيل كانت الذي قال صراحة: (انني لاعترف صادقاً ان ما استذكرته من تعليم ديفيد هيوم كان هو على وجه التحديد العامل الذي أحدث – منذ اعوام كثيرة – اول هزة ايقظتني من سبات جمودي الاعتقادي، ووجّه أبحاثي في مجال الفلسفة
2019-01-27