أوراق من رحلة بين ضفتي المتوسط والعيون للكاتبة المغربية ماجدة غرابو ( نقطة الصفر…والبوهيمية)
ماجدة غرابو
28 سبتمبر، 2025
بقلم – الكاتبة ماجدة غرابو
توجد نقطة الصفر وسط ساحة شهيرة بمدريد، تساءلت حينها؛ هل توجد في هذا الملكوت لحظة صفر؟. كنا نظن ونحن أطفال؛ أن الصفر هو اللاشيء، بينما أخبرونا رياضيا وأدركنا أنه يضاعف الأرقام إلى ما لا نهاية هذا الصفر. هل دائما هناك صفر يمكننا أن ننطلق منه؟. ذاك الصفر الذي رسخ قيمته؛ العربي المسلم الخوارزمي، وحل به معضلة الرياضيات، ولا زال اسمه يذكر في العالم الرقمي بخوارزمياته، فخر جميل لنا الإحساس عند ذكر اسم عربي مسلم في عالم التكنولوجيا، البعيد جدا عن فترة تواجده بالحياة، رغم أن أستاذة متميزة جدا درستني بالثانوي بمدينة الدار البيضاء مادة التربية الإسلامية؛ كانت تقول لنا: اخترع العرب الصفر وتوقفوا عنده، وبعدها وضعوه فوق رؤوسهم وأصبحوا تحته.
توجد نقطة الصفر على أرض ساحة بورتا ديل سول/ Puerta del Sol، المزدحمة يوميا، فكل من يمر بالساحة الشهيرة، عليه انتظار من سبقوه، ليضع قدميه على نقطة الصفر وهي مركز مرجعي فوق سطح الأرض، لتكون المنطلق لكل مدن إسبانيا.
اكتشفت فيما بعد أن النقطة الكيلومترية الصفر، توجد أيضا بمدينة إقامتي طنجة؛ وبأنها المنطلق المرجعي الكيلومتري الصفر لكل دول قارة إفريقيا، وليس فقط منطلقا لمدن المغرب، بحكم أن مدينة طنجة المغربية هي في قمة إفريقيا، مطلة من عل كالعروس فوق هودجها على صفتي بحري الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، عبر كاب/ رأس سبارطيل؛ وهو ملتقى البحرين الضارب في القدم لما يزيد عن القرن ونصفه، لكن نقطة صفرنا لا يتضارب عليها زحاما واضعي الأقدام، وأدركت أنه ليس لها نفس الشهرة التي تعرفها نقطة الصفر بمدريد، ويلزمها الكثير من الإعلان والشهرة، مع أنها تتواجد قرب شاطيء مرقلة؛ وهو أحد الشواطيء الساحرة بالمدينة قرب مينائها، تحادي بذلك أحد أهم آثار مدينة البوغاز وما يحيط بها من جمال وآثار مر عليه دهر طويل، كسور القصبة البهي العتيق، فمملكتنا الشريفة لها من القدم عتيا ومن الجمال الطبيعي والبهاء العمراني البديع؛ ما يضاهي أشهر الدول سياحة ويتفوق عليها، إلا أن الإقبال على نقطة صفرهم ليس نفسه على نقطة صفرنا، كنا التسول أيضا عندهم ليس كالتسول عندنا.
لا يمكنني نسيان امرأة متسولة التقتني بمطعم بمدريد وأنا أتناول طعامي معية مغربية وإسبانية، الطعام الذي في كل مرة أطلبه بحذر شديد، تفاديا للحم الخنزير الذي يستعملونه في كثير من الوصفات منها المقبلات أحيانا. أسمع كثيرا عن الحرص الشديد في عدم تناول لحم الخنزير، بينما شرب الخمر لا يحضى بنفس الحذر، خصوصا من طرف الرجال، فما بين تعاطي الحرامين اختلاف كبير.
التسول في أوروبا له طابع خاص، فرغم أسمال المرأة البالية التي ترتديها وسنها المتقدم ولباسها البوهيمي، إلا أنها تزين يديها بأساور عدة، معتنية بأظافرها الطويلة، كما تعتني غالبية الإسبانيات بشكلهن وهن يتجولن، فهن يضعن الكثير من المساحيق على محياهن، وكأنهن مدعوات لحفل، مرتديات أجمل ما لديهن في تجوالهن اليومي، وهو اعتناء ووقت لا تخصصه المرأة المغربية لنفسها، إلا إذا كان هناك حفل ما، بدعوى أن رجالنا العرب والمغاربة لا يحبذون المساحيق على وجوه زوجاتهن، لكن تدار رؤوسهم للمرأة المتبرجة والمتزينة والعارية ولو لم تكن بالجمال اللافت، فهم حينها لا يستطيعون المقاومة أو غض النظر إليه سبيلا.
نظرت إلي المتسولة البوهيمية بإعجاب كبير، وسألتني عبر المترجمة: هل أنت مغربية؟ وطلبت أن تعانقني وأن تقبلني وأبت أن تذهب إلا بعد أن تأخذ صورة معي.
وقبل النهاية
زد فخرا أنك مع مول الخير وأنك صحراوي وأنك مغربي.
2025-09-28