قصص من دوامة الاماني للأديبة والكاتبة المصرية سناء شمس الدين[أماني الفراشة الحائرة]
هيئة التحرير
يوم واحد مضت
كتب / الاستاذة سناء شمس الدين
يتباهى هذا الكائن النوراني البديع بأجنحته التي خطتها يد فنان رباني، في مهرجان من الألوان التي تسر الناظرين وتسعد قلوب المحبين تنطلق محلقة في رشاقة لاعبي الباليه، بتوازن وتناسق عجيبين؛ لا تفارق الابتسامة الوضاءة ثغرها الدقيق المحب للصمت، ولا ينطق إلا بتغريد عذب يحسه المغرمون بعشقها.
كان البرد قارصاً ومؤلماً في ردهات الضجيج، والأكثر إيلاماً هو الانتظار المر. كان الأنيس الروحي دائم الاتصال بها ليطمئن عليها، ويخفف عنها بكلماته الطيبة التي تطبطب على روحها الهائمة
لبت نداءً آتياً من عبير الزهور، هبطت في ثقة وأمان تشرب من رحيقها، ثم انطلقت محلقة في سماوات من النشوة. وحين حضر الطائر المعدني العملاق اندفعت نحوه وهي تهلل بالتكبير، وحلق بها لأعلى.. رأت من نافذة حلمها الوردي آخر معالم مدينتها البعيدة، والسحب التي تشبه أمواجاً من القطن الأبيض، فجرت في مسامها قشعريرة لذيذة؛ لقد بدأت “رحلة النسيان”.
قال لها مجاورها في الطائرة بلطف وحياء
“كل حقائبك عليها صور الفراشات الجميلة.”
قالت: “أنا أيضاً فراشة . ” ولمست بيدها قلادة تتدلى على صدرها مرسوماً عليها فراشة ملونة.
قدم لها قطعة من الشكولاتة، فقالت في سعادة ممتنة:
“كيف عرفت أنني مجنونة بحبها؟ هي بالنسبة لي مثل عسل الزهور.”
قال مجاورها: “الفراشة لا تعيش طوال عمرها القصير إلا مع ذكر واحد، ولا يفترقان إلا عندما يفنى أحدهما.” ردت بنبرة أسي: “لقد اختفى..”
وحدثت نفسها بصوت واهن: “اختفى وتركني أصارع وحدي ظنون الحيرة والقلق.. ترك خلفه جراحاً لا تلتئم، وجربت معه ألم الخذلان والهجر المر.”
حملت أماني جراحها وحدها ولم تبحث عن البديل. كان ” يعقوب” يراقبها عن بعد في خبث، يتلذذ بوفائها العجيب في برود وجبروت، وهي
تعاني لهيب الاشتياق مرت الفصول ثقيلة، حتى حزمت حقائبها وقررت الرحيل وترك شجرتها العتيقة.
عدلت من وشاحها الأبيض المطرز بفراشة كبيرة، وشعرت بأن الصخرة الجاثمة على صدرها بدأت تذوب غفت عيناها، ورأت في منامها أنها تطير في بستان من الزهور البيضاء والسوداء الوديعة التي تهلل بقدومها.
أيقظها صوت المضيفة: “أربطوا أحزمة الأمان.. نحن على وشك الهبوط.” أخرجت من حقيبتها صورة لـ “يعقوب” استعداداً لحرقها في طقس تطهيري بالأرض المقدسة، لتمحو ذاكرة الماضي وتستقبل حياة أخرى.
قال رفيق الرحلة: “لقد انتصرت عليه.”
قالت: “لا أتمنى الانتصار على أحد، الانتصار الحقيقي ألا نؤذي مشاعر من نحب، وخير علاج الآن هو الصمت.”
قال ناصحاً: “لا تفقدي الثقة في رحمة الله.. دعي قلبك يتنفس بحرية.”
قالت: “دعنا نرى.”
سافرت کی تغتسل من همومها، ورأت البيت العتيق.. بكت وبكت ونادت ربها. أتاها صوت “السديسي” و”المعيقلي” يطمئنها: “ألا تخ
2026-08-01