أوراق رحلة بين ضفتي المتوسط والعيون للكاتبة ماجدة غرابو [ مواطنة بلا هوية وبلا وطن]
ماجدة غرابو
28 يوليو، 2025
كتب –ماجدة غرابو
أصبحت بلا هوية وبلا وطن، وسط مدينة مدريد، فمن يعرفني هنا؟ ومن أعرف؟ لا أحد البتة، وأنا في تلك اللحظات الخانقة وأنا جد حانقة أنتظر..وأنتظر بدون جدوى، تائهة ومغتربة وجائعة، مع أنني أحمل في حقيبة على ظهري كل مايمكنني أن أحتاجه للطوارئ من أكل وشرب، إلا أنه الخوف والغضب والحنق حالوا دون تفكيري في الحلول الممكنة.
نزلت السلالم المتحركة دون تفكير مني، بعد أن أشارا لي الحارسان الإسبانيان بوجود صبيب الانترنيت في الأسفل، أسير نحو المجهول، وأعرف أن من سيأتي لتفقدي لن يجدني فوق ولا يمكنه مكالمتي، فقد تعبت من الانتظار بعد أن دمعت عيناي، فقد أحسست بالضياع كالطفل الصغير. وبمجرد نزولي تراءت لي مقهى في الأسفل، شبهت المكان بما نسميه في مدينة الدار البيضاء بالكرة الأرضية؛ وهو الممر الموجود أسفل الأرض، قريبا من فندق “حياة ريجينسي”؛ وهو من أقدم الفنادق الشهيرة بالمدينة. لأحس بفرحة كبيرة حين تراءت لي فتاة شابة تغطي رأسها، وسط أغلبية تلبس لباسا خفيفا بفعل الحرارة الشديدة في شهر حزيران.
هرولت نحو الفتاة الشابة الصغيرة، فالأكيد أنها مسلمة، وكأنني التقيت أختي ساعتها في إسبانيا، بادرتها بإلقاء تحية السلام، فردته علي، فعرفت أنها ليست مسلمة أوعربية فقط بل هي مغربية وبنت بلادي، فرحت وذهب عني خوفي في لحظة وقلقي، فقد أصبحت ذات هوية مألوفة لديها وذات وطن، فطلبت منها مكالمة الشخص الذي كان من المفروض أن أجده في انتظاري، فلم ترد لي طلبي، ومباشرة فعلت ذلك دون تردد وأخبرته أنني في ذاك المكان، فبقيت بجانبي تنتظر، إلا أنني شكرتها وأخبرتها أنني سأذهب للمقهى لأفطر، فأنا أرجف ولم أعد أقوى على الصبر أكثر، لأفاجأ بها أمامي مرة أخرى بعد أن افترقنا، توضح لي أنني يمكن ان أقتني قنينة الماء بثمن أرخص بطريقة أوتوماتيكية أفضل من ثمن المقهى، جذبتني من يدي وحاولنا عدة مرات لكن لم تنجع تلك العملية، مع أنني أقوم بها مرارا في المغرب، شكرتها مرة أخرى وقد رأيتها تتبّعني وكأنني طفلتها الصغيرة، ياه..راحة كبيرة أحسست بها، وحمدت الله كثيرا على زينا الإسلامي؛ الذي يميزنا نحن النساء عن باقي أديان العالم، التي لا يمكن أن تميز دين أصحابها من أي لباس، فقد كان الزي هو المفتاح للتعارف فيما بيننا.
جاء أخيرا الشخص الذي تفقدني حاملا كتابي: “البورناوت”، لأتمكن من التعرف عليه بسهولة، فوجدني جالسة في المقهى أتناول فطوري، بعد أن طلبت ما أريد بطريقة ما! مع جهلي للغة الإسبانية، وبعد أن تحدثنا برهة من الزمن. رن هاتفه النقال، وسمعته يقول مبتسما: “أنا معها الآن، اطمئني، إنها تجلس معي وهي على ما يرام وبخير”. وللأسف ظننت أن واحدة تشتغل معه هي من تسأله عني، فلم أمسك بهاتفه لأشكرها، فلم أفهم أنها الفتاة المحجبة خديجة التي التقيتها؛ هي من تسأله عني، وعاودت الاتصال به من أجلي لتطمئن عني، وهل التقاني أم لا زال بعد؟ لترى ما ستفعله من أجلي. آآآه على المغاربة أينما حلوا وارتحلوا. لم تعرف هذه الفتاة المغربية الطيبة؛ التأثير الذي تركته في قلبي، وأنا ضائعة وتائهة ومغتربة في إسبانيا بلا هوية ولا وطن.
وقبل النهاية
زدك فخرا أنك مع مول الخير وأنك صحراوي وأنك مغربي.
2025-07-28