الاستاذة بديعة الراضي تكتب : حين تحصد الدواوير سنوات من الإهمال
ذة. بديعة الراضي
ساعتين مضت
كتب / بديعة الراضي
كلما حل موسم الحصاد، اعتقدنا أن الفلاح سيجني ثمرة صبره، وأن الأرض سترد شيئا من الجميل لمن عاش سنة كاملة يراقب السماء . و في دواوير إقليم اليوسفية، لا يبدأ موسم الحصاد بجمع السنابل، بل يبدأ بجمع الخيبات. هنا لا تحصد الحقول وحدها، بل تحصد سنوات طويلة من الإهمال، ويعاد عد الخسائر نفسها التي تتكرر كل عام حتى أصبحت جزءا من المشهد، وكأن الفقر قدر، والعطش قدر، والطرق المتهالكة قدر، والمرض قدر، والعدل قدر وغياب مدارس القرب قدر ،بل والنسيان قدر ، ولا يحق لأحد الاعتراض عليه.
لقد وصلت إلى القصيبة وأنا أبحث عن نبض الإقليم، فإذا بي أجد وجعا يسبقني إلى كل دوار. الطريق نفسها كانت تحكي الحكاية؛ حفر تتناسل، ومسالك لا تليق بكرامة الإنسان، ومجاري مياه تركها الإهمال ترسم تضاريسها الخاصة، بينما تتزين بعض الواجهات القريبة من السوق الحامي مع اقتراب موسم الانتخابات، وكأن المطلوب هو تزيين الصورة أمام عدسات الحملات، لا إصلاح الواقع الذي يعيشه الناس كل يوم.
في الحقول، كانت السنابل قد نضجت، لكن الحصاد لم يكتمل. ليس لأن الأرض شحت، بل لأن جيوب الفلاحين شحت. كثيرون تركوا محاصيلهم لأن تكلفة الحصاد أصبحت أغلى من المحصول نفسه. رأيت رجالا يبحثون عمن يعينهم على جمع القمح، ونساء يحملن المناجل بدل الأحلام، وأطفالا تحولوا إلى أيد صغيرة تسابق الزمن حتى لا تضيع ثمرة عام كامل. ورأيت من يحفر بأظافره مجرى لماء استخرج بشق الأنفس من بئر تجاوز عمقه مائة متر، ثم كان نصيبه ماء مالحا لا يروي عطش الأرض ولا الإنسان الذي هو مضطر للشرب منه.
هناك، فهمت أن الملوحة ليست في الماء فقط، بل في السياسات التي جعلت الإنسان يعتاد المستحيل.
وفي القصيبة، والجدور، والسبيعات، والخوالقة، وجنان بيه، وفي عشرات الدواوير التي لا تصل إليها الكاميرات إلا في مواسم الاقتراع، لم تكن النساء يفكرن في حرارة الشمس التي تشق الوجوه، ولا في الأجساد التي أنهكها العمل، لأن معركة البقاء أكبر من التفكير في الألم.
هناك، يصبح الوصول إلى الطبيب أمنية، وإلى المدرسة رحلة استنزاف يومية، وإلى الماء معركة لا تنتهي، بينما تغيب أبسط شروط الحياة الكريمة التي يكفلها الدستور قبل أن تعد بها الخطب.
وفي الوقت الذي كان فيه هؤلاء يحاولون إنقاذ ما تبقى من موسمهم الزراعي، كانت هناك مواسم أخرى تحصد في القاعات المغلقة. اجتماعات لرؤساء جماعات الإقليم، لا لمناقشة كيف يصل الماء إلى الدواوير، ولا كيف تعبد الطرق، ولا كيف ينقذ الأطفال من مشقة الدراسة، بل اجتماعات يغلب عليها منطق التغول السياسي، هدفها صناعة أغلبية تمنح مقاعد برلمانية مريحة لمرشحين اختاروا، في تجاربهم السابقة، أن يسكنوا خارج الإقليم، بعيدا عن وجعه، حتى لا تعكر مشاكل اليوسفية صفو إقاماتهم، ولا تفسد استجمامهم في مسابح لا تعرف شيئا عن ملوحة آبار القصيبة، ولا عن عطش الجدور، ولا عن معاناة السبيعات، ولا عن صمت الخوالقة، ولا تطلعات ساكنة بنحمد وولاد معاشو ولا عن انكسارات جنان بيه، ولا عن تلك الدواوير التي دفنت مطالبها الواحدة تلو الأخرى، حتى صار الصمت فيها أعلى من كل الشعارات. المفارقة ليست في أن يمثل الإقليم من هو من خارجه أو من داخله، وإنما في أن يتحول تمثيل الناس إلى غاية في ذاته، بينما يغيب تمثيل آلامهم، ويصبح المقعد البرلماني نهاية الطريق، لا بدايته.
والمؤلم أن النقاش العام يختزل أحيانا في سؤال:
من أين جاء هذا المرشح؟ بينما السؤال الحقيقي هو:
أين كان كل هؤلاء عندما كانت الدواوير تستغيث؟
أين كانوا عندما كانت النساء يقطعن الكيلومترات بحثا عن الماء؟
أين كانوا عندما كان المرضى يسبقهم الألم إلى الموت؟
أين كانوا عندما كان التلميذ يقضي من عمره ساعات في الطريق أكثر مما يقضيها داخل الفصل؟ الجغرافيا ليست المشكلة، وإنما الضمير السياسي. فالانتماء الحقيقي لأي مسؤول لا يقاس بعنوان سكنه، بل بقدرته على حمل هموم الناس والدفاع عنها.
إن موسم الحصاد في اليوسفية لم يعد مناسبة لقياس إنتاج الأرض، بل مناسبة لقياس حجم الفشل في إنتاج العدالة. فالأرض أدت واجبها، والسماء لم تبخل بالمطر، أما من بيدهم القرار، فما زالوا يعيدون إنتاج الوعود نفسها، ويتركون الدواوير تحصد نتائج الإهمال عاما بعد عام. وما أخشاه أن يأتي يوم لا يبقى فيه ما يحصد، لا في الحقول ولا في ثقة الناس، لأن الأرض التي تسقى بالمطر يمكن أن تنبت قمحا، أما الأرض التي تسقى بالخذلان فلا تنبت إلا اليأس.
2026-07-02