شخصيات من كتاب درة من حبات المطر للإعلامي والكاتب المصري محمد إبراهبم الشقيفي [ الحلقة 13 عن السيدة/رشا الحلواني مدير قاعة الموسيقي بدار الكتب والوثائق القومية ]
هيئة التحرير
22 يناير، 2026
شخصيات من كتاب درة من حبات المطر للإعلامي والكاتب المصري محمد إبراهبم الشقيفي [ الحلقة 13 عن السيدة/رشا الحلواني
مدير قاعة الموسيقي بدار الكتب والوثائق القومية ]
كتب / محمد ابراهيم الشقيفي
التذوق الجمالي لإدراك المعاني
ما يطرح الآن من الذوق العام، ليس كما سبق وكان، من شغف ورقى وإتقان، لقد انجرف الفكر عن التيار، بعدما انقسم ظهر الاعتدال. وعادة فإن ما سلف، يشبه إرث تآلف عليه العقل، من غير تنكر أو خوف، و دون التملق من شواهد الماضي، فإن ما يحدث ليس بأمر عادى، فمنذ الأمس قلما نتج على مائدة الحوار شقاق ، أو بالأحرى تكشفت عروة الميثاق، و كثر اختلاق المبررات.
نتعايش حالة من الكآبة المزاجية، بعدما أصاب شغف التذوق، توجهات تأبى أن ترتدي سترة، قد غزلت أوتار خيوطها من الإيقاع، لقد انحدر الحس الجمالي، بعد العزف على ألواح متعجرفة خشنة اللون، و شوهت نظريات التجديد، تحت ظلال التقليد، روائع السلم الموسيقى.
نحن أمام تصدع أحدث هلع فى إشارات التردد، عصف بجدار البنية التحتية للادراك السماعي، وتصدر الاستنساخ الأعمى قائمة التسويق، لاستحداث شعبة تفتقد إلى عنصري الإثارة والتشويق، وربما هذا الهرج والمرج، صخب لا يمت بصلة، إلى كلاسيكيات الموسيقى العربية التي ثبتت على مبادئ الطرب، منذ عهدها الذهبي. لقد صارت القدرة على التكيف مع هذا الفزع الغنائي، أشبه بالوهن المعنوي، بات الكل يترجم لغة التدني بشكل رديء.
إن الوتر المشدود بعنف يفتقد إلى الرقة واللين، يحتاج إلى تدخل شبه قطعي لكن بلطف وحرص، وذلك من أجل بقاء المعزوفة الموسيقية، تتراقص بانسيابية بين أنامل إحساس العزف، ومن أبرز المعنيين بهذا اللون، الذي يمتد إلى حضارة انبثقت من وجدان المصري القديم، (مايسترو الحب ) التي تربت على ضفاف النهر الخالد، ملكة العزف الايقاعي، السيدة المصرية ( رشا احمد صابر الحلواني) إبنة محافظة الجيزة العريقة، الحاصلة على ليسانس آداب مكتبات عام ١٩٩٣، والتي أفصحت عن رغبتها الراقية في الاعتناء بعلوم الموسيقى الكلاسيكية، ولا سيما وجهت أميرة العرس الطربي دفة الشراع، تجدف نحو أمواج تبتلع أشباح الظلام والخطر، تقود فريقاً الأنامل المبدعة الذي يمتاز بندرة مذهبه، وقيل عنهم بواسل الاحتراف النغمي ، لديهم قدرة الفتك بالمشاعر المزينة بالورود. رشا صابر المفعمة بروعة الزمن الجميل، حملت ضفائرها التاج الطربي المرصع، من قطاع الفنون التشكيلية بعد مشاركتها الفعالة فى ذكرى وفاة، عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ورغم أن الموسيقي، تساهم في تحطيم السياج الحدودي للثقافات بين الأعراق، وتحدث حالة من التآلف والتحالف، بين الناطقين بكل اللغات، إلا أن المجتمعات الفنية والمحافل الترفيهية، أصابها الذعر بعد ضجيج تلك المهرجانات. أيها المنصت لهذا التلوث، تحدث ولا تشعر بالحرج، فقد يختلف الأمر يوماً، بعدما أصاب كبد الألحان الوترية، بعض الأفكار الإصلاحية، أتت بها للعلن ( عضو لجنة علوم الموسيقي بالمجلس الأعلى للثقافة)، بلمسة دفء حانية أرادت تغير موقع قطوف الألحان، لكي تسكنها أصوات تغرد فوق الأغصان، فلا يلتقط ثمار العزف، إلا أصحاب المواهب الإستثنائية.
لقد شاركت رشا صابر، عضو مؤسسه عظيمات مصر والوطن العربى، ببصمة فعالة وهى تحتمي تحت مظلة الدولة، بشرعية إسناد المهام لمن يستحق، و ليس بآلة التصفيق الأعمى حادة المنوال، التي تفقد حالة التصور، وتنتزع من الروح هيبة الوئام،. أسهمت بالكاد أميرة النيل والفرات، بسحر الموسيقى عبر بوابة الإبداع، مع كل شمس تشرق فوق جبين الحرية، قامت بإعداد ندوة فلكلورية، عن دور الأغاني الوطنية وتأثيرها على الجنود فى حرب أكتوبر المجيد، و تعد بلاشك معزوفة أفلاطونية، بمشاركة ذوي الهمم بأصواتهم الدافئة و الجبلية، صاحبة الإعداد والتنظيم و الابتكار، المتحدثة باسم براعم الوطن فى (ندوة مشاهير تحدوا الإعاقة بأكاديمية الفنون)، وكان لها الأثر الأروع أثناء الإسهام بمشاركتها المبهرة، من خلال تلك الشرفة المطلة على حديقة مثمرة، طرحت خصيصاً روعة كلاسيكات، التي تؤرخ أعمالا فنية عن إبداعات كوكب الشرق. ما زالت رشا صابر الحلواني، تناضل بوقفة احتجاجية سلمية، خالية من نوايا الشغب، تتكاتف من أجل مستقبل أفضل للثقافة الموسيقية، مع مؤسسة عظيمات مصر بالتعاون مع ملتقى الهناجر الثقافى، ظلت الأذن الوسطى لديها ترتقي لمستوى الثوابت الكلاسيكية، و بعد أن فطنت (مدير قاعة الموسيقي بدار الكتب والوثائق القومية) لما يحاك خلف أبواب الهدم الجارف، القادم بإسم آلات تعزف ألحان الغرب، ولا سيما بعد العزوف عن الطرب الأصيل، ويبقي الإبداع في وادي، ويبقي الضجيج مكتسح الأذواق، دون أن يأسف هذا الجيل.
لقد أثارت وضعية ما تقدمه بعض العروض المبتذلة، حفيظة الكيان الفني الذي يشكل وجدان الحواس، التي تعبر عن جماليات التذوق الجمالي، الذي ينبعث من طيفها شعاع الذوق الحسي، فلم يعد للجمهور العريض، قدرة على الانصات، لعلم قد انبثقت مفاتن محاسنه، من بين أضلع علم الرياضيات قبل الميلاد ب( ٥٥٠ )عام، بعدما أسس (الفيلسوف فيثاغورس ) علم الصوتيات، إلا أن الدولة و مشاريعها الجلية، تتجه نحو تحقيق ما تهدف إليه المعادلة الفنية، عبر توفير تقنية التسجيل، و الأرشفة لحماية المقتنيات، وإنشاء مؤسسات متخصصة لدعم سبل الحفاظ على التراث الموسيقى، ولا سيما يولد من جديد بين هذا وذاك، فارس يحمل أمل الإدراك الحسي، ليعود الطرب العربي، إلى موطنه الأصلي، يحمل التنوع لكن بفكر جديد.
لقد انشات رشا الحلواني قاعة للموسيقى، بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ، والتي أضاءت شعلتها بدقة متناهية، و تعلقت آمالها بفعاليات تراث الآلات الموسيقية، فضلاً عن إيمانها بتبادل الثقافات المختلفة، والاطلاع بصفة مستمرة على التطور في أدوات الإيقاع. و بعد أن استوقف ضيف الشرف فى معرض إطلال نجوم الفن، بقاعه أصداف ارت جاليري ، حالة الضياع الأخلاقي، التي أصابت الادارك السماعي بصدمة أفقدته قدرة التذوق، مهدت صاحبة رؤية عدم التفريط فى الكيان الفني، لحدث يهز الأوساط الإبداعية، انتفضت ونهضت من أجل إقامة المركز القومى لثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، لكى يصبح رمزاً لتقديم النصح بعد فتق الجرح ونفور الروح، و الانجراف فى هاوية المتاع الذي يشبه الضياع، إنها بداية ثورة تصحيح مسار العزف الركيك، الفاقد للوعة و رونق البريق.
لم تعد نشأة الموسيقى حدث عارض، يحاول إدخال إيقاعه حيز التنفيذ، بل عرف المصريين القدماء (الأرغول و الطبول و الدفوف )، تخطت الآلات الوترية العوز، لاستخلاص الترجمة الحسية أثناء العزف، على الناي أقدم الآلات الموسيقية، ولقد شاركت سفيرة الموسيقى العربية و ( حفيدة عائلة الحلواني) فى مؤتمر رائدات مصر، بحضورها الذي يلامس جوهر الوجدان، ومثلت العنصر النسائي فى سفارة التشيك لعام الموسيقي التشيكية، بل استطاعت المرأة المكرمة، تتويجاً وتنصيبا على العرش الموسيقى من أركان قصر ( البورد الدولى للتدريب والتطوير المحترف والتنمية البشرية )، أن تمثل حالة من التناغم، تساعد على نمو شعور التحالف، بين حدود الدول مختلفة المعارف.
و مما راق لي أن عباقرة الموسيقى الساحرة أبدعوا ، حين مثلوا فى هدوء، أمام جمهور يقدر قيمة كلاسيكيات الزمن الجميل، و كما أمتعتنا مقطوعة ( لودفيج فان بيتهوفن) التي تخطت حاجز المائتي عام، فإن الرائع الذي سبق عصره الموسيقار الكبير ( سيد درويش) قد استطاع رفع شعار التغيير ، هو و من اقتفي أثر الجمال، موسيقار الأجيال الأستاذ (محمد عبدالوهاب) لقد ادخلوا معا رغم التفاوت النسبي، في التفكير كل روائع الطرب، لقد سبق كلاهما عصره بين أرباب التلحين، فى عقر دار هوليود الشرق.
و شغفت مايسترو الحب التي كرمت في معرض (ملتقى تفانين بجمعية محبى الفنون الجميلة )، بضرورة ارتباط الماضي الموسيقى بالحاضر القدري، ومن ثم عكفت بعاطفة غير مسبوقة، على إعداد وتقديم ندوة بعنوان الإنشاد الهيروغليفي، أظهرت من خلالها قدم هذا الفلكلور، وإلى أى مدى كان المصريون القدماء، يبثون فى الأغنية إتجاه يشعل الحس الجمالي، خاصةً التواشيح الدينية، و الأناشيد الوطنية ذات الطابع العام، التي تندرج تحت مسمي الموسيقي السياسة، لتأثيرها المباشر فى التكوين الفني للذوق العام.
ومن منطلق إيمان صاحبة المشاركة بالحضور فى (فاعلية مصر فى عيون أطفال العالم )التى أقامها المركز القومى لثقافة الطفل بمسرح الهناجر، بأن ضرورة الإبداع تكمن في حتمية التجديد، مع الاستلقاء على أريكة الكلاسيكية، وتطوير مسارات الدرب، بما يواكب كل دخيل على الذوق، شاركت بالحضور فى المؤتمر العلمي الدولي للذكاء الاصطناعي، لاكتساب مهارات تتعلق بالحداثة الموسيقية،
وبعد أن نالت شرف التكريم، من مجله عالم النجوم كأفضل الشخصيات المؤثره عام ٢٠٢٤، انتفضت فى ثبات، محاولة السيطرة على النزيف السلوكي، من خلال فاعليات( تأثير الأدب على الصحة النفسية )، جعلت المشاركة الإنسانية أولى خطوط الدفاع، نظمت العديد من الورش الحيوية، من أجل الإهتمام بالصحة العامة، أهمها (مبادرة ترياق النجاة لدعم مرضى السرطان)، ثم قامت ضيف الشرف بمعرض زهور من نور بمكتبة مصر العامة، بتبني أحلام ذوى الهمم والإعاقة، نظرت إلى مدى تعزيز قدرتهم بعين الاعتبار، بعد أن استشعرت عن قرب، الإسهام المباشر فى تحريك الماوس الفني، لابتكار برامج هادفة لخدمة المجتمع، و أطلقت عليها قيثارة الاسعاد، رغم البكاء فى زحام الألم ، وعلى أثر الدعم فى ورش الحكي والاستماع، والمشاركات المدونة فى سجلات الفاعليات والندوات، استحقت التكريم رغم أنف كل حاقد ، من إحدى القلاع الثقافية، (المتحف القومى للحضارة، والمركز القومي لثقافة الطفل)،نظير مجهود مميز تأبي الأقلام أن يذهب سدى فى طي الكتمان.
و لا سيما شاركت تلك الشبيهة بالآلة الوترية الحساسة، فى إعداد احتفالية تشبه الثورة الفنية، لتفعيل دور المواهب من ذوى الهمم بمجلة علاء الدين، فضلاً عن إطلالة رقيها المتناسق، فى اليوم العالمي للإعاقة، خلال فترة كورونا القاحلة بالمرض اللعين، و لم تكتفي هذه الضيفة المستمرة الظهور، ببرامج التلفزيون المصري، بما قدمته من دور محوري قد زان جبين وجناته عنصر التنوع، في العرض الموضوعي لورش العمل، و انصبت منهمكة على إعداد ورش حكي واستماع طربيات الفن، و وضعت خطوطاً عريضة نحو إبراز فكرة بقاء النسل الموسيقي، شامخ الأوتار على سابق العهد الزمن الجميل.
رشا الحلواني النجمة التي صنعت ضوء الطموح لفرسان التحدي، و استهدفت ضبط إيقاع وتريات العزف، الذي يشكل لصناع النغم مرآة الهوية، ومن ثم أعدت ندوة بعنوان (بليغ نغم مصر الخالد )، وكأنها أرادت أن تدمج الوصال العالق، فيما بين السطور، لإستعادة حلقات مفقودة، أرهقت من متاعب المواجهة، تسلقت سفيرة الوئام من خلال التعاون المباشر، مع مؤسسة عظماء مصر، تلك الأشجار التي تطرح أغصانها ثمار الإنسانية، شاركت حواء المصرية بأريحية، تحت ظل السكينة فى (عيد الطفولة بمتحف طه حسين)، ولاسيما لأجلها تمخض الخير، و افراز نواة الإحسان، و أسقطت أرضا لغة المقايضة، فلم يعد شغف العزف، يمثل حالة من التأهب، يتم استيقاف هويتها، إنما أرها بمنطق العقل، رائدة ذو تضاريس موسيقية، أشعلت فى زوايا المشكاة، بريقاً يبقي فى وجدان الإدراك، يعزف لحن الوفاء للوجود إلى الأبد.
2026-01-22