محمد لمين ولينا ماءالعينين يكتب: المال الانتخابي بين العجز عن محاربة الظاهرة إلى أداة لإدارة المشهد السياسي
د. محمد لمين ولينا ماء العينين
8 ساعات مضت
بقلم / الأستاذ محمد لمين ولينا ماءالعينين
في الظاهر، يبدو استعمال المال في الانتخابات ظاهرة تضر بنزاهة العملية الديمقراطية، وتحوّل المنافسة السياسية من صراع بين البرامج والأفكار إلى منافسة في القدرة على الإنفاق واستمالة الناخبين. والقانون المغربي نفسه يجرّم الحصول على الأصوات بواسطة الأموال أو الهبات أو الوعود بالمنافع أو الوظائف، كما يحمّل العقوبة أيضاً لمن يقبل هذه المنافع أو يتوسط فيها أو يشارك فيها.(المادة 219 من القانون الجنائي)
???? لكن ثمة قراءة سياسية أخرى تطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل يمكن أن يتحول التغاضي عن المال الانتخابي، في بعض السياقات، من مجرد عجز عن ضبط الظاهرة إلى آلية لإدارة المجال السياسي نفسه؟
هذه ليست حقيقة يمكن الجزم بها من دون أدلة مباشرة على قرارات أو تعليمات رسمية، وإنما هي فرضية تحليلية تستحق النقاش، خصوصاً عندما يصبح استعمال المال ظاهرة متكررة ومؤثرة في تشكيل النخب والتمثيلية السياسية.
وفق هذه القراءة، قد يكون من مصلحة السلطة القائمة ــ إذا افترضنا وجود مثل هذا الخيار السياسي ــ ألا تُغلق جميع الأبواب أمام أصحاب النفوذ المالي والانتخابي، لأن المال يمكن أن يؤدي أدوار سياسية تتجاوز مجرد شراء الأصوات.
أول هذه الأدوار هو قطع الطريق أمام المناضلين الحقيقيين.
فالسياسي الذي يدخل الانتخابات اعتماداً على التنظيم، والثقة الشعبية، والعمل الميداني، والقدرة على بناء خطاب مستقل، قد يشكل، في بعض السياقات (خاصة الوضعية الاستثنائية لمناطقنا التي تتكرر علينا يوميا)، عنصراً يصعب التنبؤ بمواقفه بعد وصوله إلى المؤسسات. أما المرشح الذي يعتمد أساساً على شبكة من المصالح والولاءات المالية، فقد يصبح أكثر ارتباطاً بشبكته الانتخابية وأكثر قابلية للدخول في علاقات تفاوضية مع مراكز النفوذ. ومن هذه الزاوية، لا يعود المال مجرد وسيلة للفوز، وإنما يصبح وسيلة لتصفية نوع معين من المنافسين وإعادة إنتاج نوع آخر من النخب.
ثانيها رفع نسبة المشاركة وإنتاج صورة انتخابية قابلة للتسويق.
فالانتخابات لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي أفرزتها، وإنما أيضاً بحجم المشاركة فيها. وكلما ارتفعت نسبة المشاركة، أمكن تقديم النتائج باعتبارها تعبيراً عن انخراط أوسع للسكان في المؤسسات المنتخبة. ولذلك يمكن، في إطار هذه الفرضية، النظر إلى شبكات التعبئة المرتبطة بالمال باعتبارها قادرة على تحريك كتلة انتخابية ربما لا تنخرط في السياسة عادةً إلا عندما تكون هناك منفعة مباشرة أو علاقة شخصية أو مصلحة محلية.
ثالثها إنشاء خزان انتخابي يمكن توجيهه سياسياً.
فالسياسي الذي يمتلك شبكة واسعة من الناخبين لا يملك بالضرورة مشروعاً سياسياً مستقلاً؛ فقد يصبح، بدلاً من ذلك، جزءاً من شبكة أوسع من التحالفات الحزبية والانتخابية. ومن هنا تنشأ فكرة «الخزان الانتخابي»: كتلة من الأصوات يمكن أن تؤثر في نتائج الانتخابات وتساهم في تشكيل المجالس والمؤسسات محليا وخاصة وطنيا، ثم تدخل لاحقاً في ترتيبات وتحالفات تساعد على استمرار نفوذ قوى سياسية بعينها على المستوى المركزي. فأغلب بارونات الانتخابات لا تترشح إلا بالأحزاب التي عندها علاقة مباشرة بالإدارة(البام، الأحرار والاستقلال بمستوى أقل)
رابعها أن الفساد قد يتحول إلى وسيلة للسيطرة على الفاعل السياسي نفسه.
وهذه من أخطر الفرضيات في هذا التحليل. فإذا دخل المرشح في شبكة من المخالفات أو التجاوزات المالية، فإن استقلاله السياسي قد يتراجع بقدر ازدياد اعتماده على شبكات الحماية والمصالح. وفي هذه الحالة، لا يكون التحكم فيه ناتجاً عن ولائه الأيديولوجي أو الحزبي، وإنما عن هشاشته السياسية والقانونية.
وهنا تظهر المفارقة: قد يبدو بارون الانتخابات قوياً أمام الناخبين، لكنه قد يكون أكثر هشاشة أمام مراكز النفوذ التي تستطيع التأثير في مستقبله السياسي.
أما الوظيفة الخامسة، والأكثر ارتباطاً بالسياق المحلي الخاص، فتتعلق بإعادة هيكلة المجال السياسي والاجتماعي على المدى الطويل. فإذا كان هناك تصور مستقبلي لنظام من الحكم الذاتي في المنطقة، فإن السؤال يصبح: أي نخبة سياسية واجتماعية ستجد نفسها مؤهلة لقيادة المؤسسات المحلية في ذلك المستقبل؟ ومن ثم يمكن، على مستوى الفرضية، النظر إلى تشكيل النخب الحالية باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة، وإبراز شخصيات وشبكات سياسية بعينها.
في النهاية، لا تكمن خطورة المال الانتخابي فقط في أنه يفسد لحظة التصويت، وإنما في إمكانية أن يؤثر، إذا أصبح واسع الانتشار، في نوعية النخب التي تصل إلى المؤسسات، وطبيعة العلاقات التي تربطها بالناخبين والأحزاب ومراكز النفوذ.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط: من اشترى الأصوات؟ وإنما أيضاً: أي نوع من السياسيين تنتج عنه بيئة انتخابية يصبح فيها المال أكثر تأثيراً من الفكرة، والشبكة أكثر أهمية من البرنامج، والولاء الشخصي أقوى من الاستقلال السياسي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال، وهذا عمل الباحثين بدعم من إرادة سياسية، تتطلب الانتقال من الانطباعات والخطاب السياسي إلى دراسة ميدانية موثقة: تتبع مصادر تمويل الحملات، ورصد شبكات المرشحين، وتحليل الانتماءات الحزبية، ومقارنة النتائج الانتخابية بمستويات المشاركة، ودراسة القضايا القضائية المرتبطة بشراء الأصوات. عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كان المال الانتخابي مجرد ظاهرة فساد انتخابي، أم أنه أصبح أيضاً جزءاً من آلية أوسع لإعادة إنتاج النخب السياسية.
2026-09-20