الخميس 2 يوليو 2026 - 20:44:54
أخبار عاجلة
سلسلة احدى عظيمات الوطن للكاتب المصري محمد ابراهيم الشقيفي[السفيرةُ / وحيدةُ العياريُ الوزيرُ المفوضُ بوزارةِ الشؤونِ الخارجيةِ التونسيةِ] نائب مدير الـ FBI يزور مركز التعاون الأمني لـ”مونديال 2026″ ويشيد بالشراكة الاستراتيجية والموثوقة مع المغرب مسرح رياض السلطان بطنجة يحتفي بصيف 2026…ببرنامج يوليوز يجمع بين الإبداع الفني والتراث والانخراط المجتمعي صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء تترأس حفل نهاية السنة الدراسية 2025-2026 لمؤسسة للا أسماء شرطة الخميسات تطلق رصاصة تحذيرية لتوقيف شخصين بعدما أقدما على إحداث الضوضاء في الشارع العام طنجة….إجهاض عملية للتهريب الدولي لشحنة  14 ألفا و245 قرصا طبيا مخدرا من أنواع مختلفة لداخل المغرب سلسلة احدى عظيمات الوطن للكاتب المصري محمد ابراهيم الشقيفي [ السفيرةُ الدكتورةُ /عبيرُ بسيوني نائبُ مساعدِ وزيرِ الخارجيةِ المصريةِ ] غياب فضاء إعلامي خاص بالصحافة في المهرجان… تساؤلات حول ظروف عمل الإعلاميين أعلام وأسماء ميزت ذاكرة مدينة سوق أربعاء الغرب [ السي أحمد بن محمد العماري.. لاعب كرة بضمير مراقب ..] رسميًا … المغرب التطواني لكرة القدم يعود إلى قسم الكبار!
الرئيسية / أقلام وأراء / الاستاذة بديعة الراضي تكتب : حين تحصد الدواوير سنوات من الإهمال

الاستاذة بديعة الراضي تكتب : حين تحصد الدواوير سنوات من الإهمال

كتب / بديعة الراضي

كلما حل موسم الحصاد، اعتقدنا أن الفلاح سيجني ثمرة صبره، وأن الأرض سترد شيئا من الجميل لمن عاش سنة كاملة يراقب السماء . و في دواوير إقليم اليوسفية، لا يبدأ موسم الحصاد بجمع السنابل، بل يبدأ بجمع الخيبات. هنا لا تحصد الحقول وحدها، بل تحصد سنوات طويلة من الإهمال، ويعاد عد الخسائر نفسها التي تتكرر كل عام حتى أصبحت جزءا من المشهد، وكأن الفقر قدر، والعطش قدر، والطرق المتهالكة قدر، والمرض قدر، والعدل قدر وغياب مدارس القرب قدر ،بل والنسيان قدر ، ولا يحق لأحد الاعتراض عليه.
لقد وصلت إلى القصيبة وأنا أبحث عن نبض الإقليم، فإذا بي أجد وجعا يسبقني إلى كل دوار. الطريق نفسها كانت تحكي الحكاية؛ حفر تتناسل، ومسالك لا تليق بكرامة الإنسان، ومجاري مياه تركها الإهمال ترسم تضاريسها الخاصة، بينما تتزين بعض الواجهات القريبة من السوق الحامي مع اقتراب موسم الانتخابات، وكأن المطلوب هو تزيين الصورة أمام عدسات الحملات، لا إصلاح الواقع الذي يعيشه الناس كل يوم.
في الحقول، كانت السنابل قد نضجت، لكن الحصاد لم يكتمل. ليس لأن الأرض شحت، بل لأن جيوب الفلاحين شحت. كثيرون تركوا محاصيلهم لأن تكلفة الحصاد أصبحت أغلى من المحصول نفسه. رأيت رجالا يبحثون عمن يعينهم على جمع القمح، ونساء يحملن المناجل بدل الأحلام، وأطفالا تحولوا إلى أيد صغيرة تسابق الزمن حتى لا تضيع ثمرة عام كامل. ورأيت من يحفر بأظافره مجرى لماء استخرج بشق الأنفس من بئر تجاوز عمقه مائة متر، ثم كان نصيبه ماء مالحا لا يروي عطش الأرض ولا الإنسان الذي هو مضطر للشرب منه.
هناك، فهمت أن الملوحة ليست في الماء فقط، بل في السياسات التي جعلت الإنسان يعتاد المستحيل.
وفي القصيبة، والجدور، والسبيعات، والخوالقة، وجنان بيه، وفي عشرات الدواوير التي لا تصل إليها الكاميرات إلا في مواسم الاقتراع، لم تكن النساء يفكرن في حرارة الشمس التي تشق الوجوه، ولا في الأجساد التي أنهكها العمل، لأن معركة البقاء أكبر من التفكير في الألم.
هناك، يصبح الوصول إلى الطبيب أمنية، وإلى المدرسة رحلة استنزاف يومية، وإلى الماء معركة لا تنتهي، بينما تغيب أبسط شروط الحياة الكريمة التي يكفلها الدستور قبل أن تعد بها الخطب.
وفي الوقت الذي كان فيه هؤلاء يحاولون إنقاذ ما تبقى من موسمهم الزراعي، كانت هناك مواسم أخرى تحصد في القاعات المغلقة. اجتماعات لرؤساء جماعات الإقليم، لا لمناقشة كيف يصل الماء إلى الدواوير، ولا كيف تعبد الطرق، ولا كيف ينقذ الأطفال من مشقة الدراسة، بل اجتماعات يغلب عليها منطق التغول السياسي، هدفها صناعة أغلبية تمنح مقاعد برلمانية مريحة لمرشحين اختاروا، في تجاربهم السابقة، أن يسكنوا خارج الإقليم، بعيدا عن وجعه، حتى لا تعكر مشاكل اليوسفية صفو إقاماتهم، ولا تفسد استجمامهم في مسابح لا تعرف شيئا عن ملوحة آبار القصيبة، ولا عن عطش الجدور، ولا عن معاناة السبيعات، ولا عن صمت الخوالقة، ولا تطلعات ساكنة بنحمد وولاد معاشو ولا عن انكسارات جنان بيه، ولا عن تلك الدواوير التي دفنت مطالبها الواحدة تلو الأخرى، حتى صار الصمت فيها أعلى من كل الشعارات. المفارقة ليست في أن يمثل الإقليم من هو من خارجه أو من داخله، وإنما في أن يتحول تمثيل الناس إلى غاية في ذاته، بينما يغيب تمثيل آلامهم، ويصبح المقعد البرلماني نهاية الطريق، لا بدايته.
والمؤلم أن النقاش العام يختزل أحيانا في سؤال:
من أين جاء هذا المرشح؟ بينما السؤال الحقيقي هو:
أين كان كل هؤلاء عندما كانت الدواوير تستغيث؟
أين كانوا عندما كانت النساء يقطعن الكيلومترات بحثا عن الماء؟
أين كانوا عندما كان المرضى يسبقهم الألم إلى الموت؟
أين كانوا عندما كان التلميذ يقضي من عمره ساعات في الطريق أكثر مما يقضيها داخل الفصل؟ الجغرافيا ليست المشكلة، وإنما الضمير السياسي. فالانتماء الحقيقي لأي مسؤول لا يقاس بعنوان سكنه، بل بقدرته على حمل هموم الناس والدفاع عنها.
إن موسم الحصاد في اليوسفية لم يعد مناسبة لقياس إنتاج الأرض، بل مناسبة لقياس حجم الفشل في إنتاج العدالة. فالأرض أدت واجبها، والسماء لم تبخل بالمطر، أما من بيدهم القرار، فما زالوا يعيدون إنتاج الوعود نفسها، ويتركون الدواوير تحصد نتائج الإهمال عاما بعد عام. وما أخشاه أن يأتي يوم لا يبقى فيه ما يحصد، لا في الحقول ولا في ثقة الناس، لأن الأرض التي تسقى بالمطر يمكن أن تنبت قمحا، أما الأرض التي تسقى بالخذلان فلا تنبت إلا اليأس.

شاهد أيضاً

كلام في الرياضة للاعلامي المغربي ذ.حفيظ بنكميل كل يوم ثلاثاء : منتخب يعيد كتابة التاريخ مع وهبي

كتب / الاستاذ حفيظ بنكميل  ليلة البارحة ضد منتخب هولندا لم تكن ليلة عادية ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *