الأستاذ بويه ماءالعينين يكتب: الصوفي الذي…
د. بويه ماءالعينين
ساعتين مضت
بقلم / الأستاذ بويه ماءالعينين
نحن في زمنين يعيشان في غرفة تواصلية واحدة: ذكاء اصطناعي يحلق بعالم الروبوت في مجالات الطب والصناعة، وطقوس كهنوتية جنائزية تعود بنا إلى ما قبل الأديان؛ وكأننا نقول: ماذا لو كنا في عالم بدون تكنولوجيا حتى لا نعيش هذا الانفصال والتصادم، ونظل في عالم سقفه العصبية والخروج في موكب الذبائح، والرقص إنشاداً حتى الإغماء…
في محور الأعداد الحقيقية هناك حالتان للانهائية؛ كفارسين وُثِقا بحبل طويل يتماديان في التنافر، بينهما برزخ لا يلتقيان، لكن يجمعهما مستقيم واحد وعالم حقيقي واحد. هكذا يبدو لي مشهد من يعيش في عالم المادة والتكنولوجيا وفرط التمدن، ومن يجري وراء كاهن، أو يدفن نفسه في حفرة ماء متعفن طلباً للبركة.
فتحت مواقع التواصل نوافذها لكل شاردة، وبات الكل يتابع: صوفي زاهد على يخت فاره، مسن عجوز ينحني فيقبل قدم شاب يافع، ضريح مطرز يجوب الشوارع، شيخ يلتحف بخيط بالكاد يستر شيئاً من عورته يتبعه الناس يقيناً بقدسيته… شابان يتناحران وشعباهما على وراثة قدسية الأب، تعج ساحة الوغى بكلام فاحش وقذف وصياح لا علاقة له بالأخلاق، فكيف بالإحسان؟!
عجوز تطلب حقها من ذبيحة الولي الطاهر، و تشكو أخاها حين يأخذ العجل، و يترك باقي الحفدة يتحسرون على أموال جاءت إلى قبر الولي الصالح قربانا وثنيا……مظاهر من طرقية لا علاقة لها بالتصوف المعرف بالاحسان و تمام الأخلاق.
تلحق هذه الظواهر السلبية ظلماً بالتصوف، مع غياب تام لمظاهره السامية، لأن سمو النفس لا يكون إلا بسمو العقل، ولا يمكن للجهل في ممارساته أن يكون مصاحباً لحالة الصحو النفسي. ولعل آيات التدبر والتفكر والعلم، التي ملأت آيات الذكر الحكيم، لم تأتِ عبثاً، كما لم يأتِ ذم الرهبانية أو شرك القرابين وعبادة الأشخاص والأصنام عبثاً… ما نراه اليوم من سلوكيات طرقية يعكس جهلاً مذموماً ومنكراً في عصر بلغ فيه الإنسان مراتب في العلم والتطور والتكنولوجيا، ينافي ما يركض وراءه كثير من العوام وتباركه -للأسف- جهات يُفترض فيها أن تؤطر وتصون حياة الفرد من هذه الشوائب المجتمعية.
2026-08-18