الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 - 12:07:36
أخبار عاجلة
ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى ( مدرسة ادريس الأزهر .. او ما كانت تسمى مدرسة السي ع القادر ..) توقيف سيدة بطنجة انتحلت صفة شرطية..وهذه التفاصيل الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء يأمر بفتح بحث قضائي على خلفية تصريحات محمد أوزين بشأن التجسس على الهواتف بالفيديو : كواليس انطلاق الحملة الانتخابية لحزب الاتحاد الدستوري من اليوسفية ..ابتدأت من ساحة ميني بارك برهان التواصل والتغيير ومنافسة الكبار بدائرة الرباط شالة ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى (مدرسة الليمون الفلاحية .. الذاكرة التي أُعدمت…!) أمن أصيلة يطيح يمروج للكوكايين مبحوث عنه وطنيا  انتخاب المتوكل نائبة لرئيس الاتحاد الرياضي للتضامن الإسلامي ذكريات مدرسية من سوق أربعاء الغرب تحمل قصص لا تنسى ( مدرسة السيدة زينب بسوق الأربعاء ..من مجد التأسيس الملكي إلى طيات النسيان..!) توقيف سارقي سرقة دراجتين ناريتين كانتا مستوقفتين بالشارع العام بمدينة ابن أحمد، الدار البيضاء ..توقيف سيدة وصيدلاني ومساعده في  قضية تتعلق بترويج المخدرات والمؤثرات العقلية
الرئيسية / أقلام وأراء / حلقات من سلسلة انتحار مراهقة للكاتبة المغربية بشرى الظالم ( ودعا يا بيتا عذبني…إلى روح جنات)

حلقات من سلسلة انتحار مراهقة للكاتبة المغربية بشرى الظالم ( ودعا يا بيتا عذبني…إلى روح جنات)

ودعا يا بيتا عذبني…إلى روح جنات

بقلم / الاستاذة بشرى الظالم 

أنا نيلوفر، أكتب هذه الرواية لا لأنني أملك القدرة على تفسير ما حدث، بل لأن بعض الحكايات لا تموت حين تنتهي حياة أصحابها؛ بل تبدأ، بعد رحيلهم، في مطاردة ضمائرنا
كانت جنات تشبهني في شيءٍ واحدٍ موجع: كلتانا نشأت دون إخوة. غير أن التشابه بيننا كان يتوقّف عند هذه النقطة. أنا كبرت في أسرةٍ عرفت الرحمة، ووجدت في البيت يدًا تمتدّ لتحميني، وصوتًا يناديني بحنان، وحضنًا أعود إليه كلما أتعبتني الحياة. أمّا جنات، فقد كبرت في بيتٍ بارد، لا ينقصه المال، لكن تنقصه الرحمة؛ بيتٍ كان ينبغي أن يكون ملجأها، فتحوّل إلى مكانٍ تخاف فيه من خطوات أمّها، وترتجف فيه من صوت أبيها
كانت طفلةً بجسدٍ صغير، لكن الألم الذي حُمّلته كان أكبر من عمرها، وأقسى من قدرتها على الاحتمال. تعرّفت إلى الجوع قبل أن تعرف معنى الحرمان، وإلى الإهانة قبل أن تفهم لماذا يُفترض أن يكون الوالدان مصدرًا للأمان. كانت تُعاقَب دون ذنب، وتُوجَع دون تفسير، وتنام كل ليلةٍ وهي تحمل في صدرها سؤالًا لم تجد له جوابًا
**لماذا لا يحبّني أبي وأمّي؟**
لم تكن جنات تبحث عن حياةٍ عظيمة، ولا عن بيتٍ فاخر، كانت تريد شيئًا بسيطًا، شيئًا يشبه حقّ كل طفل: وجبةً دون خوف، وكلمةً دون إهانة، وحضنًا لا يتبعه عقاب، وأمًّا تقول لها: «ابنتي»، وأبًا يقف بينها وبين قسوة العالم، لا أن يكون هو القسوة نفسها
لكنّ العالم خذلها، والبيت الذي كان يجب أن ينقذها لم يفعل. وحين عجز جسدها الصغير عن مقاومة المزيد، وحين أثقل الصمت روحها حتى لم تعد قادرةً على الصراخ، غادرت جنات إلى دار البقاء، تاركةً وراءها حكايةً لا يجوز أن تُقرأ ببرود
قبل أن تبدأوا القراءة، أرجوكم، ترحّموا على روح جنات. اذكروا طفولتها بدعوةٍ صادقة، واقرؤوا هذه الصفحات لا بوصفها مأساةً عابرة، بل شهادةً على ألمٍ قد يعيشه أطفالٌ آخرون خلف أبوابٍ مغلقة
هذه الرواية ليست اتهامًا لطفلةٍ رحلت، بل سؤالٌ موجّهٌ إلى كل أمٍّ قاسية، وكل أبٍ ظالم، وكل من رأى الألم واختار الصمت
**كم طفلًا يجب أن ينكسر حتى نفهم أن العنف ليس تربية، وأن الإهانة ليست حقًّا، وأن البيت بلا رحمة قد يكون أشدّ قسوةً من العالم كلّه؟**

إلى روحكِ يا جنات…
سلامٌ على قلبكِ الذي لم يجد في الأرض من يرحمه
وسلامٌ على طفولتكِ التي انتهت قبل أوانها
ولعلّ الله، أرحم الراحمين، قد عوّضكِ عن كل دمعةٍ خذلها البشر، وعن كل وجعٍ لم يسمعه أحد
**رحم الله جنات، وجعل مثواها دارًا لا خوف فيها، ولا جوع، ولا صفعات، ولا قلوبًا قاسية**

سأخبر الله بكل شيء يا أمي
سأخبره عن تلك الصباحات التي كنتُ أذهب فيها إلى المدرسة خاليةَ المعدة، مثقلةَ القلب، أبتلع دموعي بدل الخبز، وأرتدي ابتسامةً مستعارة كي لا يسألني أحد: ما بكِ؟
سأخبره عن الصفعات التي كانت تهوي على وجهي الصغير دون ذنب، وعن يديكِ حين كانتا ترفعان الألم فوق رأسي بدل أن ترفعا عنّي الخوف. سأخبره عن الكلمات التي مزّقتني أكثر من الضرب، وعن صمتي الذي ظننتموه طاعة، بينما كان في الحقيقة استغاثةً لم يسمعها أحد
سأخبر الله عن الجوع الذي عشته في بيتٍ لم يكن ينقصه الطعام، وعن الحرمان الذي لم أفهم له سببًا. كانت الموائد تُجهَّز، والأطباق تُملأ، لكن نصيبي كان الانتظار…
ثم النوم بطنٍ فارغ، وقلبٍ يسأل: أيُّ ذنبٍ اقترفته حتى أُعاقَب هكذا؟
سأخبره أنكِ لم تحتضنيني يومًا، ولم تمسحي دمعةً عن خدي، ولم تناديني بذلك الاسم الذي كنتُ أشتاق إليه أكثر من أي شيء *يا ابنتي*
كنتُ أبحث في صوتكِ عن أمّ، وفي عينيكِ عن رحمة، وفي بيتكِ عن أمان…
فلم أجد إلا أبوابًا مغلقة، ووجوهًا عابسة، وظلًّا طويلًا من الخوف يلاحقني حتى وأنا نائمة
سأخبر الله كم كنتُ صغيرةً على كل ذلك. لم أكن أفهم الحياة، ولا قسوتها، ولا لماذا يتحوّل الحضن إلى تهديد، والبيت إلى سجن، والأم إلى امرأةٍ ترتجف ابنتها كلما سمعت خطواتها تقترب
وسأسأله، يا أمّي، سؤالًا ظلّ يكبر في صدري حتى صار أثقل من قدرتي على الاحتمال
**هل كنتِ حقًّا أمّي؟**
فالأمّ لا تُرعب طفلتها، ولا تجعلها تخاف من صوت المفتاح في الباب، ولا تتركها تتعلّم البكاء بصمت كي لا تُعاقَب على دموعها
سأخبر الله بكل شيء يا أمّي…
لكنني لن أخبره عن الصفعات وحدها، ولا عن الجوع وحده، ولا عن الليالي التي قضيتها أضمّ جسدي الصغير بيدين مرتجفتين
سأخبره عن الطفلة التي كنتُها، وكيف ماتت في داخلي يومًا بعد يوم، بينما كنتِ تنظرين إليّ ولا تريني
وسأترك بين يديه سؤالًا لا يجرؤ أحدٌ على الإجابة عنه
**كيف استطاعت أمٌّ أن تؤذي ابنتها إلى هذا الحد، ثم تنام ليلًا دون أن تسمع صراخها في قلبها؟**

طنجة، عام 2000
كنتُ أطلّ من شرفة غرفتي، أراقب الشارع المقابل لمنزلنا، حين لمحتُ سيارةً وحافلةً تتوقّفان أمام بيتٍ قريب. بدا المشهد مختلفًا عن كل يوم؛ حركةٌ غير مألوفة، وأشخاصٌ ينقلون الأثاث من مكانٍ إلى آخر
فهمتُ سريعًا أن جيرانًا جددًا سيقيمون في الحي
ركضتُ إلى أمي، التي كانت منشغلةً في المطبخ، وقلتُ لها بحماس
انظري يا أمي، هناك جيران جدد سيسكنون معنا!
جاءت أمي إلى الشرفة، ونظرت نحو البيت المقابل، ثم قالت بهدوء
الله يجعلهم جيران خير
لكنني لم أكن منشغلةً بالسيارة، ولا بالأثاث، ولا بالغرباء الذين يدخلون بيتهم الجديد. كان كل انتباهي معلّقًا بطفلةٍ رأيتها بينهم
أشرتُ إليها وقلت
انظري يا أمي، لديهم ابنة! هذا رائع…
ستلعب معنا في الحي
ابتسمت أمي ابتسامةً خفيفة، ثم عادت إلى المطبخ، بينما بقيتُ أنا في مكاني، أراقب البيت الجديد كما لو أنني أنتظر بداية شيءٍ لا أعرفه
كنتُ أتابع حركة الأثاث، والأبواب التي تُفتح وتُغلق، والأيدي التي تحمل الصناديق، والوجوه التي تظهر للحظات ثم تختفي. وكلما ظهرت الطفلة بين أفراد أسرتها، كنتُ أبحث عن عينيها
وفي لحظةٍ عابرة، التقت نظراتنا
ابتسمت لي
فبادلتها الابتسامة
لم نكن نعرف شيئًا عن بعضنا. لم أكن أعرف اسمها، ولا من أين جاءت، كل ما عرفته آنذاك أن فتاةً جديدة وصلت إلى حينا، وأنني وجدت رفيقةً محتملة لأيامي القادمة
مرّت أيامٌ دون أن تظهر الطفلة الجديدة. كنتُ أذهب مع أمي إلى حديقةٍ قريبة من منزلنا، حيث تجتمع الأمهات بأطفالهن، وتتعالى أصوات اللعب والضحك بين الأشجار والممرّات. أخبرتُ بعض البنات أن فتاةً جديدة سكنت في حيّنا، فصرن ينتظرن رؤيتها مثلي، بدافع فضول الطفولة ورغبتها في اكتشاف الوجوه الجديدة
وفي أحد الأيام، بينما كنتُ أعود مع أمي إلى المنزل، مررنا قرب بيتهم. عندها سمعتُ صراخًا لم أسمعه من قبل؛ صراخ طفلةٍ كان يخرج متقطعًا، حادًّا، كأنّه يصطدم بالجدران ولا يجد طريقًا إلى الخارج
توقّفتُ في مكاني
تجمّد الخوف في جسدي، وأمسكتُ يد أمي بقوة. كنتُ أسمع صوت الطفلة وهي تبكي وتقول
توقّفي يا ماما…
أرجوكِ، توقّفي
نظرتُ إلى أمي وسألتها بصوتٍ مرتجف
لماذا تضربها؟ ماذا فعلت؟
لم تجبني مباشرة. بدت الكلمات عالقةً في حلقها، ثم قالت وهي تحاول أن تبدو واثقة
— لا يمكن لأمٍّ أن تؤذي ابنتها…
لعلّكِ فهمتِ الأمر خطأ
لكنني لم أكن قد فهمتُ شيئًا خطأ. كنتُ قد سمعتُ الخوف في صوتها، وسمعتُ توسّلها، وسمعتُ شيئًا في بكائها جعلني أشعر بأن وراء ذلك الباب أمرًا لا يشبه ما كنتُ أعرفه عن البيوت والأمهات
دخلنا منزلنا، واتجهتُ إلى غرفتي. جلستُ للحظات دون أن أعرف ماذا أفعل. كان السؤال يضغط على رأسي
**ما الذي يمكن أن تفعله طفلةٌ حتى تُعاقَب بهذا العنف؟**
ثم اقتربتُ من النافذة، وهناك رأيتُ ما لم أكن مستعدةً لرؤيته
كانت نافذة مطبخهم تطلّ على غرفتي. رأيتُ أمًّا في عينيها قسوةٌ لم أفهمها، ووجهًا بدا لي، في تلك اللحظة، أقرب إلى وجه وحشٍ منه إلى وجه أم. كانت تضرب ابنتها على وجهها، بينما تقف الطفلة أمامها عاجزةً عن الدفاع عن نفسها
لم أستطع أن أتحرّك
رأيتُ أثر الدم على ملابسها، وسمعتها تقول بصوتٍ يكاد ينطفئ
أرجوكِ يا ماما…
توقّفي، سأموت
أطفأتُ ضوء غرفتي بسرعة، وتراجعتُ خلف الستارة، ثم اختبأتُ قرب الأريكة، كأنني أخشى أن تراني المرأة من نافذتها. كنتُ أرتجف دون أن أستطيع الصراخ. لم أعد أعرف هل ما أراه حقيقةٌ أم كابوسٌ دخل إلى وضح النهار
كيف يمكن لطفلةٍ بهذا الصغر أن تحتمل كل ذلك الألم؟
وأيّ ذنبٍ يمكن أن يجعل أمًّا ترفع يدها على ابنتها بهذه القسوة؟
وقفتُ في الظلام، بعينين خائفتين وصمتٍ عاجز. كنتُ أريد أن أنادي أمي، أن أطلب منها أن تفعل شيئًا، لكن صوتي لم يخرج. ظللتُ جامدةً في مكاني حتى دخلت أمي غرفتي وأشعلت الضوء
عندها صرختُ، ثم اندفعتُ نحوها وعانقتها بكل قوتي، ودفنتُ وجهي في صدرها، وأخبرتها بما رأيت. لم أكن أبحث عن تفسير، بل عن شيءٍ يطمئنني إلى أن العالم ما زال مكانًا يمكن لطفلةٍ أن تعيش فيه دون خوف
ضمّتني أمي، وبدأت تهدّئني. كانت تمسح على رأسي وتقول إنني بأمان، وإن ما رأيته لا يمكن أن يكون طبيعيًّا. ومع مرور الوقت، بدأتُ أستعيد أنفاسي شيئًا فشيئًا
ظللتُ بين ذراعيها حتى غلبني النوم، ونبضات قلبها تتردّد قرب أذني، كأنها تقول لي إن هناك، في هذا العالم القاسي، قلوبًا ما زالت تعرف كيف تحمي أبناءها
ظلّت صرخة الطفلة عالقة في رأسي، تعود إليّ كلما أغمضت عينيّ، كأنها لم تكن صادرة من بيت الجيران، بل من مكان قريب جدًا من قلبي. كنت أتساءل كيف يمكن لطفلة صغيرة أن تتحمّل كل ذلك الألم، وكيف تستطيع أن تستيقظ في الصباح، وتفتح عينيها على اليوم نفسه، وعلى الأم نفسها، وعلى الخوف نفسه الذي لم يكن لها منه مهرب
وحين أشرقت الشمس، ذهبت إلى المدرسة وأنا أشعر بثقل غريب في صدري. كانت عطلة الربيع قد انتهت، وعاد التلاميذ إلى مقاعدهم، أما أنا، فكنت أجرّ معي صورة تلك الطفلة، ووجهها المذعور، وصوتها وهي ترجُو أمّها أن تتوقّف
كنت أدرس في مؤسسة ابتدائية خاصة، وكان فصلنا هادئًا في ذلك الصباح. جلسنا ننسخ درسًا من السبورة، حين فُتح باب القسم، ودخل المدير بخطواته المعتادة. توقّف أمامنا، ثم ابتسم وقال
صباح الخير يا أبنائي
ردّدنا التحية بصوت واحد، ثم نظر إلى الباب وأشار بيده إلى طفلة كانت تقف خلفه
قال:
لدينا تلميذة جديدة التحقت بمدرستنا. أريد منكم أن ترحّبوا بها
تقدّمت الطفلة ببطء
كانت هي
حين وقعت عيناي عليها، شعرت بقلبي يتوقف للحظة. كانت ترتدي ثيابًا بسيطة لا تشبه الزيّ المدرسي الذي كنا نرتديه، وشعرها مربوط بإهمال، ووجهها شاحبًا كأنها لم تنم هي الأخرى. رفعت رأسها نحوي، وحين تعرّفت إليّ، ابتسمت ابتسامة صغيرة
أما أنا، فلم أستطع أن أبادلها الابتسامة
كنت ما زلت أسمع صوتها في رأسي، وأرى الدم على ثيابها، وأتذكّر كيف اختبأت خلف الستارة عاجزة عن إنقاذها
قال المدير:
هذه جنات. جاءت من مدينة مكناس لتعيش في طنجة. رحّبوا بها يا أبنائي، فهي زميلتكم الجديدة
بدأ التلاميذ يرحّبون بها، بعضهم بحماس، وبعضهم بفضول. أما جنات، فبقيت واقفة للحظات، ثم اختارت مقعدًا في الصف الثاني وجلست وحدها
بعد قليل، رنّ جرس الاستراحة، وخرجنا إلى الساحة. التفّت حولها مجموعة من البنات، وبدأن يسألنها عن مدينتها، وعن سبب انتقالها، وعن مدرستها القديمة. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى بدأت السخرية منها
قالت إحدى البنات وهي تقلّد لهجتها
تكلّمي مثلنا، نحن لا نفهم كلامك
وضَحكت أخرى قائلة
يبدو أنها عروبية، حتى ملابسها ليست مثل ملابسنا
خفضت جنات رأسها، ولم تجب. كانت تنظر إلى الأرض، وتحرّك أصابعها بتوتر، كأنها تحاول أن تختفي من أمامهن
تقدّمت نحوهُن وقلت بحدّة
— كفى. ما العيب في أن تكون من مكناس؟ وهل يجب على الجميع أن يتكلّموا بالطريقة نفسها حتى نحترمهم؟
نظرت إليّ إحداهنّ بضيق، ثم قالت
— كنا نمزح فقط
ساد الصمت لحظة، ثم ابتعدن. كنت أعرف أنهنّ لم يتوقّفن لأنهنّ اقتنعن، بل لأنني واجهتهنّ. كنت أعرف أيضًا أن تنمّرهنّ قد يعود في غيابي، لكنني لم أستطع أن أترك جنات وحدها في تلك اللحظة
جلست إلى جانبها وقلت
— لا تهتمّي بكلامهنّ رفعت عينيها إليّ، وقالت بصوت خافت
— شكرًا
ابتسمت لها هذه المرة، ثم أضفت
— أنا نيلوفر
وقبل أن أتابع كلامي، قاطعتني قائلة
— أنتِ تسكنين بجانب منزلنا، أليس كذلك؟ لقد رأيتك من قبل
قلت:
— نعم، وأظن أننا سنذهب معًا في حافلة المدرسة.
هزّت رأسها سريعًا
— لا، أمي ستأتي لتأخذني
— إذن ستذهبين في السيارة؟
— لا، سنعود سيرًا على الأقدام
نظرت إليها متعجّبة
— لكن المدرسة بعيدة قليلًا. لماذا لا تذهبين في الحافلة؟
قالت ببساطة:
— أمي تفضّل أن أمشي معها
سكتُّ لحظة، ثم سألتها
— هل تحبّ أمك المشي؟
أجابت وهي تنظر إلى مكان بعيد
— لا أدري. هي لا تحبّ أن أذهب وحدي
لم أفهم تمامًا ما قصدته، فغيّرت الموضوع وقلت
— ماذا يعمل والدك؟
قالت:
— هو تاجر كبير. لديه محلات كثيرة في مكناس والدار البيضاء، وجاء إلى طنجة ليستثمر هنا
بدت كلماتها متناقضة مع مظهرها الهادئ وثيابها البسيطة، لكنني لم أعلّق. اكتفيت بالقول
— إذن ستعيشون هنا طويلًا؟
— نعم، هذا ما قاله أبي
ثم سألتها:
— هل لديك إخوة؟
أجابت:
— لا، أنا وحيدة
ابتسمت وقلت:
— مثلي تمامًا
نظرت إليّ باستغراب خفيف، ثم سألت
— حقًا؟ وهل أمك تضربك أنت أيضًا؟
توقّفت الكلمات في فمي
لم أكن مستعدة لذلك السؤال، ولم أفهم كيف يمكن لطفلة أن تضع الضرب بين الأشياء العادية التي يتبادلها الأطفال في حديثهم. نظرت إليها طويلًا، ثم قلت
— لا. أمي لم تضربني يومًا. هي تربّيني وتعلّمني، وإذا أخطأت، تتحدث إليّ
لم تجب
خفضت رأسها، وبقيت تحدّق في يديها. وبعد لحظات، رأيت دمعة صغيرة تنزل على خدّها. مسحتها بسرعة، كأنها تخشى أن أراها، لكنني رأيتها
قلت لها بهدوء
— جنات، هل أنتِ بخير؟
رفعت رأسها، وحاولت أن تبتسم، إلا أن ابتسامتها لم تكتمل
وفي تلك اللحظة، جاء صوت امرأة من جهة بوابة المدرسة، حادًّا وغاضبًا
— جنات! تعالي، هيا بنا!
تجمّدت الطفلة في مكانها
لم تحتج إلى أن تلتفت كي تعرف أن الصوت صوت أمها. رأيت الخوف يعود إلى وجهها، وانطفأ ما بقي من ابتسامتها. نهضت بسرعة، وحملت حقيبتها، ثم نظرت إليّ نظرة قصيرة لم أفهم معناها في ذلك الوقت
قلت:
— سنلتقي غدًا
لم تجب. اكتفت بأن حرّكت رأسها، ثم اتجهت نحو البوابة بخطوات متردّدة
بقيت أراقبها حتى وصلت إلى أمها
كانت المرأة واقفة هناك بوجه جامد، لا يشبه وجه أمّ جاءت لتأخذ ابنتها من المدرسة، بل وجه شخص جاء ليستعيد شيئًا يملكه. أمسكت بذراع جنات، وانحنت نحوها قائلة بصوت منخفض لم أسمعه، لكنني رأيت أثره على وجه الطفلة ثم انطلقتا معًا

يتبع…

شاهد أيضاً

محمد لمين ولينا ماءالعينين يكتب : صدق بنكيران “بوعشرين قبل المحنة ليس هو بوعشرين بعد المحنة”

بقلم /الأستاذ محمد لمين ولينا ماءالعينين من حق الصحافة المحلية أن تحتفي بأي خطوة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *