التراث الشعبي والأكاديمية..نسق العلاقات الإيجابية والسلبية
د . مولاي علي الخاميري
2 ديسمبر، 2022
كتب : د . مولاي علي الخاميري – أستاذ جامعي
ثنائيات التراث الشعبي والتناول الأكاديمي فيها تكامل وتباين ، فإلى وقت قريب كانت الأكاديمية مطلوبة وبإلحاح في تناول وقراءة وتحليل نصوص التراث الشعبي بصفة عامة ، ظنا من الجميع أنها تشكل الملاذ الملائم الذي سينشر التراث الشعبي بين المثقفين ، وسَيُعَرِّف به بين الخاصة من أرباب العقول والأقلام ، وسيمكنه في النهاية من ولوج قلاع العلم والمعرفة المُحَصَّنة ، وسيُرفَع شأنه الفكري والفني في المجتمع .
الصورة كانت على هذا المنوال من الإيجابية حتى أضحى هَمُّ جميع المشتغلين هو الإلحاح المتزايد بضرورة تحصيل هذا المطلب وبأي وسيلة ممكنة ، وبسبب ذلك صرنا من أهل الأمل العريض حين نسمع دكتورا أو أستاذا باحثا يتحدث عن التراث الشعبي ، ويكتب عليه فتحول حالنا إلى ما يشبه إحساس الإنسان الأعمى الذي يظن خيرا بكل المبصرين ، وما هكذا صارت الأمور ، وما هكذا تجلت على أرض الواقع ، فالمبصرون أنواع ، فيهم الأمين ، وفيهم الخدوم بوفاء ، وفيهم صاحب التجربة العريضة ، وفيهم السارق والمخادع ، والمدعي وصاحب النية الفاسدة .
إن مطلب الأكاديمية في تناول التراث المغربي الشعبي وعلى الوضع المعاش يضم كثيرا من الاعوجاج وسوء الفهم ، فليس كل الأكاديميين قادرين على قراءة وتحليل التراث الشعبي بالدقة المطلوبة والفهم المرجو وإن كانوا من أصحاب الشهادات المعترف بها في كل الدنيا ، لأن الشهادة لم تدل ولن تدل على نجاعة صاحبها إذا لم يُجَرَّب في الميدان ، ولم تكن له هُوِية تراثية وفكرية ناجعة ورصينة ، يمارسها بتلقائية وبحرية على أرض الواقع ، ولاسيما في وقتنا المعاصر ، فقد كثر الهَرَج والمرَج ، وأضحت أبحاثنا وفي جل الميادين عبارة عن تقريرات منهجية جافة ، أو ادعاءات معرفية محدودة جدا في الإدراك والفهم ، وغلَب عليها نهج النسخ واللصق ، والبساطة السلبية التي تدل على الفقر المعرفي في المعالجات ، وأحيانا يتطور الوضع إلى حدود السرقة الموصوفة على حد تعبير القانونيين .
اطلعت على نماذج عديدة من المنجز الأكاديمي في مجال التراث الشعبي ، ولم أعثر في أكثريته على ما يشفي الغليل ، ويعبر حقيقة عن مضامين التراث الشعبي الفكرية والثقافية بنزاهة وعمق يفيد ويؤثر ، ويمكننا من التعرف على لآلئ تلك النصوص ، ويفسح المجال أمامها لكي تتحدث بنفسها عن نفسها ، وتستفيد من الزخم الثقافي المعاصر ، فمعظم ما كتب إما أن يكون سلخا ، أو نسخا ، أو فسخا ومسخا في نهاية المطاف .
يجب أن نتفق أولا على أن البحث في مجال التراث الشعبي يعد الأصعب والأشد في الممارسة إذا ما قورن بالمعارف الأخرى ، ويجب علينا أن نطرد الوهم المبني على الاستسهال في كون التراث الشعبي هو باب ضيق ، وحائط قصير بالتعبير الشعبي المغربي يستطيع كل من يريد الولوج إليه أن يصل إلى مبتغاه بيسر متاح دائما .
الأمر ليس على هذه الصورة النمطية المنتشرة والمسيطرة على الأذهان بخبث للأسف الشديد ، إنما الشروط الواجبة في الباحث عند اشتغاله بالتراث الشعبي تتوسع أكثر ، وتقتضي شروطا خارجة عن مكونات مفهوم الأكاديمية ، وهنا سأحاول تخصيص كلامي أكثر ، وربطه بفنين تراثيين كبيرين هما فن الملحون وفن العيطة .
الباحثون الذين خاضوا في الفنين المذكورين كُثُر بحسب العدد ولكنهم من جهة النجاح والبروز والاعتماد هم قلة قليلة جدا جدا ، أذكر في مجال الملحون وعلى سبيل المثال فقط الأسماء التالية : الأستاذ محمد الفاسي رحمه الله ، الأستاذ عباس الجراري أطال الله عمره ، الأستاذ الشاعر أحمد سهوم رحمه الله ، الأستاذ عبد الرحمان الملحوني ، والأستاذ محمد دلالالحسيكة رحمه الله ، وسأضيف هنا الأستاذة المقتدرة مليكة العاصمي للإشارة والإشادة بما فعلت ودَبَّرت ودَبَّجَت في عملها الجميل : ( موسوعة الثقافة الشعبية والميثولوجيا المغربية وحكايات نساء مراكش ) .
هؤلاء وإن لم تتحقق في بعضهم صفة الأكاديمية فقد أعطوا الكثير للتراث الشعبي ، ونجحوا في التعريف به ، والإدلاء بقراءات مجدية ونافعة فيه ، وما كان لهم أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه لو لم تكن عندهم خلفية فكرية أساسية في فهم التراث الشعبي ، والإلمام بملامحه الفكرية والفنية كما هي ، والقيام بأبحاث شيقة ورصينة لها أثرها وتأثيرها الأبدي في النفوس ، ولها أحقيتها المعرفية الدائمة عندما توزن بميازين العلم .
إن تلك الخلفية الفكرية المستترة ، وتلك العلاقة الحميمية مع التراث الشعبي التي يفتقدها جل الأكاديميين هي معيار الحكم الأساس ، وهي الفيصل المعتمد في أهلية الباحث للبحث في التراث المغربي الشعبي ، ولهذا قلت سابقا إن أصعب مجال بحثي هو مجال التراث ، لأنه يتطلب الشروط العامة المستفادة من النظريات والقواعد ومناهج القراءة والتحليل على اختلاف الاتجاهات والمدارس الفكرية ، ويتطلب كذلك تلك اللمسة الذاتية التي تدل على انتماء الباحث لزمرة الباحثين التراثيين ، وتحدد أهليته الذاتية ، وقدرته العلمية والفكرية للخوض في بحار التراث بأمان ويقين واطمئنان .
الملح الذاتي الواجب عند البحث في التراث لا يمكن أن يُتوصل إليه بطرق الأكاديمية المتداولة فقط ، وإنما هو شبيه بفطرة ، أو علاقة خاصة ، قد تأتي عن طريق عوامل وبقلة ملاحظة دائما وعلى طول تاريخ البحث ، فقد تكون الوراثة ، أو التربية ، أو التطلع المشروع الذي يتخذ من مطالعة نصوص التراث الشعبي ديدنا له لأمد طويل جدا ، ويشقى صاحبه كثيرا في تحصيل مضامينه ، ويصادف وهو يتعلم من يغرس في دواخله بذرة ما معنى التراث الشعبي بجميع تجلياته ومعالمه الثقافية والإبداعية……فقد تكون إحدى تلك الطرق بصفة متفردة ، أو بصيغة متعددة هي السبيل الأوحد والأنجع للحصول على التتويج والنجاح في ميدان البحث المتعلق يالتراث الشعبي .
الذين يرفضون التراث الشعبي ، ويتكبرون عليه في نظراتهم وكتاباتهم هم في الحقيقة فاقدون لمثل هذه البوصلة الجامعة ما بين المعرفة العامة والمعرفة الذاتية الخاصة ، ولو تواضعوا واطلعوا وصادفهم حظ الإدراك لغيروا مواقفهم رأسا على عقب ، ولأصبحوا من دعاة التراث الشعبي ، والعاشقين لمضامينه المتعددة والمتنوعة ، وللأسف كثير من الأكاديميين هم من هذه الفصيلة ، أو ممن يرتمون في حضن التراث الشعبي بلا علم ، ولا ميل ، ولا روية ، ولا وعي ، فيعيثون بفسادهم الفكري هذا ، ويدوسون بأقدامهم الوسخة بساتين التراث النضرة ، وزرابيه المزركشة بعبق الفكر الأصيل والجميل .
ينبغي ألا يُفهَم من كلامي في ذكر الأسماء أعلاه أن البحث التراثي الرصين قد وقف عند الأسماء فيما فعلوه في أبحاثهم وكتاباتهم…… كلا فالأجيال المتتالية كانت هي الأخرى معطاءة ، وتخرج منها كثير من الباحثين الذين يعتد بأرائهم في مجال البحث التراثي ، والاكتفاء بذكر الأسماء السابقة إنما جاء من باب احترام السبق الزمني ، والتنويه بمجهوداتهم المضنية والمتواصلة آلى يومنا ، والأكثر أنهم أصبحوا رموزا للدلالة على كيفية البحث التراثي ، وضرورة وجوده ، ومِن طَالِع اليُمْنِ هنا أن كل واحد منهم كان يمثل شخصية بحثية مستقلة عن الآخر أو الآخرين ، فتجمع لنا عبرهم وفي أعمالهم تلك الطرق الأساسية الأصيلة والضرورية في كيفية التعامل مع التراث الشعبي ، والكشف عن قيمه الفنية وقيمته العلمية .
أما فن العيطة فالباحثون في قضاياه هم قلة بسبب مجموعة من العوامل المتداخلة التي تخص النظرة العامة للتراث ، أو يستقل بها الفن المذكور في سياقاته المحيطة به .
أتذكر أنني كتبت من سنين خلت مقالة عن عيطة ( مولاي عبد الله أمغار ) وفصلت فيها الكلام من جهة المضمون الفكري والفني ، وخلصت إلى نتيجة تقول : مَن كتبَ هذا النص التراثي الشعبي أعتبره من العباقرة القلائل الذين لايجود الزمن المعرفي بأمثالهم إلا في النادر من الأوقات ، فقد عالج بنصه التراثي معضلة عمرانية طارئة على المجتمع المغربي إبان فترة الحماية والاستعمار ، أو لنقل مع مطلع عصر الحضارة المعاصرة ، فالمدن والتجمعات الحضارية المغربية كانت تقام في القديم على سند روحي واضح ومعتبر ، ولهذا قيل عن مراكش مدينة سبعة رجال ، وعن فاس مدينة مولاي إدريس وقس على هذا ما تبقى من حواضر المغرب القديمة .
عندما أتت الحضارة المعاصرة بمنجزاتها العمرانية الجديدة كانت لا تأبه بهذا الشرط التراثي ، فكثر العمران ، وتأسست مدن عديدة على غير سند روحي وكأنها لقيطة مجهولة بالمفهوم المعرفي فانبرى كاتب عيطة : ( مولاي عبد الله أمغار ) ليدلنا على حل جميل ، لا يرفض ظاهرة العمران المعاصرة ، ولا يتركها بغير سند الذي حوله وبنظرة سديدة إلى سند سياسي ملائم لما يروج في العصر ، وفي الوقت ذاته محافظا على اتصال خفيف وغير مباشر بالسند الروحي المعروف في ثقافة البناء والعمران الحضاري داخل المجتمع المغربي الحديث .
وما قلته يدفعني إلى الحديث عن كتاب ألف حول فن العيطة بنبرة أكاديمية عالية بالرغم من أن مؤلفه يملك خلفية ذاتية ووجدانية تجمعه لفترة طويلة بالفن المذكور ، أقصد هنا الأستاذ حسن نجمي ومؤلفه : ( غناء العيطة – الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية في المغرب ) الكتاب الذي كان يعول عليه في بسط الحديث عن العيطة ونماذجها وروادها ونصوصها مع الاهتمام بالأبعاد المحلية النفسية والاجتماعية حَلَّقَ بعيدا في سماء الأكاديمية ، وطمس جوانب من مرتكزات فن العيطة ومستلزماته الفنية الدالة على أبعاده الوطنية ، ولاسيما ما يتعلق بطقوس الاحتفال والمضامين المتحكمة في إقامة الأنماط العيطية ، فبالإضافة إلى تماديه في السرد التاريخي طيلة الجزء الأول نجده يقحم فيما سماه في الجزء الثاني ب ( الإطار السوسيو ثقافي والبناء الشعري والموسيقى ) مجموعة من نظريات الخطاب عند أعلام الغرب المتخصصين ، ولم يسلم هو الآخر من التتبع التاريخي للفظ العيطة وفنونها ، ومواقف النخبة المغربية اتجاهها .
ويبقى الجانب الجميل للمؤلَّف المذكور في نظري هو تلك النصوص التي بُسِطَت في الكتاب ، وتلك الصور التي تخص الشيوخ والشيخات من مختلف الأجيال ، وفقَرَاتٌ من التتبع لخيوط الفن المذكور عبر تشكيلاته الفكرية وأنماطه الموسيقية المختلفة ، مع الإشارة إلى عناوين مجموعة من المصادر والمراجع المغربية وغيرها مما سيسهل الأمر على الباحثين الذين سيأتون في المستقبل .
عندما قرأت كتاب حسن نجمي : ( غناء العيطة….) قارنته بما فعله الأستاذ عباس الجراري في كتابه : ( القصيدة ) ووجدت نفسي أعلق على ما قرأت بهذه العبارة : أحيانا الأكاديمية تُضَلِّلُ صاحبَها ما لم يكن على بينة من كيفية استخدامها أثناء البحث في التراث ، فيحدث نوع من الاستعصاء عن المواءمة والملاءمة مع الخلفيات النفسية والاجتماعية التي تتحكم في مختلف بنيات التراث الشعبي ومضامينه المتنوعة .
وعلى العموم يبقى لما فعله الأستاذ حسن نجمي أثره الواضح في صيرورة البحث التراثي ، ويضاف إلى جهد أقرانه من الأجيال السابقة عنه ، ويكفيه تبجيلا وافتخارا أنه كان شجاعا وأصيلا عندما أقحم فن العيطة في مجال البحث بصفة عامة ، وعندما استخدم ما استخدم من الآليات الأكاديمية للتعريف بالفن المذكور ، وتقريبه للأذهان ، والزج به في أطاريح العلم والفن ، وأعيد تَكرارَ ما قلته وهو أن البحث في التراث هو بحث مُضن ومتشعب وشائك على كافة المستويات ، وإخضاعُه لقواعد الأكاديمية مجردة عن الخلفيات الذاتية الأصيلة لن يزهر ، ولن يكون له أثر إيجابي ومفيد على فنون التراث بالمعنى الشامل ، وعلى المعنى العلمي من البحث في نهاية المشوار ، ولم يحسنه ، ولن يحسنه إلا القليل من نجباء كل جيل .
2022-12-02