قراءة في المشهد النقابي بقطاع الصحة: محاولة في تصنيف الفئات والتوجهات
بوشعيب شكير
5 أكتوبر، 2024
بقلم / بوشعيب شكير *
أولا أريد أن أشير في البداية الى أني ضد تصنيف الناس وإصدار الأحكام عليهم لأنني لست ملاكا ولا نبيا معصوما وكل واحد منا له أهواؤه وأخطاؤه وزلاته وهفواته .
ثانيا كان في نيتي أن أكتب هذا المقال منذ مدة حتى أضع النقاط على الحروف، لكني تحفظت مرارا احتراما لاختيارات مجموعة من الزملاء المناضلين في الساحة النقابية الصحية، ولولا مغالاة بعض المحسوبين على النضال النقابي زورا لما تجرأت إلى الجهر بهذه الحقيقة الصادمة لأتبرأ من هذا العمى والخرف والمسخ النقابي الذي وصلنا إليه، وليعرف كل واحد حجمه ومكانته وموقعه والفئة التي ينتمي إليها. وبالتالي هل فعلا يساهم من موقعه في تعزيز الحقوق والحفاظ على المكتسبات أو هو مجرد أداة من أدوات الإجهاز على المكتسبات و تخريب ما تبقى منها .
يمكن تصنيف فئات المناضلين بقطاع الصحة إلى أربع فئات:
الفئة الأولى: فئة المناضلين المنتمين للأحزاب السياسية المنخرطة في توافقات سياسية كبرى مع الدولة وتساعدها على ضمان السلم الاجتماعي وضبط الساحة الاجتماعية بمناورات «الحوار الاجتماعي» وشتى آليات «الوساطة والشراكة الاجتماعية»، والتي تشرعن هجومات الدولة على الخدمة الصحية العمومية وإملاءات المؤسسات المالية الدولية.
وهذه الفئة لا تملك قرارها وخرجاتها وإضراباتها ونضالاتها موجهة ومتحكم فيها ومحسوبة ومدروسة من حيث التوقيت والسياق وتتحرك بـ”التليكومند”. هذه الفئة هي التي تتصدر المشهد النقابي وتتلقى كل أشكال الدعم السياسي والإعلامي والمالي. غالبية مناضلي هذه الفئة تقتات من فتات مؤسسات الريع السياسي والنقابي والإداري لا تهمها الشغيلة ولا مطالب المواطن المغربي، بل يهمها أكثر ما ستحققه من مصالح ومنافع ومواقع .
هذه الفئة تمارس كل أشكال التضليل والتغليط والتحايل على الشغيلة الصحية عبر الترويج للأكاذيب والمغالطات في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام.
البعض داخل هذه الفئة يمارس نوعا من “المعارضة الموجهة ” وله حساباته الخاصة. وهذا من حقه في إطار الصراع والتموقع النقابي .
لا يمكن التعويل على هذه الفئة، حيث جربناها وتتحمل مسؤولية كبيرة فيما يقع الآن وهي جزء من المشكل وليست جزء من الحل. ومن يراهن عليها لا يمكن إلا أن نصفه بالغباء والبلادة لأن تجريب المجرب خطأ والتصحيح بالملوث خطأ مرتين .
الفئة الثانية: فئة غير حاملة لمشروع سياسي غالبيها تنتمي لنقابات فئوية. سقف مطالبها محدود لا يتجاور بعض المطالب الخبزية ( تعويضات- زيادات- -ترقيات -سنوات اعتبارية). هذه الفئة تريد فقط الضغط لتحسين وضعية المنتسبين إليها. هذه الفئة مؤثرة في الساحة الصحية بفعل قوتها العددية لكنها سهلة الاحتواء لأنه يمكن تلبية جزء من مطالبها المادية والإدارية. خطاب هذه الفئة بدأ يفقد بريقه ومصداقيته خاصة بعد انتقالها من مجال التنظير إلى محك الممارسة، وبعد توريطها في اتفاق إنشائي تراجعي وفارغ من المعنى وغير واضح المعالم.
هذه الفئة ساهمت بوعي أو غير وعي في تشتيت الجهود داخل القطاع وإضعاف الحركة النقابية، بل إلهاء جزء كبير من القاعدة الصلبة للقطاع في نقاشات ومعارك صغيرة وثانوية لا تغني ولا تسمن من جوع عوض طرح الملفات والقضايا الكبرى. فالنضال الفئوي أبان عن حدوده في سياق هجوم شامل على الخدمات الاجتماعية العمومية، وتفكيك كافة مكونات الوظيفة العمومية (الإضراب-المعاشات-التقاعد-التغطية الصحية -استقرار العمل).
الفئة الثالثة: وهي الفئة العريضة والسواد الأعظم من الموظفين بجميع فئاتهم والتي يمكن أن نطبق عليهم نظرية سيكولوجيا الحشود لكوستاف لوبون . وهذه الفئة يمكن أن نطلق عليها كذلك الفئة المنساقة أو المنقادة. وهي الفئة التي من السهولة التلاعب بعقولها. هذه الفئة هي مجرد تابعة ولا رأي ولا موقف لها لأنه ينقصها الوعي السياسي والنقابي بسبب سياسات محاربة الفهم المتبعة. وبالتالي هي تستعمل كحطب في معارك لا تعرف خلفياتها ومآلاتها ولا تعلم بدايتها ولا نهايتها .
الفئة الرابعة: تتكون من مجموعة من النقابيين المتمرسين المشهود لهم بالنزاهة والإستقامة .لهم تكوين سياسي ونقابي متين ومحترم ومواقف تاريخية مشرفة وقراءة رصينة للوضع السياسي والاجتماعي الراهن. تتابع عن كثب تطورات وتحولات الشأن العام الوطني والشأن الصحي منذ سنين، تمتلك أدوات الفهم والتحليل والاستشراف. لكن تأثيرها محدود في الزمان والمكان ولا تمتلك الوسائل والقوة اللازمة لإيصال وفرض رأيها. جزء من هذه الفئة فضل الانسحاب من الحياة النقابية لعدم الرضى بالقيام بأداء “فولكلوري”، في الوقت الذي ينصرف فيه اللاعبون الحقيقيون إلى رسم خطط اللعب وميادينه. وجزء آخر يعي أن الوضع صعب وشديد التعقيد لكنه لازال يقاوم ولو بالفضح والتوعية والتثقيف من أجل اكتساب الوعي الضروري إزاء مخططات الدولة، وما تنهجه من سياسات.
هذه الفئة ترفض الانخراط في جوقة المطبلين لسياسة الوزارة الحالية التي هي مجرد تتويج لمسلسل طويل من “الإصلاحات” المملاة من طرف المؤسسات المالية الدولية والمانحين الكبار. والجميل عند هذه الفئة هو أن ضميرها مرتاح لأنها تصارح الناس وترفض دغدغة المشاعر وممارسة التغليط والتلاعب بالعقول واستغلال الأزمات من أجل تحقيق مصالح ضيقة ومنافع دنيوية فانية .
وفي الأخير أريد أن أؤكد أنه ليس الهدف هنا تصفية حساب مع مواقف سابقة، أو مجابهة مواقف راهنة، وليس الهدف أن يُتفّه أو يُقزّم أحد. لأن المطلوب هو التعلّم الصادق من أجل إعادة الاعتبار للعمل النقابي النزيه وحتى لا يذهب المناضلون والمهتمون بالشأن النقابي إلى طريق الانقسام والتشرذم والتفرقة، وحتى يحافظ المبدئيون على مبدئيتهم والمناضلون على نضاليتهم.
والأهم أن يعي الجميع أن سفينة العمل النقابي بدأت تغرق لأنه يقودها مجموعة من التافهين والتائهين، فاقدي البوصلة، وأنه حان الأوان أن نقف وقفة صادقة مع ذواتنا كخطوة أولى على طريق استرجاع النقابات لوظيفتها ورسالتها النبيلة بعد أن توغلت قياداتها في مساعدة الدولة على تمرير خططها التخريبية إزاء الشغيلة. لكنها تبقى خطوة فقط… فلا يكفي أن تقتنع هذه الفئة أو تلك، بل يجب التفكير الجماعي في صيغ وأشكال بديلة لتنظيم وتوحيد الجهود والصفوف لأنه لا يمكن وقف مخططات تفكيك الخدمات العمومية وضرب حقوق ومكاسب شغيلة الصحة سوى بالنضال الوحدوي الحقيقي على أرضية مطلبية صلبة تحدد بوصلة النضال المشترك بين مكونات الشغيلة الصحية .
أنا على ثقة تامة أن من يقرأ هذا المقال سيقول لي هذه مجرد صيحة في واد، لكن من جهة أخرى اعتقد أنه لا خير إن لم أقل كلمة الحق وأقدم النصح لزملائي في مختلف النقابات الصحية ولا خير فيهم إن لم يسمعوا هذا النصح ويأخذوه على محمل الجد .
وكما قال عبد الرحمان الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”: “كلمات حق، وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح فقد تذهب غدًا بالأوتاد.”
*عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية لقطاع الصحة الكونفدرالية العامة للشغل CGT santé
2024-10-05