ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى (المرحوم الحاج التهامي منان..مدرسة العلم والرحم.)
هيئة التحرير
12 ساعة مضت
ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى
بعد نجاح وتميز مجموعة من البرامج والأفكار التي لها علاقة بمدينة سوق أربعاء الغرب باقليم القنيطرة وهي مجهودات لبحث مهني خاص وحصري لاعلاقة له بصحافة التفاهة بل بإعلام مغربي مهني جاد وهذا هو نهج جريدة الرباط نيوز كمنبر له قيمته ورسالته المهنية . ..
اليوم وتزامنا مع موسم الدخول المدرسي تنطلق جريدة الرباط نيوز وبإعداد واجتهاد من الاستاذ الباحث سلام بنية في نشر سلسلة يومية حصرية عبارة عن ذكريات ومذكرات مدرسية تعليمية قيمة نتمنى أن تنال الإعجاب وتقدم الجديد والممتع..

المرحوم_الحاج_التهامي_منان..
مدرسة_العلم_والرحم.
كتب/الاستاذ سلام بنية
هناك أشخاصٌ نعبر معهم مرحلةً من حياتنا و نحن لا ندرك قيمتهم الحقيقية ، ثم تمضي السنوات ، فنعود إلى ذكراهم و قد تغيّرت نظرتنا إليهم ، و اختلفت قراءتنا لما كان يحدث بيننا و بينهم ..
و من هؤلاء ، المرحوم الحاج التهامي منان ، رحمه الله ، ذلك الأستاذ الفاضل الذي درّسني في القسم الخامس ابتدائي .
كنت ، في ذلك الزمن ، أتجنب الحديث عنه قدر الإمكان ، و كل ما كنت أتمناه أن تمر السنة الدراسية سريعًا . لكن الأيام في قسمه كانت تمر بطيئةً و ثقيلة ، و كأن الحصة الواحدة تمتدّ عمرًا كاملًا ..!
و كانت سعادتي تبلغ ذروتها بأبسط الأشياء .. حين أسمع أن الأستاذ مريض ، أو أنه غاب عن إحدى الحصص ، فأشعر و كأن فرحةً كبيرة قد نزلت على قلبي ..!
أما أثناء حصته ، فكان همّي الوحيد أن أسمع رنين الجرس معلنًا نهاية الدرس ، حتى أتنفس الصعداء و أهرب من عصاه و من أسئلته التي كانت لا ترحم ..!
كنت كثيرًا ما أكون أول من يقع تحت مرمى سؤاله و عقابه ، و لم تكن شدته معي بلا سبب . فقد كان يعرف أنني واحد من أبنائه ، و أن أحدًا من أسرتي لن يأتي يوما ليعاتبه أو يلومه ، لأنه كان قريبًا منا .. فهو ابن عم والدتي ، رحمها الله، و قد تربّى في بيتنا وبين أفراد أسرتنا ..
و لذلك كانت صرامته معي أشد ، و ربما أقسى من صرامته مع غيري ..
كنت أراها آنذاك قسوةً لا تُحتمل ، و لم أكن أفهم أن وراء تلك القسوة محبة ، و حرصًا ، و تربية ، و دروسًا ستكشف لي الأيام معناها الحقيقي ..
و حين التحقت بالمرحلة الإعدادية ، اتخذت قرارًا طفوليا . :
ألا أسلّم عليه ، و أن أتجنب مواجهته في الشارع ..!
و فعلت ذلك فعلًا ..
كنت أهرب من رؤيته ، لأن ألم الماضي ، كما كنت أراه حينها ، كان لا يزال يرافقني كلما صادفته ..
لكن الزمن يفعل بالإنسان ما لا تفعله السنوات الدراسية كلها ..
مرت الأعوام ، و كبرنا ، و تغيّرت ملامحنا ، و غطّى الشيب رؤوسنا ..
و شاءت الأقدار أن أجلس ذات يوم بالقرب منه في منزله ، خلال مناسبة عقيقة حفيدته ، ابنة ولده أشرف ..
كان جالسا بهدوئه المعهود ، بينما كنت أحاول ألا ألفت انتباهه ، و بعد تردد طويل نظرت إليه مليًا ..
لكنه لم يتعرف إليّ ..!
اقتربت منه و قلت بصوت خافت ..:
★_أستاذي الفاضل .. ألم تتعرف عليّ ..؟
رفع عينيه إليّ ، بنظرته الهادئة التي لم تتغير كثيرًا ، و قال ببرود ..:
★_لا… لا…!
ابتسمت و قلت ..:
★_أنا ابن الشريفة لالة خدوج الصيبارية ..
ما إن سمع اسم والدتي حتى تغيّرت ملامحه .
رتّب جلسته ، و بدا عليه استغراب أكبر ، ثم سألني ..:
★_و أين هي أمك ..؟
أجبته بصوت متهدّج ..:
★_ماتت…!
عندها أدار وجهه إلى الناحية الأخرى ، و وضع رأسه على صدره ، و كأن كبرياءه كان يمنعه من أن أرى دموعه ..
ثم عاد ينظر إليّ ، و لكن هذه المرة بنظرة مختلفة تمامًا .. نظرة امتزج فيها الحزن بالحنين ، و قال بصوت خافت ، حنون ، مثقل بالذكريات ..:
★_أنت سلام…!
لم أجب ..
ولم يُعد السؤال ..
و كأن الكلمات توقفت بيننا ، لكن الرجل واصل حديثه مع نفسه ، مسترجعًا صورةً قديمةً لم تغادر ذاكرته ، و همس متحسرًا ..:
★_رحمة الله عليك … آلالة خدوج …!
في تلك اللحظة ، شعرت أنني أمام رجل آخر غير ذلك الأستاذ الذي كنت أخشاه في طفولتي .
خرجت من عنده وأنا أحمل في قلبي مزيجًا من الرضا و الحنين ، و أعيد قراءة مرحلة كاملة من طفولتي بطريقة مختلفة .
فما كنت أراه يومًا قسوة ، أدركت بعد سنوات أنه كان يحمل شيئًا من المحبة و الحرص و التربية ..
و ما كنت أراه عقابًا ، صار في ذاكرتي درسا من دروس الحياة ..
فـالزمن قد يمحو الكثير من التفاصيل ، لكنه لا يمحو القرابة ، و لا يمحو محبة الدم ، و لا يمحو الذكريات الصادقة التي تسكن أعماق القلب ..!!!
2026-09-26