في المعرفة..هل يمكن أن نقف مواقف الوسط .؟
مولاي علي الخاميري
25 أكتوبر، 2022
إنجاز : د . مولاي علي الخاميري (أستاذ جامعي )
المعرفة الإنسانية هي عبارة عن تراكم كبير ومختلف من ناحية المضامين والصياغات ، والمواقف المؤثرة في البناء والتصور .
ومع هذا الوضع المتداخل في كل شيء ينبغي طرح السؤال العريض التالي : هل باستطاعتنا أن نعثر ، أو نكتب باتزان على أحوال تبدو في تركيبها ووجودها فاقدة له ، أو نحاول أن ندعي ، ونزين ما ننجزه بطابع الوسط والوسطية ، وكأننا غير بشر مشابه لما مضى ، وما هو قائم ، أو كأننا بشر من طينة جديدة وطارئة على الكون ، وبعبارة أوضح ربما نكون من الشذاج والمغفلين ، لأننا نطلب ما هو مفقود ، ويدخل في مستحيل المستحيل .
هذا رأي أولي يوحي بالحكمة والإقناع للمتتبع بحدود تخشى على الذين ينبهرون كثيرا بمبدأ الوسطية والتعقل الإيجابي وهم يكتبون عن الإنسان ، أو يحللوا آثاره من مأزقين سلبيين :
المأزق الأول هو أن يكونوا من الحالمين ، ومن الباحثين عن وضعية لم تحصل في معرفة الإنسان إلا فيما ندر ، هذا إن سلمنا بوجود الأمر ، وهنا ستبقى مواقفهم بلا تأثير ، أو قليلة الجدوى والنفع لأنها لا تنسجم مع طبيعة الإنسان في التغول والتشرذم ، وتكريس السلبيات المكررة بأوصاف هي هي في المضامين والأفعال .
المأزق الثاني هو أن يتقمصوا دور المتعقل والمتفتح بلا روية وفحص محدد في البدايات والغايات ، أو لنيل مكرمة مقصودة ، من لدن الكُبَرَاء في مجال المعرفة ، أو نظرائهم في مجال التسيير والحكم والنفوذ ، أو يكونوا من المتفتحين انفتاحا سلبيا ، أي على حساب طمس مميزات ذواتهم وهويتهم ، وإرثهم الحضاري ، فينزلقون إلى درجة الممارسين لهوايات بشرية تزعم العمل الجماعي المفيد ، والتعقل الآدمي المفقود .
وكلا الأمرين يتنافى مع مبدأ الوسطية المرجوة ، وإنجازاتُنا في هذا المضمار هي عبارة عن توجيه مقصود ، أو تحوير مرفوض ، فببساطة نبحث عن شيء غير موجود في المعرفة الإنسانية بالشكل المطروح والمطلوب .
وبالمقابل يمكن أن نفهم الوسطية بمفاهيم معينة ومرادة ، أوأن نربطها بما يريده طرف فاعل في المعرفة ، وأن نتخذ من مقاييسه قواعد لتفصيل معاني للوسطية ، وفي كل هذا تحريف ، وجري من وراء الوسط والوسطية بأسس فكرية وتحليلية تقوم على أساس التبني ، وافتراض أنها هي الوسط والوسطية .
فكر الإنسان إذا سلمنا باعتداله واتزانه تتحكم فيه مجموعة من القواعد ، على رأسها أنه ينطلق من الذات ، والذات تفهم على أساس الذوات المتقابلة ، وتحيا على معايير الانتماء في الكر والفر ، والرفض والقبول ، وما سينجزه العقل الذاتي سيكون متأثرا بحدود اللياقة ، أومعاول الهجوم تبعا للمضامين المدروسة ، ومدى قربها ، أو بعدها من مزاج العقول ، وظلال النفوس .
الوسطية في حقيقتها هي نابعة من الميل الشخصي ، والميل له محددات عديدة ، جزء صغير ، وقليل منه يمكن أن نصفه بصفة الاتزان والتعقل ، والأكثرية المتبقية فيها جنون وغطرسة ، ونرجسية ، وادعاءات كاذبة ، ومجانبة للصواب ، والمعرفة المعاصرة أصبحت من أجندة السياسات العالمية ، ومن منتوجات التدبير القائم على التحريف ، والتيئيس ، وبذر بذور التفرقة والتعصب ، يحرص على مضامين المواجهة المستمرة ، والتّوَثُّبِ المنتظر دائما ، مع الإيغال في عوامل القهر والاستعلاء والإلهاء والحرمان…..فكيف لنا أن نبحث في هذا المستنقع الآسن عن الوسط والوسطية ؟! .
الموقف الأخلاقي في الوقت الراهن قد ضعف ، وتحول الإنسان بفقده إلى سلعة من سلع الحياة ، وبصلاحيات محددة ومرادة له ، وللأسف الجانب الفكري والمعرفي قد ساهم مساهمة كبرى في إيجاد هذا الوضع الكئيب ، ودافع عنه باستماتة لا تخلو من تبرير وتعقل ، فالاعتدال والاتزان ، والوسط والوسطية تتخيلها أدمغتنا أنها من مفردات الأزمنة الماضية ، والإنسان المعاصر يحاول أن يشكك في كل ما هو مخالف لقناعاته القائمة ، ويسعى لطمس كل موقف متزن ، وإزاحة كل نجم مضيء في أفق الإنسان المظلم .
وعندما نرجع إلى المحتويات المعرفية المعاصرة سنجد داء التطرف والغلو قد استشرى في جسد المجتمع البشري ، وهناك خلاف في كيفية الحديث عنه ، وإبرازه للوجود ، فالأمم المتقدمة تنادي لنفسها بالأحقية في كل شيء ، وتطرح أفكارها بكل وضوح وغوغائية ، والأمم المغلوبة والمقهورة على أمرها تبحث عن الوسط والوسطية ، وفي ذلك تدليس وانهزام ، وتضييع للوقت ، وتزوير للحق والحقائق .
مثل هذا المشهد المؤلف من عناصر متباعدة في كل شيء ، ومختلفة في البدايات والمآلات سيؤدي بنا إن نحن ظللنا نركض خلفه عن الوسط والوسطية إلى حافة التلفيق ، والعيش في وهم قديم ، صَاحَبَ الإنسان في وجوده الأول ، ولا زال مستمرا معه ، وبإيحاء منه بنى مواقفه ، واتخذ قراراته المصيرية في التسيد والسيطرة والقيادة .
لا أريد أن أظهر للقارئ بأنني مُبالِغ فيما أزعم ، أو أنني متشائم إلى هذا القدر ، ولكن ماقلته ، وما سأقوله لا علاقة له لا بالزعم ولا بالتشاؤم ، وإنما هوحقيقة التاريخ الإنساني الطويل غير المزور ، وعندما سأضرب عما زعمت ، وأنظر إلى الموضوع من زاوية الواقع والوقائع الدالة عليه ، ربما ستظهر لي تجليات كثيرة على صدق ما قلت .
في تقديري ومن جهة رصد أضرار الوسط والوسطية المحتملة ، ومن زاوية إيجابية أقول لو صار العالم بنفَس الوسط والوسطية والاعتدال لما وصل إلى ما وصل إليه من تقدم وتطور كما يلاحظ اليوم ، وحتى إن آمنا بمضامين التعارف كما دعا الله سبحانه لها فإن عمل الإنسان لم يحافظ فيها على ذلك النقاء والصفاء ، والنزاهة ، بل باسم التعارف والتقدم والتطور أُزهِقَت أرواح ، وحدثت كوارث مظلمة ، والأهم أنه تأسس فكر ، وطُوِّرَت معارف من أجل تبرير الذي حدث من ظلم وهيمنة…..فكيف يمكن تصور البحث عن الوسط والوسطية في نماذج هذا المنحى الإنساني المتعثر ؟! .
يعجبني كثيرا من يكون واضحا في موقفه ، ومستندا فيه على دلائل الانحياز لهذا الجانب ، أو ذاك ، وما المؤلفات التي كتبت بدافع إحداث تقارب ما بين النقل والعقل مثلا ، أو مابين النفس والفكر ، أو ما بين السيد السائد والتابع الخنوع إلا دليل واضح على أن تصور وجود نوع من الوسط والوسطية هو بعيد فيما كان وسيكون ، وهو ضرب من الخيال ، أو سراب يحسبه الظمآن ماء فيظل يلهث وراءه حتى يهلك .
ثم لنعد إلى تركيبات الإنسان النفسية والجسدية وما ينتج عنها من أفعال دائمة ومؤثرة في الوجود ، أليس فيها ما يتناقض ويتباعد إلى حدود الاصطدام ، والإنسان مهما أوتي من رزانة فإنه لن يتخلص مما يغلي في دواخله ، والغالب عليه هو فعل الجنوح ، والميل إلى الغلو والتطرف ، ولعله من أسباب وجود الرحمة الربانية المُصَاحِبة له في الخلق والحياة ، تلك الرحمة التي يكون أثرها في تقديري نافعا ومُلاحَظا ومُحدِثا للتوازن الضروري في بقاء الكون واستمرار الحياة ، كما تستفاد منه حقيقة الإنسان المرة في موضعين كبيرين :
الموضع الأول حين وصفه ربه بالعَجول والجَزوع والضعيف ، فالاعوجاج والانعراج السيء الدائم ، في نظر القدَر يجوز في حقه .
الموضع الثاني وهو بقاء باب الرحمة والغفران مفتوحا له بشكل دائم ، مع إحاطته بنعمة الستر ، وتحبيب إمكانية الرجوع إلى الطريق المستقيم ، والترفع عن الزلات المحيطة به ، والمستفادة من خلال معاملاته للناس في حياته .
وفكر الإنسان ومعرفته على مختلف الأصناف والأنواع لم تكن بعيدة عن العمل في تحبيب المنحى المظلم له وكأنه هو الصحيح المعتمد في الاعتقاد والممارسة ، ومن هنا تستساغ فكرة وجود خالق للكون ، ينجذب إليه الناس ، ويتعرفون دوما على عظمته ، ورأفته بخلقه وتتبين حكمة إنزال الكتب ، وإرسال الرسل ، أتصور لو أن الإنسان تُرِكَ لشأنه وعقله كيف كان سيعيش ويفكر ، وقوله تعالى في أواخر سورة الكهف : ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض…….) هو تصوير صحيح وقريب من المعضلة الوجودية القريبة منا جدا بحكم الماضي ، وما نعيش على وقعه الآن ، وما هو منتظر غدا ، وقديما عبر الشاعر الكبير المتنبي رحمه اللله حين دل على أزلية هذا المأزق الوجودي فقال :
والظلم من شِيَم النفوس فإن تجد
ذا عِفَّةٍ فلِعِلَّة لا يظلم
ولهذا كانت ضرورة الوحي ، وضرورة وجود خالق متحكم لبعث إشارات من الاطمئنان في النفوس ، ولإعطاء العقل فرصته الذهبية في البحث عن المنقذ ، وعن وسائل الإنقاذ التي تسعد جميع الناس بلا تمييز ، ولا اعتبار غير ما يتصل بمزية العبودية والإنسانية الحقة .
وفي ظل هذه المفارقة الواضحة ومن باب توازن المواقف يمكن أن نؤمن ولو على مستوى الخيال والفكر بأن لحظة زمنية ستبزغ مستقبلا على وجود الإنسان ، تخلصه من شقاوته ، ومن تعبه حين يكبر ، ويستطير وتتمدد ويلاته على جميع مناحي الكون ، وإلا سيبقى متطاولا ، ولاهثا من وراء السيادة والتسلط المستند على القوة والخداع ، وتزيين الصور الفاسدة ، وإيجاد شرعية منطقية لها ، عبر مجموعة من
المبادئ البراقة ، والقوانين المصطنعة لتغطية الاعوجاج الملاحظ كما قلت ، ولإشاعة مجموعة من الأفكار الإيجابية كالاتزان والاعتدال والوسط والوسطية ولو في الأذهان والأحلام مخالفة لوقائع الحياة التي تقول بالجنوح والغلو ، ومعاكسة قوانين الوجود في نقائها وصفائها .
هكذا يبدو مشوار الإنسان الكوني ، ونحن لا ننازع في الأعمال النزيهة على قلتها ، ولا نمنع الإنسان من التفكير والتحليل والحلم والبحث عن الوسط والوسطية ، فهذا حق من حقوقه الأصيلة المرتبطة بالحياة ، إنما نريد أن ننبه عن الافتتان بمثل هذه الأفكار وإن وجدت في صيغة ما ، واتخاذها مقياسا للمقارنة بين المواقف ، والنظر إليها من الزاوية المذكورة فقط ، فذلك وهم كبير لن ينشأ عنه في النهاية إلا شيئان متباعدان أشد ما يكون البعد :
الأول هو التفريط في الحقوق ، والابتعاد عن الذات في وجودها وتطلعاتها المشروعة في تفردها وانتماءاتها ، والذوبان فيما عند الآخر القوي والمسيطر .
والثاني هو انكماش التفكير ، ووقوعه تحت تأثير ارتجالية محبوكة ، حالمة ومضرة بالبحث والتحليل والتعقل ، لها نفوذ وأدوات معدة سلفا لتطويع الإنسان ، وجعله منهكا وباحثا عن مفقود لن يكون له نفع كبير ومستقر ، بل على العكس سيقود الإنسان إما إلى الاستسلام والإحساس بتشاؤم وجودي من إمكانية العثور على الإنسان المراد المطلوب والمفقود في الآن نفسه ، وإما إلى الانخراط باندفاع شديد ومجانب لكل المعاني السامية في خيال الآدميين للإشادة بالاعوجاج الفطري والفعلي الملاحظ على مستوى الأحداث ووقائع تاريخ وجود الإنسان بكل أشكاله ومعانيه .
2022-10-25