الأربعاء 7 ديسمبر 2022 - 9:09:13
أخبار عاجلة
تفكيك شبكة للتهريب الدولي للمخدرات بكلميم إنجاز تاريخي للكرة المغربية ..أسود الاطلس يهزمون الاسبان ويصعدون لأول مرة إلى ربع النهائي بمونديال قطر .. عناصر الشرطة القضائية بولاية أمن سطات توقف شخصا متورطا في قضية الحيازة والإتجار في المخدرات بالرباط … تنظيم الملتقى الوطني العاشر للمقاهي الثقافية أيام 9و10و11 دجنبر الجاري بارون مخدرات يطيح بجمركيين وأربعة دركيين بالقنيطرة وسلا…وهذه التفاصيل  بالصور من أكادير – جمعية مبارك اعلي للثقافة والتنمية والاعمال الاجتماعية تنجح في تنظيم حملة تنظيف للمأثر التاريخية والسياحية بالمنطقة الجبلية للدراركة.. ظاهرة تكاثر الكلاب الضالة باقليم القنيطرة ..الى متى ..؟ مصرع سيدة وطفلها بسبب اختناق بغاز سخان الماء داخل منزلهما بشارع ممر الحدائق بعين السبع بالدار البيضاء زيادة عشوائية في ثمن «البوطاغاز» بمنطقة الغرب…غضب في الشارع ومطالب للسلطات بالتدخل بالصور –  دار الطالب بلولاد باقليم سطات  تحتضن الاقصائيات الإقليمية للبطولة الوطنية 47 للألعاب الرياضية للمؤسسات والمراكز الاجتماعية .
الرئيسية / أقلام وأراء / في المعرفة..هل يمكن أن نقف مواقف الوسط .؟

في المعرفة..هل يمكن أن نقف مواقف الوسط .؟

إنجاز : د . مولاي علي الخاميري (أستاذ جامعي )

المعرفة الإنسانية هي عبارة عن تراكم كبير ومختلف من ناحية المضامين والصياغات ، والمواقف المؤثرة في البناء والتصور .

ومع هذا الوضع المتداخل في كل شيء ينبغي طرح السؤال العريض التالي :  هل باستطاعتنا أن نعثر ، أو نكتب باتزان على أحوال تبدو في تركيبها ووجودها فاقدة له ، أو نحاول أن ندعي ، ونزين ما ننجزه بطابع الوسط والوسطية ، وكأننا غير بشر مشابه لما مضى ، وما هو قائم ، أو كأننا بشر من طينة جديدة وطارئة على الكون ، وبعبارة أوضح ربما نكون من الشذاج والمغفلين ، لأننا نطلب ما هو مفقود ، ويدخل في مستحيل المستحيل .

هذا رأي أولي يوحي بالحكمة والإقناع للمتتبع بحدود تخشى على الذين ينبهرون كثيرا بمبدأ الوسطية والتعقل الإيجابي وهم يكتبون عن الإنسان ، أو يحللوا آثاره من مأزقين سلبيين :

المأزق الأول هو أن يكونوا من الحالمين ، ومن الباحثين عن وضعية لم تحصل في معرفة الإنسان إلا فيما ندر ، هذا إن سلمنا بوجود الأمر ، وهنا ستبقى مواقفهم بلا تأثير ، أو قليلة الجدوى والنفع لأنها لا تنسجم مع طبيعة الإنسان في التغول والتشرذم ، وتكريس السلبيات المكررة بأوصاف هي هي في المضامين والأفعال .

المأزق الثاني هو أن يتقمصوا دور المتعقل والمتفتح بلا روية وفحص محدد في البدايات والغايات ، أو لنيل مكرمة مقصودة ، من لدن الكُبَرَاء في مجال المعرفة ، أو نظرائهم في مجال التسيير والحكم والنفوذ ، أو يكونوا من المتفتحين انفتاحا سلبيا ، أي على حساب طمس مميزات ذواتهم وهويتهم ، وإرثهم الحضاري ، فينزلقون إلى درجة الممارسين لهوايات بشرية تزعم العمل الجماعي المفيد ، والتعقل الآدمي المفقود .

وكلا الأمرين يتنافى مع مبدأ الوسطية المرجوة ، وإنجازاتُنا في هذا المضمار هي عبارة عن توجيه مقصود ، أو تحوير مرفوض ،  فببساطة نبحث عن شيء غير موجود في المعرفة الإنسانية بالشكل المطروح والمطلوب .

وبالمقابل يمكن أن نفهم الوسطية بمفاهيم معينة ومرادة ، أوأن نربطها بما يريده طرف فاعل في المعرفة ، وأن نتخذ من مقاييسه قواعد لتفصيل معاني للوسطية ، وفي كل هذا تحريف ، وجري من وراء  الوسط والوسطية بأسس فكرية وتحليلية تقوم على أساس التبني ، وافتراض أنها هي الوسط والوسطية .

فكر الإنسان إذا سلمنا باعتداله واتزانه تتحكم فيه مجموعة من القواعد ، على رأسها أنه ينطلق من الذات ، والذات تفهم على أساس الذوات المتقابلة ، وتحيا على معايير الانتماء في الكر والفر ، والرفض والقبول ، وما سينجزه العقل الذاتي سيكون متأثرا بحدود اللياقة ، أومعاول الهجوم تبعا للمضامين المدروسة ، ومدى قربها ، أو بعدها من مزاج العقول ، وظلال النفوس .

الوسطية في حقيقتها هي نابعة من الميل الشخصي ، والميل له محددات عديدة ، جزء صغير ، وقليل منه يمكن أن نصفه بصفة الاتزان والتعقل ، والأكثرية المتبقية فيها جنون وغطرسة ، ونرجسية ، وادعاءات كاذبة ، ومجانبة للصواب ، والمعرفة المعاصرة أصبحت من أجندة السياسات العالمية ، ومن منتوجات التدبير القائم على التحريف ، والتيئيس ، وبذر بذور التفرقة والتعصب ، يحرص على مضامين المواجهة المستمرة ، والتّوَثُّبِ المنتظر دائما ، مع الإيغال في عوامل القهر والاستعلاء والإلهاء والحرمان…..فكيف لنا أن نبحث في هذا المستنقع الآسن عن الوسط والوسطية ؟! .

الموقف الأخلاقي في الوقت الراهن قد ضعف ، وتحول الإنسان بفقده إلى سلعة من سلع الحياة ، وبصلاحيات محددة ومرادة له ، وللأسف الجانب الفكري والمعرفي قد ساهم مساهمة كبرى في إيجاد هذا الوضع الكئيب ، ودافع عنه باستماتة لا تخلو من تبرير وتعقل ، فالاعتدال والاتزان ، والوسط والوسطية تتخيلها أدمغتنا أنها من مفردات الأزمنة الماضية ، والإنسان المعاصر يحاول أن يشكك في كل ما هو مخالف لقناعاته القائمة ، ويسعى لطمس كل موقف متزن ، وإزاحة كل نجم مضيء في أفق الإنسان المظلم .

وعندما نرجع إلى المحتويات المعرفية المعاصرة سنجد داء التطرف والغلو قد استشرى في جسد المجتمع البشري ، وهناك خلاف في كيفية الحديث عنه ، وإبرازه للوجود ، فالأمم المتقدمة تنادي لنفسها بالأحقية في كل شيء ، وتطرح أفكارها بكل وضوح وغوغائية ، والأمم المغلوبة والمقهورة على أمرها تبحث عن الوسط والوسطية ، وفي ذلك تدليس وانهزام ، وتضييع للوقت ، وتزوير للحق والحقائق .

مثل هذا المشهد المؤلف من عناصر متباعدة في كل شيء ، ومختلفة في البدايات والمآلات سيؤدي بنا إن نحن ظللنا نركض خلفه عن الوسط والوسطية إلى حافة التلفيق ، والعيش في وهم قديم ، صَاحَبَ الإنسان في وجوده الأول ، ولا زال مستمرا معه ، وبإيحاء منه بنى مواقفه ، واتخذ قراراته المصيرية في التسيد والسيطرة والقيادة .

لا أريد أن أظهر للقارئ بأنني مُبالِغ فيما أزعم ، أو أنني متشائم إلى هذا القدر ، ولكن ماقلته ، وما سأقوله لا علاقة له لا بالزعم ولا بالتشاؤم ، وإنما هوحقيقة التاريخ الإنساني الطويل غير المزور ، وعندما سأضرب عما زعمت ، وأنظر إلى الموضوع من زاوية الواقع والوقائع الدالة عليه ، ربما ستظهر لي تجليات كثيرة على صدق ما قلت .

في تقديري ومن جهة رصد أضرار الوسط والوسطية المحتملة ، ومن زاوية إيجابية أقول لو صار العالم بنفَس الوسط والوسطية والاعتدال لما وصل إلى ما وصل إليه من تقدم وتطور كما يلاحظ اليوم ، وحتى إن آمنا بمضامين التعارف كما دعا الله سبحانه لها فإن عمل الإنسان  لم يحافظ فيها على ذلك النقاء والصفاء ، والنزاهة ، بل باسم التعارف والتقدم والتطور أُزهِقَت أرواح ، وحدثت كوارث مظلمة ، والأهم أنه تأسس فكر ، وطُوِّرَت معارف من أجل تبرير الذي حدث من ظلم وهيمنة…..فكيف يمكن تصور البحث عن الوسط والوسطية في نماذج هذا المنحى الإنساني المتعثر ؟! .

يعجبني كثيرا من يكون واضحا في موقفه ، ومستندا فيه على دلائل الانحياز لهذا الجانب ، أو ذاك ، وما المؤلفات التي كتبت بدافع إحداث تقارب ما بين النقل والعقل مثلا ، أو مابين النفس والفكر ، أو ما بين السيد السائد والتابع الخنوع إلا دليل واضح على أن تصور وجود نوع من الوسط والوسطية هو بعيد فيما كان وسيكون ، وهو ضرب من الخيال ، أو سراب يحسبه الظمآن ماء فيظل يلهث وراءه حتى يهلك .

ثم لنعد إلى تركيبات الإنسان النفسية والجسدية وما ينتج عنها من أفعال دائمة ومؤثرة في الوجود ، أليس فيها ما يتناقض ويتباعد إلى حدود الاصطدام ، والإنسان مهما أوتي من رزانة فإنه لن يتخلص مما يغلي في دواخله ، والغالب عليه هو فعل الجنوح ، والميل إلى الغلو والتطرف ، ولعله من أسباب وجود الرحمة الربانية المُصَاحِبة له في الخلق والحياة ، تلك الرحمة التي يكون أثرها في تقديري نافعا ومُلاحَظا ومُحدِثا للتوازن الضروري في بقاء الكون واستمرار الحياة ، كما تستفاد منه حقيقة الإنسان المرة في موضعين كبيرين  :

الموضع الأول حين وصفه ربه بالعَجول والجَزوع والضعيف ، فالاعوجاج والانعراج السيء الدائم ، في نظر القدَر يجوز في حقه .

الموضع الثاني وهو بقاء باب الرحمة والغفران مفتوحا له بشكل دائم ، مع إحاطته بنعمة الستر ، وتحبيب إمكانية الرجوع إلى الطريق المستقيم ، والترفع عن الزلات المحيطة به ، والمستفادة من خلال معاملاته للناس في حياته .

وفكر الإنسان ومعرفته على مختلف الأصناف والأنواع لم تكن بعيدة عن العمل في تحبيب المنحى المظلم له وكأنه هو الصحيح المعتمد في الاعتقاد والممارسة ، ومن هنا تستساغ فكرة وجود خالق للكون ، ينجذب إليه الناس ، ويتعرفون دوما على عظمته ، ورأفته بخلقه وتتبين حكمة إنزال الكتب ، وإرسال الرسل ، أتصور لو أن الإنسان تُرِكَ لشأنه وعقله كيف كان سيعيش ويفكر ، وقوله تعالى في أواخر سورة الكهف : ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض…….) هو تصوير صحيح وقريب من المعضلة الوجودية القريبة منا جدا بحكم الماضي ، وما نعيش على وقعه الآن ، وما هو منتظر غدا ، وقديما عبر الشاعر الكبير المتنبي رحمه اللله حين دل على أزلية هذا المأزق الوجودي فقال :

والظلم من شِيَم النفوس فإن تجد
ذا عِفَّةٍ فلِعِلَّة لا يظلم

ولهذا كانت ضرورة الوحي ، وضرورة وجود خالق متحكم لبعث إشارات من الاطمئنان في النفوس ، ولإعطاء العقل فرصته الذهبية في البحث عن المنقذ ، وعن وسائل الإنقاذ التي تسعد جميع الناس بلا تمييز ، ولا اعتبار غير ما يتصل بمزية العبودية والإنسانية الحقة .

وفي ظل هذه المفارقة الواضحة ومن باب توازن المواقف يمكن أن نؤمن ولو على مستوى الخيال والفكر بأن لحظة زمنية ستبزغ مستقبلا على وجود الإنسان ، تخلصه من شقاوته ، ومن تعبه حين يكبر ، ويستطير وتتمدد ويلاته على جميع مناحي الكون ، وإلا سيبقى متطاولا ، ولاهثا من وراء السيادة والتسلط المستند على القوة والخداع ، وتزيين الصور الفاسدة ، وإيجاد شرعية منطقية لها ، عبر مجموعة من
المبادئ البراقة ، والقوانين المصطنعة لتغطية الاعوجاج الملاحظ كما قلت ، ولإشاعة مجموعة من الأفكار الإيجابية كالاتزان والاعتدال والوسط والوسطية ولو في الأذهان والأحلام مخالفة لوقائع الحياة التي تقول بالجنوح والغلو ، ومعاكسة قوانين الوجود في نقائها وصفائها .

هكذا يبدو مشوار الإنسان الكوني ، ونحن لا ننازع في الأعمال النزيهة على قلتها ، ولا نمنع الإنسان من التفكير والتحليل والحلم والبحث عن الوسط والوسطية ، فهذا حق من حقوقه الأصيلة المرتبطة بالحياة ، إنما نريد أن ننبه عن الافتتان بمثل هذه الأفكار وإن وجدت في صيغة ما ، واتخاذها مقياسا للمقارنة بين المواقف ، والنظر إليها من الزاوية المذكورة فقط ، فذلك وهم كبير لن ينشأ عنه في النهاية إلا شيئان متباعدان أشد ما يكون البعد  :

الأول هو التفريط في الحقوق ، والابتعاد عن الذات في وجودها وتطلعاتها المشروعة في تفردها وانتماءاتها ، والذوبان فيما عند  الآخر القوي والمسيطر .

والثاني هو انكماش التفكير ، ووقوعه تحت تأثير ارتجالية محبوكة ، حالمة ومضرة بالبحث والتحليل والتعقل ، لها نفوذ وأدوات معدة سلفا لتطويع الإنسان ، وجعله منهكا وباحثا عن مفقود لن يكون له نفع كبير ومستقر ، بل على العكس سيقود الإنسان إما إلى الاستسلام والإحساس بتشاؤم وجودي من إمكانية العثور على الإنسان المراد المطلوب والمفقود في الآن نفسه ، وإما إلى الانخراط باندفاع شديد ومجانب لكل المعاني السامية في خيال الآدميين للإشادة بالاعوجاج الفطري والفعلي الملاحظ على مستوى الأحداث ووقائع تاريخ وجود الإنسان بكل أشكاله ومعانيه .

شاهد أيضاً

إدماج (الجندر) في المدارس يهدد بقاء الجنس البشري

بقلم / سارة السهيل تحت شعار الحرية والمساواة والانسانية الفضفاضة بلا أية ضوابط تجيئ محاولات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *