الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 18:04:22
أخبار عاجلة
ابتدئية تمارة تحكم بالسراح لممثل ضبط في خيانة زوجية واعتقال خليلته المتزوجة عاجل …فاس تهنز على جريمة قتل مروعة أقدم خلالها مقاول على قتل زوجته ببندقية صيد مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية تنظم لقاءً إعلامياً بسلا حول صيانة التراث اليهودي.. والدكتور ديفيد جربي ضيفاً رئيسياً ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى ( استاذتي الغالية لالة فاطمة .. مدام الأستاذ المعكشاوي ..) طائرات الدرون والكلاب البوليسية تستنفر الدرك.. حملة تمشيطية ضخمة بغابة 33 ضواحي المحمدية  مدينة سلا تحتضن اللقاء الجهوي المخصص لدعم المقاولات “PACTE TPME EN RÉGIONS”بجهة الرباط  ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى (الاستاذ سمحمد العروي ..ابن الحي ، و رفيق ذكريات الطفولة ..) الوزير بنعبد الله يستقبل الطفلة خديجة بوماليك الفاىزة بجائزة التميز من طرف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي الرجاء الرياضي يعلن انفصال رسميا عن مدربه الإسباني باكو خيميز بعد سبع مقابلات طقس غد الثلاثاء والاربعاء …أجواء غير مستقرة مع تسجيل أمطار وزخات رعدية 
الرئيسية / أقلام وأراء / أوراق من ( وعي وثقافة) للكاتبة والمؤرخة المصرية الدكتورة منال إمام  (جيل يركض طوال اليوم.. لماذا أصبح الاستقرار حلمًا؟)

أوراق من ( وعي وثقافة) للكاتبة والمؤرخة المصرية الدكتورة منال إمام  (جيل يركض طوال اليوم.. لماذا أصبح الاستقرار حلمًا؟)

بقلم /  د. منال امام
هناك جيل يستيقظ كل صباح وكأنه يبدأ سباقًا جديدًا مع الحياة، يركض خلف العمل، ويسعى لتحسين دخله، ويحاول أن يدخر بعض المال، ويحلم ببيت صغير يجمعه بمن يحب، وأسرة ينعم معها بالهدوء والأما لكنه، رغم كل ما يبذله من جهد، يشعر أحيانًا أن خط النهاية يبتعد كلما اقترب منه!
إنه جيل الشباب الذي لا تنقصه الأحلام، ولا تغيب عنه الرغبة في النجاح، لكنه يعيش في زمن أصبحت فيه أبسط مقومات الاستقرار تحتاج إلى سنوات طويلة من السعي والانتظار.
كان الاستقرار في الماضي يبدو هدفًا يمكن الوصول إليه بالتدرج؛ وظيفة توفر دخلًا معقولًا، وبيت يبدأ صغيرًا، وأسرة تكبر مع الأيام، أما اليوم، فقد أصبحت هذه الأحلام أكثر تعقيدًا، فالشاب الذي يريد الزواج يحتاج أولًا إلى عمل مستقر، والعمل وحده قد لا يكفي، والدخل الذي يحصل عليه ربما لا يسمح له بتكوين مدخرات، وتكاليف السكن والزواج والمعيشة تتزايد، حتى أصبح بعض الشباب يشعرون أنهم مطالبون بتحقيق كل شيء في وقت واحد، بينما لا يملكون من الإمكانات ما يساعدهم على تحقيق أبسط البدايات.
والمؤلم أن المشكلة لا تتوقف عند حدود المال، بل تمتد إلى الشعور بعدم الأمان تجاه المستقبل، فالشاب قد يعمل اليوم ولا يعرف إن كان سيحتفظ بعمله غدًا، وقد يحصل على وظيفة لكنه يكتشف أن راتبه لا يواكب احتياجات الحياة، وقد يجتهد في دراسته ويحصل على مؤهل جامعي، ثم يجد نفسه أمام فرص محدودة لا تتناسب مع ما بذله من سنوات وجهد.
وهكذا تتسع المسافة بين ما يحلم به الشباب وما تسمح به الظروف المتاحة أمامهم، يريد أحدهم أن يكون مستقلًا، لكنه يظل معتمدًا على أسرته لسنوات أطول مما كان يتوقع، ويريد آخر أن يتزوج، لكنه يؤجل قراره مرة بعد أخرى حتى لا يبدأ حياته مثقلًا بالديون والالتزامات، وثالث يحمل طموحات كبيرة، لكنه يضطر إلى قبول عمل لا يحبه، أو فرصة لا تناسب مؤهلاته، فقط لأنه يحتاج إلى دخل يعينه على مواصلة الحياة.
ومن هنا، علينا أن نتوقف قليلًا قبل أن نطلق أحكامنا المعتادة على هذا الجيل، فنصفه بقلة الصبر، أو المبالغة في المطالب، أو عدم القدرة على تحمل المسؤولية.
هل سألنا أنفسنا يومًا: ماذا تعني المسؤولية لشاب لا يستطيع تدبير نفقات شهره؟ وكيف نطالبه بتكوين أسرة وهو لا يملك الحد الأدنى من الاستقرار المادي؟ وكيف نطلب منه أن يخطط للمستقبل بينما يستهلك الحاضر معظم دخله وطاقته؟
ليس من العدل أن نقارن شباب اليوم بظروف شباب الأمس، فلكل جيل تحدياته، ولكل زمن حساباته، وما كان ممكنًا بالأمس قد يصبح بالغ الصعوبة اليوم، ليس لأن الشباب تغيروا بالضرورة، وإنما لأن تكاليف الحياة تغيرت، ومتطلبات الاستقرار تضاعفت، وسوق العمل أصبح أكثر تنافسية وتعقيدًا.
ولا يعني ذلك أن نبرر الاستسلام أو نتخلى عن قيمة الاجتهاد والمثابرة، فالشباب يحتاجون إلى الأمل والعمل والإصرار، لكنهم يحتاجون أيضًا إلى من يفهم ظروفهم، ويمنحهم الثقة، ويفتح أمامهم الأبواب بدلًا من الاكتفاء بتذكيرهم بما ينبغي عليهم فعله.
إن مساندة الشباب لا تكون بالكلمات وحدها، وإنما تبدأ من توفير فرص عمل حقيقية، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وتشجيع التدريب المهني، ومساعدة أصحاب المشروعات الصغيرة على البدء والاستمرار، وتوفير برامج تمويل ميسرة للسكن والمشروعات، وتخفيف الأعباء التي تجعل الزواج وتكوين الأسرة حلمًا مؤجلًا لدى كثيرين.
كما أن للأسرة دورًا مهمًا في هذه المرحلة، فليس كل تأخر في الزواج فشلًا، وليس كل شاب لم يستقل ماديًا عاجزًا عن تحمل المسؤولية، أحيانًا يحتاج الابن إلى كلمة تشجيع أكثر من حاجته إلى اللوم، وإلى احتواء يخفف عنه شعوره بالعجز، لا إلى مقارنات تزيد من إحباطه، فالشباب لا يحتاجون دائمًا إلى من يسألهم: لماذا لم تحققوا ما حققه غيركم؟ بل يحتاجون إلى من يسألهم: كيف يمكننا المساعدة حتى تحققوا ما تتمنونه؟
ومن المهم أيضًا أن نعيد النظر في مفهوم النجاح الذي نقدمه للأجيال الجديدة، فليس النجاح أن يمتلك الشاب سيارة أو بيتًا في سن مبكرة، وليس من الضروري أن تتحقق كل الأحلام وفق جدول زمني يضعه المجتمع. النجاح الحقيقي أن يجد الإنسان طريقًا كريمًا للحياة، وأن يعمل دون أن يفقد صحته، ويحلم دون أن يشعر بالخجل من أحلامه، ويخطو إلى المستقبل دون أن يخشى في كل لحظة أن يفقد ما بناه.
وأكثر ما يحتاجه هذا الجيل هو أن يشعر بأن المجتمع يقف إلى جانبه، لا أنه يحاكمه على نتائج لم تتوافر له دائمًا أسباب تحقيقها، فالشاب الذي يكدح طوال اليوم، ويعود إلى بيته مرهقًا، ويواصل التفكير في الغد، ليس بالضرورة شابًا متذمرًا أو قليل الطموح، ربما يكون إنسانًا يحاول بكل ما لديه ألا يخيب أمله وأمل أسرته فيه.
علينا أن نتذكر أن الشباب ليسوا مجرد مرحلة عمرية عابرة، بل هم طاقة المجتمع ومستقبله، وهم الذين ننتظر منهم أن يعملوا وينتجوا ويبنوا أسرًا ويربوا أجيالًا جديدة، وإذا أردنا منهم أن يتحملوا المسؤولية، فعلينا أن نمنحهم ما يعينهم عليها، وأن نفتح أمامهم مسارات حقيقية للعمل والاستقلال والحياة الكريمة.
فلا يكفي أن نقول للشباب: اصبروا واجتهدوا وتحملوا المسؤولية، بل علينا أن نسأل أنفسنا: هل وفرنا لهم الفرصة العادلة التي تجعل الصبر مثمرًا، والاجتهاد مجزيًا، والمسؤولية ممكنة؟
إلى كل شاب يركض اليوم خلف حلمه، ولا يعرف متى يصل إليه: لا تقسُ على نفسك، ولا تظن أن تأخر بعض خطواتك يعني أنك تأخرت عن الحياة، أنت لست مطالبًا بأن تحقق كل شيء دفعة واحدة، ولا أن تشبه أحدًا في طريقه أو توقيته، يكفي أنك تحاول، وأنك لم تتخلَّ عن حلمك رغم ما تواجهه من صعوبات.
ونحن، كمجتمع، علينا أن نكون أكثر رحمة بهذا الجيل، وأن نرى خلف صمته قلقًا، وخلف انشغاله تعبًا، وخلف تأجيل أحلامه أسبابًا تستحق الفهم.
فمن حق الشباب أن يحلموا ببيت، وعمل، وأسرة، وحياة مستقرة، ومن واجبنا ألا نترك هذه الأحلام بعيدة المنال.
فالشباب لا يريدون من الحياة المستحيل، إنهم يريدون فقط فرصة عادلة ليبدأوا حياتهم، وألا يظلوا يركضون طوال العمر بحثًا عن استقرار كان ينبغي أن يكون بداية الطريق، لا نهايته.

شاهد أيضاً

خواطر من (أنا والحياة) للكاتبة والاديبة المصرية الاستاذة سناء شمس الدين(النفوس الزائفة)

كتب / سناء شمس الدين  للأسف، بعض الأشخاص يتعاملون باستخفاف مع فكر الآخرين ومشاعرهم، وكأن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *