حكاية انعتاق طالبة أستاذة من الجنون للكاتبة ماجدة غرابو [ إخفاقاتي… اختباراتي… نجاحاتي… وانعتاقي.]
ماجدة غرابو
29 مايو، 2025
الرباط نيوز
إن كتاب: “البورناوت” Burn- Out انعتاق طالبة أستاذة من الجنون؛ هو صرخة بصيغة نون النسوة؛ لانطلاق طائر الفينق وإحيائه من جديد، والانبعاث من الرماد للانطلاق بكل قوة وحرية..
ماجدة غرابو
لم أفكر يوما أن أكتب سيرة ذاتية، فحياتي ليست بثراء حياة نوال السعداوي أو مغامرات كازانوفا أو صدمة وقسوة حياة شكري! فما أنا إلا أستاذة أو معلمة بسيطة عاشت حياتها بكل هدوء وهي تحادي الجدران، تحلم بغد أفضل لأبنائها وأسرتها الصغيرة. وما هذه السيرة الذاتية إلا صرخة نملة/ أستاذة في هذا المجتمع بصوت جميع ممتهني مهنة التدريس؛ الذين احترقوا مهنيا دون أن يفهموا ما أصابهم ودون أن يجدوا من يشد بأيديهم وعلى. عضدهم لينعتقوا من مصابهم، فمنهم من ظل قابعا في قسمه شبه ميت وكأنه جذع شجرة خاو محترق إلى أن تقاعد، ومنهم من انتهى به الأمر كالمجذوب في الحواري والشوارع أو البراري، ومنهم من انتهى به الأمر في مستشفى المجاذيب أو المجانين ومنهم من انتحر منهيا عذابه وصراعه مع الواقع رغم إيمانه الشديد ووثوقه بالله أكثر من أشد الواثقين به سبحانه. فدافعي الأول لكتابة سيرتي الذاتية هو إصابتي بمرضي الذي أتقدم له بجزيل الشكر؛ وممتمنة له أيما امتنان لإصابتي به، فهو كان دافعي للخلاص إما منه أو من الحياة، وصدفة كنت من المحظوظين لوجود أشخاص رائعين بحياتي وجدتهم حولي كما الخبيثين لدفعي بقوة وللتحدي لأظل بهذه الحياة وهذه الدنيا لأتقاسم معناتي بمرض “الاحتراق المهني” المشخص بمرض القلق الذي أثار اهتماما خاصا لدى أحد أعلام الحرية الوجودية كيير كيغارد (Kier Kegard) من حيث هو دافع إلى الإنجاز والإبداع، ويراه كيير كيغارد -أي القلق الخلقي- على أنه موجود منذ عصيان آدم عليه السلام ربه. ولكنه لا يتضح لدى الفرد إلا بعد ارتكابه إثما يعترف به أو يكون منبعا للإبداع، وبأن قوة النفس تنبثق من نجاح الفرد في مواجهة الخبرات التي تثير القلق، فالقلق سبيل إلى نضج النفس الإنسانية وتفتحها عن طبيعتها العميقة الخلاقة، ولكنه يقود إلى الانسحاب أحيانا بدلا من الخلق والإبداع، ويمكن أن يتطور إلى عصاب شديد الأثر.
فانبثقت أولى بوادر هذا الانعتاق والخلاص والخلق حين فكرت في أن أتابع دراستي الجامعية بشعبة السوسيولوجيا وأن ألقى أساتذتي الأجلاء الذين أتوجه إليهم بكل الامتنان والاحترام والتقدير، فلم يبخل أساتذتي علي في شعبة الفلسفة ومسلك السوسيولوجيا على إمدادي بالطاقة اللازمة لأواصل دراستي وبكل التشجيع لأطور من عطائي وكتاباتي، فكانت الدراسة بالنسبة لي شفاء وبلسما، وكانت الكتابة تحررا من أسر الذات وميلادا منبثقا من الرماد والاحتراق وأسر المرض ومن ضروب الجنون من زاوية النظر المغربية…
إخفاقاتي… اختباراتي… نجاحاتي… وانعتاقي…
خلال فترة دراستنا عنده مادة الديموغرافيا قالت لي إحدى الطالبات، إنني أحيانا أكون متكاسلة وأنهض متثاقلة للذهاب للكلية لكن بمجرد تذكري أن الحصة عند الأستاذ جيدة أقفز من فراشي منطلقة بكل حيوية ونشاط خجلة من تكاسلي الغير مبرر، وأنا بكامل قواي الجسدية والعقلية أمام دكتور بحجمه لم تثنه الإعاقة عن أداء دوره أو التأخر يوما عن أية حصة.
هو جد متعاطف مع الطلبة، له ذاكرة قوية جدا إلى درجة أنه قد يتذكر عدد حصص غياب بعض الطلبة عن محاضراته، فمرة لاحظ غيابي لحصتين. يؤكد علينا كطلبة أن كل من حضر في اختبار مادته واكتفى بكتابة اسمه فقط ولم يكتب أي حرف في ورقة التحرير فهذا يخول له الحصول على نقطة تعطيه الفرصة الثانية لاجتياز اختبار مادة الديموغرافيا في الدورة الاستدراكية، لأنه قد تحدث ظروف لا تمكن الطالب من التحضير والاستعداد لاجتياز الاختبار، وهكذا فهو يفرق بين الطالب الذي على الأقل حضر خلال الامتحان وتكلف عناء الحضور عن ذاك الذي لم يحضر أصلا وتغيب عن الاختبارات، ويكافئه بنقطة تفضيلية لا تقل عن ثلاث نقط، وهي النقطة المخولة للاستفادة من الدورة الاستدراكية.
ما أسرده عن هؤلاء الأساتذة ليس فيه نوع من الرياء أو المحاباة أو المغالاة أو النظرة إليهم بملائكية، لكن هو نقل حقيقي لحياة طلابية عشتها بكل ما فيها من حقائق ومن متعة وتعب وإرهاق أثناء التحضير للاختبارات، وفي قطع المسافات الطوال ذهابا وأفولا من طنجة إلى مرتيل. وحتى الغضب أحيانا وذلك حين هاجمتني إحدى الطالبات يوما وجعلتني أرتجف من شدة الحنق، وأنا أقوم بطبع بعض الدروس منتظرة دوري حين رمقت في أوراقي شعبة “علم الاجتماع” وبدون سابق إنذار، ولا أعرف لما خاطبتني بعصبية قائلة: «ألم يرق لك دراسة علم الاجتماع حتى بلوغك هاته السن؟؟؟» وأردفت مخاطبة الفتاة التي تعمل بالمطبعة المتواجدة داخل الجامعة: «فلتنصرف من هنا ولتطبع خارج الكلية»، لم أستوعب أول الأمر أنها توجه لي الخطاب! حتى سمعت الفتاة التي تطبع، تعتذر لي وتحاول تهدئتها، فاستغربت جدا من تصرفها هذا، لأنها هي أيضا ليست بسن الطلبة الصغار بل ربما هي تقاربني سنا، تساءلت «لماذا خاطبتني بذلك الشكل؟ هل تعرفني؟ هل هناك من يهينها بشدة وبقسوة عن دراستها الجامعية في سنها ذاك، فعملت الإسقاط علي حين لاحظت أن من تقف بجانبها تقاربها سنها؟ هل سلطها أحد علي وتريد أن تثنيني عن دراستي؟ وأرادت أن تبعدني وتكرهني في ملاذي الأوحد الذي وجدت أخيرا!!؟».
لم أفهم ذاك اليوم البئيس ما وقع! كل ما أذكره أن الفتاة بالمطبعة ضحكت كثيرا، وحكت للفتاة التي تشتغل بمقهى الكلية أو ما يسمى بالمقصف الذي هو فضاء راحة والتقاء للطلبة، لتخاطبني غاضبة «لما لم تثوري على حقك؟ واستطردت: لو كنت حضرت للواقعة لأخذت بقصاصك منها! لقد وجدتك جد طيبة!!». فكيف لي أن أصعد الموقف وأنا بالكلية وأمام الطلبة؟ كيف سأنزل إلى مستوى الشجار والخصام والتوثر وأنا داخل الحرم الجامعي؟ وهنا استحضرت أنني أستاذة ولست طالبة مع أني ألغي الدنيا وأنا بالحرم الجامعي، ألغي مهنتي وألغي وضعي الاجتماعي، وألغي رزانتي وألغي سني وألغي كل الكوادر التي وضعت فيها ووجدت نفسي بداخلها.
فالحرم الجامعي هو ملاذي وراحتي النفسية واستمتاعي بما أدرس، وهو فرصة ضحكي مع الطالبات وجلوسي معهن على العشب وارتشاف القهوة جماعة بمقصف الكلية الذي ينقصه الكثير من التنظيم والنظافة، لكنها تبقى قهوتي اللذيذة والحلوة رغم مرارتها بدون سكر لكنني أستمتع بها وأتلذذ برشفها أيما تلذذ. بالإضافة إلى ممارسة كل ما يحلو لي من حياة الطلبة. مع تطبيقي لحلول اكتشفتها خلال مرضي ولحاجتي الملحة إليها، كالاسترخاء لمدة طويلة دون أن أفعل أي شيء فقط أتأمل في لا شيء، أو سماعي لموسيقى هادئة قبل النوم بدون كلمات اكتشفتها عبر الأنترنيت تساعد على الاسترخاء والنوم الذي يجافي عيناي، وأحيانا أعطر وسادتي قبل النوم بعطر أحبه أو آخذ حماما والماء ينساب فوق رأسي لمدة ليست بالقصيرة دون حركة فينهمر خلالها الماء على جسدي لأرتاح، وأحيانا أقوم بهذا حتى قبل ذهابي للجامعة لتأتي مثل هاته الطالبة لتعكر مزاجي! لكني توصلت ذاك اليوم إلى أن هناك من يعانون أكثر مني على شاكلتها!
أما من أشبهه بالقطار في استقامته سواء فيزيولوجيا أو حتى في طريقة تدريسه، فهو لا ينحرف شمالا ولا يمينا ولا يمكن لحصته أن يشوبها أي نوع من المفاجآت أو المشادات مع الطلبة أو أي توثر أو انفعالا إلا لماما، فأول محاضرة عنده تشبه آخر محاضرة، حصصه إلقائية بامتياز، إنه ” الدكتور الشرايمي محمد” والذي ندرس عنده أيضا مدة الثلاث سنوات وحتى حصولنا على الإجازة.لا يمكن للطلبة أن يقوموا عنده بأي مداخلة إلا في آخر الحصة حين يقول لنا: هل هناك من تساؤل؟ يستعمل السبورة بشكل كبير في كل حصة أكثر من باقي الأساتذة الآخرين، وهذا كثيرا ما يساعدنا على كتابة أسماء الباحثين والعلماء بكامل الدقة على خلاف المواد الأخرى التي تجد كل طالب وقد كتب اسم عالم على سجيته وحسب ما أملته عليه أذنيه. خطه صغير جدا لا يكاد يرى خصوصا لمن لم يتمكن من الجلوس في الصفوف الأمامية، صوته ليس بالمرتفع وليس قويا لكنه يكرر كلامه عدة مرات من خلال الكتابة على السبورة أو الشرح مما يمكننا من الفهم بسهولة، فهو لا يستعمل مكبر الصوت فمن النادر أن يجلس أثناء إلقاء محاضراته، نكتب عنده كثيرا. يبدأ حصته بالتذكير لما درسه في الحصة السابقة، حصصه كلها مستنسخة ومنظمة لا استثناء فيها، لا كلمة في غير الدرس كأنه روبوت (Un robot)، لا يتكلم لنا عن أي شيء خارج المحاضرة، حتى الاختبارات لا يتكلم لنا عنها كباقي الأساتذة حين يحل وقتها، أسئلته مركبة ومطولة أيضا، تعجبني كثيرا فهي لا تعتمد على الحفظ نهائيا كجلّ أسئلة الأساتذة الآخرين بشعبة السوسيولوجيا.
يبدأ أول محاضرة كآخر محاضرة له، حين يشاغب أحد الطلبة أحيانا أو إذا عم الضجيج بالمدرج فهو يلتزم الصمت حتى يعم الهدوء من جديد، فيكمل إلقاء محاضراته دون أن ينبس بأية كلمة للطلبة، لا منزعجا ولا غاضبا ولا مزمجرا ولا معاتبا أو لائما، فلا يبدو على محياه أي انفعال! وإذا فاقت الفوضى حدها عما كانت عليه في الأول فإنه يحمل أغراضه ويخرج دون أن ينطق بأدنى كلمة كعادته.
استغرب لهدوء بعض ممتهني التدريس وتحكمهم في انفعالاتهم وأغبطهم عليه، وعلى قدرتهم الفريدة على ضبط أعصابهم وكبح جماحها! استغرب كيف يستطيعون ذلك؟ أم السبب أنهم أساتذة جامعيون؟ كيف لبعضهم أن يتسم بكل هذا الهدوء؟ بعد سنين طوال من العطاء في هذه المهنة؟
بمجرد دخولي أول حصة عند الأستاذ الشرايمي استشفيت من سحنته أنه صحراوي رغم عدم وضوح ذلك على ملامحه الدقيقة وعلى لون بشرته ولون عينيه الغير الداكن، على خلاف سحنة أغلب أهل الصحراء الذين يمتازون بملامح بارزة وواضحة ولون أدكن، فربما هي دماؤه المختلطة بغير أهل الصحراء. أم هو أحد أجداده الذي تمرد على بنات الوسط الصحراوي واستقدم إليه وفرض إحدى الشقراوات على هذا الوسط الرملي، فكان هذا هو سر اختلاط دمائه؟ أم ترى هذا التمرد له صاحبة وليس صاحب؟، أم هي إحدى بنات الصحراء التي تمردت فقذفت بلحافها الأسود وانتفضت وفكت ضفائرها وأزالت حناءها وفتتها عن يديها وعن أناملها، واختارت وربما أحبت فقبلت الزواج بأبيض السحنة أو أشقر، فاختلطت دماؤه رغم تأصل سحنته الصحراوية وعمقها وتجذرها الواضح عليه والمتجلية في أغلب كتاباته الصحراوية ومنها كتابه الغني بأدق التفاصيل عن المدن الصحراوية “المدن الصحراوية: النشأة والتطور” ، وهذه الطبعة الصحراوية متجلية عليه أكدتها لي كتاباته العديدة حول الأقاليم الصحراوية فيما بعد. فحين أردت اقتناء بعض كتبه من كشك خارج بناية الكلية كلفتني ثمنا أقل مما هو مكتوب على ظهر الكتاب وهو ثمن خاص بالطلبة من أجل تخفيف الأعباء الدراسية عليهم. ينصح به كأستاذ مشرف على بحوث الإجازة من طرف الطلبة،فهو من يلقننا المبادئ الستة عشر لدراسة أي ظاهرة اجتماعية في مادة “المناهج الكمية” كما يدرسنا غيرها من المواد.كم تمنيت لو كانت البحوث مجزأة بشكل من الأشكال حتى يشرف على كل جزء من بحثي كل هؤلاء الدكاترة الأجلاء الذين يدرسونني حتى أستفيد من خبراتهم العلمية ومن إبداعاتهم الفكرية. فالعروض التي حضرتها في حصص الأستاذ الشريمي والتي قام بها مجموعة من الطلبة يطبعها الشكل الاحترافي، فهو يطالب بالبحث الميداني الموثق بالإضافة إلى البحث النظري، فتكون عنده العروض شبيهة بالفيلم الوثائقي الذي يجمع ما بين النظري وما قام بتصويره الطلبة أثناء بحثهم الميداني، وهذا الأستاذ أيضا يساعد الطلبة على تهييء الاستمارات ويدربهم عليها، فتكون العروض التي يقوم بها الطلبة في محاور مادته جد متميزة.
يمتاز بهذا الهدوء أيضا الأستاذ الزكريتي ويضيف عليه ابتسامة هادئة تحسسنا بالطمأنينة في التعامل معه! كان يكرر لنا منذ الفصل الثالث أننا طلبته المتميزون جدا وأننا نمتاز بالاجتهاد والعطاء، ويرانا على أننا أفضل فوج درسه خلال عمله بالجامعة، ويختم كلامه الجميل بأنه فخور جدا بنا…! وأننا أهل للنقاش والحوار. كنت أفرح جدا بكلامه وأكيد أنه شعور باقي الزملاء، وأحس بكثير من الفخر، وأتعجب من نفسي لذلك! فكيف لهذا الثناء من أستاذنا ليشعرني بالزهو والفخر والفرح؟ أنا الأستاذة أيضا والتي تتعامل بنفس المنطق مع تلامذتها، فكيف لهذا التشجيع أن يحسسني بكل هذا الفخر والرضى عن نفسي؟ خصوصا وأنني أنجح كل فصل بنقطة أعلى من سابقتها ودوما ما أحصل على امتياز، ولمرتين متتاليتين حصلت على ثاني نقطة في مجموعتنا بشعبة علم الاجتماع مع أن التنافس بيننا على أشده.
كيف لهذا الرضى كله عن النفس أن يعود لي من جديد داخل الحرم الجامعي وقد افتقدته في حياتي من قبل أن تطأ قدمي الجامعة؟ كيف لهذا التعليم الذي يمارس علي أن يعيد لي الثقة بنفسي وأن يحسسني بالسعادة؟ فهو التعليم نفسه -الذي أمارسه- والذي هربت منه وأصبح امتهانه يعذبني ويبكيني ويفقدني صحتي ويفقدني السيطرة على أعصابي؟ هل هو منطق “داويها بالتي هي الداء”!؟
حين أعدت اختبار مادة “أسس علم الاجتماع” في الفصل الأول، نتيجة النقطة/ العقاب الذي عاقبنا إياه الأستاذ بوطالب والذي مرده خطئي في الفوج الذي أنتمي إليه! وبعد مرور مدة على اختبار الدور الاستدراكية، أخبرني الطلبة أنه يمكننا الحصول على النقطة من طرف أي أستاذ مباشرة قبل إعلان النتائج على موقع الكلية، لأن إعلانها يأخذ مدة طويلة أكثر من الوقت الذي تعلن فيه نتائج الدورة العادية. فتوجهت بعد انتهاء المحاضرة عند الأستاذ الزكريتي وطلبت منه إخباري بالنقطة التي حصلت عليها في مادته، وكنت برفقة مجموعة من الطلبة، فابتسم كعادته وحكى لهم ما وقع لي ضاحكا ثم قال لي: «إني نسيت بالضبط كم هي النقطة التي حصلت عليها، وليس معي الآن لائحة النقط» وأضاف: «لكنني أتذكر أنها نقطة جيدة!»، ورغم جوابه هذا لي ألححت عليه في طلبي بأن يحدد لي نقطتي بالضبط! وبعد أن لاحظ إلحاحي، استغرب فربما بدوت له بهذا الإلحاح كطالبة صغيرة أو كالطفلة التي تتشوق لنقطة أستاذها وتقييمه لها! فابتسم أكثر مردفا: «هل هذه النقطة تعني لك السعادة؟» فابتسمت وفهمت من تلميحه لي بتعليقه هذا على أنني بالغت وألححت في طلبي كثيرا! فانصرفت وداخلي يردد: «إنك لا تعلم يا أستاذي أنها -أي النقطة -تمثل لي السعادة فعلا!!».
رغم أنني لست بحاجة لتلك النقطة لا في الحصول على شهادة الإجازة بامتياز ولا من أجل الحصول على وظيفة ولا من أجل الحصول على راتب شهري أو لأي سبب آخر من الأسباب التي يبتغيها الطلبة / الشباب، فحاجتي إليها أكبر وأعمق إنها السعادة!!.
سنحت لي الفرصة لألقي عرضا عند الأستاذ الزكريتي عن “مدرسة فرانكفورت” وثقافة الاستهلاك بمفردي وليس عملا مشتركا كما هي غالبية العروض، فأشاد به كما هي عادته حين يعجب بأحدها، وكما يشجعنا دائما ويسهب في مدحنا والثناء على فوجنا حين يقول لنا كلماته الجميلة: «كما عهدت فيكم الجد والعمل، فأنتم أهل للنقاش والاحترام» وأحيانا يقول : «أجدد شكري لكم على هذا المستوى من النضج» وغيرها من التعابير الزكريتية الراقية والرقيقة التي تثلج صدورنا كطلبة، وتزيدنا إقبالا على البحث والاجتهاد وإنجاز العروض، كما أنه وبكل تواضع أهل المعرفة يشجعنا أيام الاختبارات على البحث والتنقيب عن معلومات جديدة غير تلك التي ذكرها أثناء محاضراته، فيقول لنا: أنه يتعلم منا، فهو يحب الطالب الباحث الذي يبهره بأجوبته وهو أيضا الأستاذ المحب للاختصار، لا يعطي النقطة على المقدمات والخواتم ولا يجد أية ضرورة إليهما، بل يحبذ من الطالب الشروع مباشرة في الجواب عن سؤال الامتحان.
تواضعه أمام الطلبة وثناءه الدائم علينا لا يزيدني إلا فخرا وحماسا وانحناء أمام أساتذتي في شعبة السوسيولوجيا، فقد نفخوا في روحي الحياة والرغبة في الدراسة.
كل ما سردته كنت أتكلم عن فطاحلة السوسيولوجيا من دكاترة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل، لكني لم أتطرق للعنصر النسوي في ميدان السوسيولوجيا! وكم هن الإناث إلى جانب الذكور في هذه الشعبة؟ أيقتصر عشق هذا العلم المثير على الرجال دون النساء؟ ألا تأخذ النساء غمار هذا الحب؟ كما يقول بذلك عنها -أي السوسيولوجيا- عبد الرحيم العطري: «إن السوسيولوجيا كما الحب، لا وطن لها، وأنها مجهود إنساني يتوجب تداوله أو التفكير فيه بصيغة الجمع لا المفرد». بل إن السوسيولوجيا كما الحب، لا وطن لها، ولا جنس محدد حكر على هذا الحب وله المشروعية وحده لممارسته بل هو عشق يذوب فيه كلا الجنسين.
فلماذا نجد أن كل مؤسسي السوسيولوجيا دون استثناء رجال؟ فهل لأن دور المرأة في غالب الأزمنة هو خدمة ذلك الرجل، ليبدع؟ أم دورها لا يتعدى توفيرها لكل سبل الراحة له!؟ ليتفتق ذهنه وعقله عن كل هذه الإبداعات الذكورية التي أضافت للبشرية الكثير؟ أم أن دور المرأة من قبل مقتصر فقط على الإنجاب والتربية والاهتمام بالبيت، بينما الرجل هو الذي يعمل ومسموح له بذلك بل من حقه أن يبحث ويكتشف ويخترع هو لوحده فقط؟
هل لولا وجود “سوزان بريسو” أكنا سنعرف طه حسين؟ الذي قال في حقها: «منذ أن سمع صوتها لم يعرف الألم قلبه»، ولولا “جين وايلد” هل سيكون ستيفن هاوكينغ؟ إذ هي التي شكلت كل شيء في حياته، ولولا “ميلقا ماريكا” هل سيكون إنشتاين؟ وغيرهم كثير.
فالمرأة ليست وراء عظمة الرجل فحسب، بل هي من تصنعه، فالمرأة هي التي تحمله في أحشائها، وهي التي تخرجه للوجود، وهي التي تربيه، وتسهر على تنشئته اجتماعيا، ثم تصنعه إن هي تزوجته وإن توفرت لديه موهبة ربانية، فهي توضحها وتبذل قصارى جهدها وكل ما في وسعها لصقلها، ومساعدته لإظهارها وخلق الأجواء والظروف المناسبة لتتفتق موهبته. فقلة هم المبدعون الذين لا نسمع عن وجود امرأة في حياتهم “كإميل شارتيه” المعروف بلقب “آلان”، أو أجست كونت الذي لم يتزوج وأحب في آخر حياته “كلويتلد دوفو”، أم هن نساء حاضرات في حياتهم -حبيبات أو أمهات- لم ينصفهم التاريخ حتى بذكر أسمائهن؟؟؟ أكيد أنهن بقين مضمرات متخفيات وراء كواليس ذكورية مسدلة عليهن.
حضور نون النسوة لا يمثل الكثير في كل الميادين بدون استثناء، فلا توجد أكذوبة المناصفة بين الذكور والإناث ولا يمكن أن تكون، فتظل عبارة المناصفة في المناصب وعبر المنابر حبرا على ورق وغير مفعلة رغم المصادقة على تفعيلها، فأصحاب القرار هم رجال، والطبيعة البشرية تفرض ميل كل جنس لصنفه، ثم لحاجة الرجل لامرأة يجعلها تابعة له وفي البيت لخدمته، ولاختيارها هي أيضا وعن طواعية لهذا الدور عن حب لتحقق أمومتها، ومن أجل الزواج من رجل تحقق وإياه جوا أسريا وأحلاما رضعتها من صدر أمها أول ما فتحت عينيها على هذه الدنيا ومنذ صرختها الأولى.
هما عبق الأنوثة في شعبة “السوسيولوجيا” بمارتيل المادة الصادمة والتي كان تدريسها في وقت ما محظورا وتعلمها مرفوضا، فهما الناشزتان عن هذا الطرح، الاثنتان فقط لا ثالثة لهما، إحداهما وهي الزهرة الخمليشي زوجة الدكتور بوطالب، ذات الصوت الرفيع الذي لا يكاد يصل إلى مسامعنا وهي تلقي محاضراتها، خصوصا إذا غاب عنها مكبر الصوت في المدرج، وهي الهادئة التي وراء هدوئها قوة وصرامة تبدو جلية في عينيها وأحيانا في كلامها الصارم خصوصا أثناء حثها للطلبة على الجدية والعمل، تبدو حنكتها السوسيولوجية بوضوح متجلية في كتاباتها النسوية معبرة عن واقع وكواليس مظلمة يتكرس فيها باستمرار هضم حقوق المرأة وظلمها السافر في المعامل في أطروحتها، وأيضا حين تفضح واقع النساء الحمالات “بسبتة” على حدود شمال المغرب، أو حين تقتحم طابوهات وتكشف حقائق حول الأطفال المتخلى عنهم في مجتمع يحرم الإجهاض، ويغض الطرف على آلاف أو ملايين الأطفال الذين يرمون في قمامات الأزبال وهم أحياء أو في الأماكن المظلمة.
تدرسنا هي أيضا مدة ثلاث سنوات لنيل شهادة الإجازة، تدرسنا خلالها العديد من المواد “كالمناهج الكيفية” و”الفقر والهشاشة” وغيرهما، تعطي الفرصة لكل طالب متدخل، تشجعنا على المشاركة في المحاضرة على سجيتنا مهما قاطعناها، لها صدر رحب في تقبل تساؤلات جميع الطلبة والرد عليها باستفاضة وصبر كبيرين، لم أشهدها غاضبة إلا مرة واحدة، نبهتنا وطالبتنا بالهدوء لأكثر من مرة، ثم بعدها بدأت بعض الطالبات بالانصراف بعد مدة قصيرة من شروعها في إلقاء محاضرتها بحجة الصلاة بعد سماعهن الآذان، محدثات الفوضى. هنا فاض الكأس بها ووصل السيل الزبى فحملت أغراضها وخرجت من المدرج غاضبة، هرولت خلفها راجية إياها بأن تعود من أجل متابعة المحاضرة إلا أنها رفضت واعتذرت لي.
يقول الأستاذ بوطالب عن المحاضرة أنها صلاة، يعني أن ما يلزم الصلاة من طقوس وهدوء وآداب يلزم أيضا المحاضرة، فهما معا المحاضرة والصلاة سيان لديه. أما أريج السوسيولوجبا الثانية فهي الدكتورة “كريمة الوزاني” الحاضنة لكل الطلبة، الهادئة والمؤدبة جدا من خلال تعاملها، لم أذكر لها يوما غضبة أو عتابا على أحد، تتلقى هي أيضا كل تدخلات الطلبة وتساؤلاتهم بصدر رحب وبابتسامة ساحرة مثل ابتسامة الأستاذة الخمليشي أيضا، وأحيانا تتقبل حتى مستملحاتهم، فأحد الطلبة وأثناء إلقائه للعروض يخاطبنا عندها دوما نحن الطلبة بصوته الجهوري بجملة: ” يا معشر السوسويولوجيات ومعشر السوسيولوجيين”، كنا نبتسم وتبتسم هي أيضا معنا، وتتجاوز عن الكثير من قفشاتنا وشغبنا أحيانا.
محاضراتها تتسم بمشاركة العديد من الطلبة، فهي غير إلقائية بالمرة بل تدعمها بوسائل التكنولوجيا الحديثة (بجهاز العرض التفاعلي Data chow)، وهي حاليا بالإضافة إلى التدريس فإنها تقوم بمهمة منسقة شعبة السوسيولوجيا التي كان يتولاها قبلا الأستاذ الزكريتي. كما أن الأستاذة “كريمة الوزاني” هي من حظيت بشرف تأطيرها لبحثي “الاحتراق المهني” أو “البورناوت”.
أحس بها وكأنها تضمنا إليها جميعا نحن طلبة السوسيولوجيا وتحتوينا وتستمع لكل شكاوينا، فبعد استماعها للطلبة، وبعد صمت وجيز كعادتها عند استماعها لأحدنا وبنظرة ثاقبة وتريث ذكي منها، تجيب بكل هدوء كل منا عن تساؤله أو مطلبه بدون تسرع.
أدبها الشديد مستمد أكيد من امتهانها للتدريس، وخصوصا لانتمائها هي أيضا لأسرة جل أفرادها يمارسون هذه المهنة، فهي أيضا ابنة رجل تعليم، هذا ما سمعته منها يوما ونحن نناقش موضوع بحثي “الاحتراق المهني”، وبكل تواضع وأدب فهي لا تجلس وراء المكتب حسب المألوف حين تستقبل الطلبة الذين تشرف على أبحاثهم، بل تجلس أمام المكتب، ويقابلها كرسي آخر يجلس عليه الطالب الذي يريد محاورتها حول موضوع بحثه، فهي تجلس بمنتهى التواضع، هي الأنيقة والرشيقة، فقوامها يذكرني بقوامي الذي كان أكثر رشاقة منه الآن، وكنت أتمتع بمثل قوامها طيلة طفولتي وشبابي، ودائما أحس بخفة جسمي التي افتقدت بعضا منها.
فكل من درسونا مواد شعبة السوسيولوجيا خلال سنواتها الثلاث، لا حدود بينهم وبين الطلبة، ولا فواصل أو أسوار أو جدران أو أبراج عالية، بل هناك احتواء كبير للطلبة من طرف الأساتذة السوسيولوجيين مع دعمهم المطلق للطلبة بجميع المساعدات الممكنة.
تعودنا أن نسمع أن النساء الناجحات في دراستهن والفاعلات الجمعويات ذميمات وفاشلات في حياتهن الخاصة، وغير مرغوب فيهن من طرف الرجال، وأغلبهن عوانس أو أرامل، وأنهن لو كن يحضين بأزواج أو لهن أبناء ينشغلن بهم لما انشغلن بالدفاع عن هموم الآخرين أو قضاياهم. وهذه الصفات القدحية هي ملصقات خاصة بالكثير من النساء المتعلمات اللواتي يتبوأن مراتب مجتمعية راقية أو مراتب مهنية عالية إلى جانب الرجال، فهو تكريس لنفس الأفكار المتوارثة لتطبيث عزيمة النساء عن العمل، وحتى يتقاعسن عن كل الأدوار الأخرى، إلا عن دور ربات البيوت، فعلى العكس من ذلك، فهذا بعيد كل البعد عن الصواب، وخير مثال على هذا الدكتورتين الزهرة الخمليشي وكريمة الوزاني في شعبة السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمارتيل فهن يفندن هذا الطرح، لما يتمتعن به من الجمال الواضح على محياهما، والذي بالـتأكيد كان أخاذا في صباهن أكثر، وأكيد أن الكثير من القلوب تهافتت وانكسرت عليهن في شبابهن، وأيضا لندرة النساء الممتهنات لمهنة التدريس في الفترة التي عملتا فيها، وإقبال الرجال على الزواج بمن يمتهن هاته المهنة. فلهما سحر خاص في عينيهما الجميلتين اللتين تنطقان سحرا وذكاء.
إن للنساء بينهن كلام مستباح ومتداول، يفهمن بعضهن أكثر مما يفهمهم الرجال، وأحيانا قد يستبيح القلم هذا الكلام دون توقف، دون خجل منه في هكذا كتابات، فالقلم يخرج عن تحكمنا، يفقدنا السيطرة على التوفيق بين ذكر ما بدواخلنا وأحكام المجتمع، وجماحه التي لا تكبح، إنه كالهو، له شهواته اللامحدودة في كتابة ما يروق له أثناء انسيابه على الورقة، إنه كالمستر هايد، قوة الشر التي كانت تحارب قوة الخير لدى الدكتور جيكل، وفي لحظات كثيرة أصبح المستر هايد هو المسيطر على الدكتور جيكل وهو المتحكم فيه رغم هدوء وتعقل ونضج وحكمة الدكتور جيكل ومقاومته اللامتناهية.
هكذا القلم أيضا، فإنه يخرج عن سيطرة حامله أحيانا، ولا يكترث لأية ضوابط اجتماعية، إنه يمتاز أحيانا بالفجور واللاانضباط، وتصبح الأنا / الكاتب، عاجزة عن التوفيق بين الهو/ القلم والأنا / حامله، والأنا الأعلى وهي كل الضوابط المرفوضة، اجتماعية كانت أم دينية أو أخلاقية، وهو ما يحدث بالضبط أثناء الكتابة، فهي لحظة تحرر بشري من كل القيود.
2025-05-29