أعلام وأسماء من ذاكرة مدينة سوق أربعاء الغرب [ الفقيه الجليل سيدي عبدالهادي .. الفقيه الكفيف .. الذي يرى بنور القلب ]
هيئة التحرير
1 مارس، 2026
الرباط نيوز
مما لا شك فيه ان مدينة سوق اربعاء الغرب المتواجدة بنفوذ اقليم القنيطرة بجهة الرباط وبالرغم من صغرها وقلة شهرتها لها تاريخها وذكرياتها ورجالاتها وأعلامها……
ولان هذه البقعة تستحق الكثير يسر مؤسسة الرباط نيوز الاعلامية كمنبر اعلامي مهني مغربي ان تخصص فضاءا للحديث عن اعلام ورجال وكفاءات غرباوية ترعرعت وكبرت ونهلت من تربة سيدي عيسى بلحسن …اعلام لها بصمتها واسماء تنقش من ذهب …وأسماء اعطت وابدعت …
هي رحلة متواضعة منا كجريدة تعنى بالنخبة وتمارس صحافة القرب بعيدا عن البوز والتفاهة ومبادرة من رجل وابن غيور وبار للمدينة الاستاذ والاطار سلام بنية للغوص وتقديم العديد من الاسماء لمن لايعرفها وخاصة الجيل الحالي .. هي مبادرة متواضعة نتمنى ان نكون قد وفقنا ولو بالقليل من الكلمات في رد جميل العشرات من الاسماء.. لمدينتهم بقعة الملح مدينة الزهور …
خلال شهر رمضان هذا نخصص مساحة أسبوعيا لمجموعة من الفقهاء والخطباء والأئمة من رجال الدين بمدينة سوق اربعاء الغرب ممن كان لهم حضور ويدخلون ضمن ذاكرة المدينة

الفقيه الجليل سيدي عبدالهادي ..
الفقيه الكفيف .. الذي يرى بنور القلب ..
كتب / الاستاذ سلام بنية
حين يكون فقدُ البصر نورًا في البصيرة ، و يكون الصوت حياةً للقلوب .. كان سيدي عبدالهادي ، رحمه الله ، واحدًا من أولئك الرجال الذين لا يُقاس حضورهم بما تُبصره العيون ، بل بما تستشعره القلوب . رجلٌ جمع بين الفقه و الإنشاد ، بين العلم و النغم ، بين الوقار و الجمال ، فكان مدرسةً قائمةً بذاتها ، و عنوانًا من عناوين الصفاء الروحي في مناسباتنا الأسرية .
لم يكن مجرد منشدٍ يُحيي الأعراس ، و لا مجرد فقيهٍ يحضر العقائق و الختان ، بل كان روحًا تسري في تفاصيل تلك المناسبات ، فيمنحها معنى أعمق ، و نكهةً أصفى ، و ذكرى لا تُنسى . كان إذا حضر ، حضر معه السكون الجميل ، و إذا أنشدو، أنصتت الأرواح قبل الآذان ، و إذا رتّل ، خُيّل إلينا أن الكلمات تتوضأ بنوره قبل أن تبلغ أسماعنا .
كان فقيد البصر ، نعم ، لكنه كان مشعَّ البصيرة ، يرى بنور قلبه ما لا يراه كثيرٌ من المبصرين . لم يكن فقدانه لبصره عائقًا ، بل كان سرًّا من أسرار تفرّده ، إذ عوّضه الله ببصيرةٍ نقية ، و صوتٍ رخيم ، و إحساسٍ صادق ، فصار صوته بلسمًا للنفوس ، و جسرًا تعبر عليه القلوب نحو الطمأنينة .
و كان ، رحمه الله ، مقدّم فرقة الإنشاد ، لا لأنه الأجمل صوتًا فحسب ، بل لأنه الأصدق إحساسًا ، و الأسمى خُلُقًا ، و الأطيب سيرة .
كانت أخلاقه تسبق صوته ، و ضخكته تسبق حضوره ، و طيبته تترك في النفوس أثرًا لا يُمحى . لم يكن يتصنّع ، و لم يكن يتكلّف ، بل كان ينشد كما يعيش .. بصدقٍ و صفاء .
لقد كان سيدي عبدالهادي جزءًا من ذاكرتنا الجماعية ، و من ليالينا الروحية التي كانت تتزيّن بذكر الله ، و الصلاة على رسول الله ﷺ ، فيتحول المكان إلى محراب ، و تتحول المناسبة إلى لحظة قربٍ من السماء .
و اليوم .. رحل الجسد ، و غاب الصوت ، لكن الأثر باقٍ لا يغيب . مات سيدي عبدالهادي ، و مات معه شيءٌ من حلاوة تلك الليالي ، و شيء من عبق تلك النفحات الإيمانية ، و شيءٌ من زمنٍ جميلٍ كان فيه للإنشاد رسالة ، و للصوت قداسة ، و للرجال هيبة الصفاء .
رحل ، لكنه ترك و راءه سيرةً عطرة ، و ذكرًا طيبًا ، و محبةً صادقةً في قلوب كل من عرفه أو سمعه . و تلك ، و الله ، هي الحياة الحقيقية .. أن يرحل الإنسان ، و يبقى أثره حيًا في القلوب .
رحم الله سيدي عبدالهادي رحمةً واسعة ، و جعل صوته الذي كان يلهج بذكره شاهدًا له لا عليه ، و جعل ما قدّم من خيرٍ و نورٍ في ميزان حسناته ، و ألحقه بالصالحين ، و جعل قبره روضةً من رياض الجنة .
إنا لله وإنا إليه راجعون.
2026-03-01