أوراق من وعي وثقافة للكاتبة والمؤرخة المصرية الأستاذة منال إمام [حين يكون القلب أرحم]
دة. منال إمام
10 ساعات مضت
بقلم/ د. منال إمام، كاتبة ومؤرخة مصرية
في هذه الحياة، لا يمشي أحدٌ كاملًا، ولا يحمل إنسانٌ كتابه خاليًا من الصفحات التي يتمنى لو لم تُكتب. لكل واحدٍ منا عثرةٌ أخفاها، وندمٌ لم يتحدث عنه، ومعركةٌ خاضها بصمت، وأيامٌ أثقلته حتى بدا للآخرين قويًا، بينما كان في داخله يطلب شيئًا واحدًا: أن يرحمه أحد.
ولعل أجمل ما في الرحمة أنها لا تسأل كثيرًا عن الأسباب قبل أن تفتح أبوابها.
هناك أناس أرهقتهم أخطاؤهم، وأناس أثقلتهم ابتلاءاتهم، وآخرون يعيشون صراعًا طويلًا مع أنفسهم، يحاولون أن يتغيروا، ويتعثرون، ثم يحاولون من جديد. وما نراه نحن من حياتهم قد لا يكون إلا مشهدًا صغيرًا من حكاية طويلة لا نعرف منها إلا ظاهرها.
ولذلك، ربما كان القلب أصدق حين يختار الفهم قبل الحكم، والرحمة قبل الإدانة.
ليس كل خطأ دليلًا على فساد صاحبه، كما أن كل عثرة لا تعني أن الطريق انتهى. فالإنسان أوسع من خطئه، وأعمق من ذنبه، وأقرب إلى التغيير مما نظن. وكم من إنسان ظنه الناس بعيدًا، فإذا به يجد طريقه إلى الله في لحظة صدق، وكم من قلب ظنناه مكسورًا فإذا به ينهض من بين ألمه أكثر نقاءً ورحمة.
وليس من العدل أن نختصر إنسانًا كاملًا في لحظة ضعف.
قد نرى الذنب، ولا نرى الندم الذي يليه. قد نرى السقوط، ولا نعرف كم مرة حاول صاحبه أن يقف. وقد نسمع عن الخطأ، ولا نعرف كم من الليل قضاه صاحبه وهو يتمنى لو يستطيع العودة إلى الوراء.
لهذا، تبقى الكلمة الطيبة أحيانًا أعمق أثرًا من ألف محاضرة، والنظرة الرحيمة أقدر على فتح بابٍ أغلقه الخجل، والاحتواء أكثر قدرة على إصلاح ما لا تصلحه القسوة.
والإنسان الذي يشعر أن أحدًا لا يراه إلا من خلال خطئه، قد يفقد الرغبة في أن يكون أفضل. أما حين يجد من يراه بإنسانيته كاملة، بخطئه وضعفه وأمله، فقد يجد في تلك الرحمة سببًا جديدًا للبدء.
ثم إن الستر من أجمل النعم التي نعيش في ظلالها دون أن نشعر. كم من أشياء أخفاها الله عنا، وكم من عيوب لم يرها الناس، وكم من لحظات ضعف مرّت بنا دون أن يعرف بها أحد. ولولا لطف الله بنا، لما كان لأحد منا أن يقف مطمئنًا أمام الآخرين.
فربما كان من الحكمة أن نتذكر دائمًا أننا جميعًا نمضي تحت مظلة واحدة من الرحمة، وأن ما يسترنا اليوم قد يكون هو نفسه ما يجعلنا أكثر رحمة بغيرنا.
لا أحد يعرف كيف تنتهي حكاية إنسان.
قد يكون الذي نتعجب من سقوطه هو نفسه الذي يسبقنا يومًا إلى طريق الصواب. وقد يكون من نلومه على ضعفه هو من يعلمنا لاحقًا معنى القوة. وقد تكون المسافة بين إنسانٍ يخطئ وإنسانٍ يتوب مجرد لحظة يفتح الله فيها بابًا لم يكن في الحسبان.
لذلك، تبدو المحبة أحيانًا أكثر حكمة من القسوة، والرحمة أكثر إنسانية من التشهير، والستر أجمل من كشف ما لا نملك حق كشفه.
نحن جميعًا بحاجة إلى من يأخذ بأيدينا حين نتعثر، لا إلى من يدفعنا أبعد عن الطريق. بحاجة إلى قلب يقول لنا، دون ضجيج: ما زال فيك متسع للخير.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من القضاة الذين يحصون أخطاء الناس، بقدر ما يحتاج إلى قلوب تعرف كيف ترى الإنسان خلف الخطأ، والألم خلف السلوك، والندم خلف الصمت.
فبعض القلوب لا تحتاج إلى حكمٍ جديد، وإنما تحتاج إلى رحمة.
وبعض الأرواح لا ينقصها من يذكّرها بسقوطها، وإنما من يؤمن بأنها تستطيع أن تنهض.
ولعل أرقى ما يمكن أن نتركه خلفنا في هذه الحياة ألا نكون سببًا في انكسار قلب، وأن نمرّ بالناس كما تمرّ بهم الرحمة: خفيفين، ساترين، محبين، تاركين في أرواحهم أثرًا يقول إن الدنيا، رغم قسوتها، ما زال فيها متسع للحنان.
2026-08-25