شاطئ مولاي بوسلهام…التاريخ والذكريات والرجال والاماكن على موقع الرباط الرباط نيوز [مي فاطمة ..حارسة باب الضريح ..و شاهدة على نصف قرن من الوفاء ..]
هيئة التحرير
ساعة واحدة مضت
شاطئ مولاي بوسلهام…التاريخ والذكريات والرجال والاماكن على موقع الرباط نيوز .
سلسلة يومية ورحلة صيفية تقدمها جريدة الرباط نيوز بشكل حصري شهر غشت .. اعترافا بشاطئ مولاي بوسلهام باقليم القنيطرة وواحد من أجمل شاطئ المملكة …
هي رحلة مع الاستاذ الباحث سلام بنية نستحضر فيها تاريخ مولاي بوسلهام .. وأماكنه…و ذاكرته … و رجالاته .. و حكاياته .. وفضاءات شاطئه .. و ما ارتبط به من ذكريات وأحداث لا تزال راسخة في الوجدان حتى الآن…
#فرصة جميلة لإحياء الذاكرة الجماعية .. و إبراز جانب من تاريخ هذه المنطقة الغرباوية ..

مي فاطمة ..حارسة باب الضريح ..و شاهدة على نصف قرن من الوفاء ..
كتب/ الاستاذ سلام بنية
ليست كل الشخصيات التي تصنع التاريخ تحمل الألقاب أو تتصدر المجالس ، فهناك رجال و نساء يكتبون أسماءهم في ذاكرة الأمكنة بصمتهم ، ووبما قدموه من صبر و إخلاص و تفان . و من بين هذه الوجوه الطيبة التي ارتبط اسمها بضريح مولاي بوسلهام .. تبرز السيدة الفاضلة مي فاطنة ، التي أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من هوية المكان ، حتى بات من الصعب أن يُذكر الضريح دون أن تُذكر هي ..
استوطنت مي فاطنة ضريح مولاي بوسلهام منذ سنوات بعيدة ، رفقة زوجها الفقيه الجليل ، سيدي بوسلهام .. الذي كان يؤدي رسالته في خدمة الضريح و زواره بكل إخلاص . غير أن الأقدار شاءت أن يرحل الزوج إلى جوار ربه ، تاركًا وراءه زوجةً صابرةً و مجموعةً من الأطفال الصغار ، في مرحلة كانوا أحوج ما يكونون فيها إلى سند الأب و رعايته .
لكن مي فاطمة لم تستسلم لقسوة الظروف ، و لم تجعل اليأس يتسلل إلى قلبها . بل واجهت الحياة بعزيمة المرأة المغربية الأصيلة ، التي تؤمن بأن الكرامة تُصان بالعمل الشريف مهما كان بسيطًا . فاتخذت من باب الضريح مجلسًا لها ، تبيع بعض الحاجيات البسيطة التي يحتاجها الزوار ، كالحناء ، و الشموع ، و البخور ، و غيرها من المستلزمات التقليدية .
قد تبدو تلك الأشياء زهيدة في نظر البعض ، لكنها كانت بالنسبة إليها مصدر رزق كريم ، استطاعت من خلاله أن تربي أبناءها ، و تسهر على تعليمهم و تنشئتهم ، حتى كبروا ، و اشتد عودهم ، و شق كل واحد منهم طريقه في الحياة ، و تزوجوا ، و أسّسوا أسرهم . و كان وراء ذلك كله كفاح أمّ لم تعرف سوى الصبر ، و لم تتخلَّ يومًا عن مسؤوليتها .
ومضت الأعوام ، و تعاقبت الأجيال ، و تغيرت معالم كثيرة في مولاي بوسلهام ، غير أن مي فاطنة بقيت في مكانها ، ملازمةً لباب الضريح ، تستقبل المارين بابتسامتها الهادئة ، و تودع الزائرين بطيبة قلبها . و حتى بعد إغلاق الضريح لسنوات طويلة ، لم تغادر مكانهاو، و كأنها كانت تحرس ذاكرة المكان أكثر مما تحرس بابه .
لقد تجاوزت علاقتها بالضريح حدود المكان ، فأصبحت إحدى علاماته الإنسانية ، و شاهدةً على مراحل عديدة من تاريخه ، تحفظ في ذاكرتها أسماء الزوار ، و حكايات الناس ، و تحولات الزمن ، حتى غدت جزءًا لا يتجزأ من هذا المعلم الروحي الذي عرفه أهل المنطقة و زواره .
إن الحديث عن مي فاطنة ليس حديثًا عن بائعة حناء أو شموع ، بل هو حديث عن امرأة جسدت معاني الصبر ، و الكفاح ، و القناعة ، و الوفاء . امرأة صنعت من البساطة قصة نجاح ، و من المعاناة مدرسةً في الصمود ، و من ملازمة باب الضريح رسالةً عنوانها الوفاء للمكان و لذكرياته .
حفظ مي فاطنة ، التي ستظل في ذاكرة أبناء مولاي بوسلهام رمزًا من رموز الأصالة ، و وجهًا من الوجوه التي تستحق أن تُروى سيرتها بكل تقدير و احترام ، لأنها لم تكن مجرد امرأة تعيش بجوار الضريح ، بل كانت صفحةً مضيئةً من صفحات تاريخه الإنساني ..!
2026-08-14