حكايات من (هجوم الغربان) للكاتب والأديب المصري محمد إبراهيم الشقيفي ( ثم بكى)
هيئة التحرير
ساعتين مضت
كتب / محمد ابراهيم الشقيفي
استوقفتني مقولة فى درب الهوى أخبرني إياها رجل عجوز قيل عنه قد أتى إلى الحاضر من بستان الماضي عليه غبار أهل العشق تبسم ثم نظر نظرة إلى النجوم أشار إلى قائلاً لا تكن قاسياً على نفسك وكن غيور ثم همس ناصحاً يا بنى إن فراق الرفاق لا يؤلم وإن الليل الحالك المظلم من أعظم صفاته تلك الرداء المعتم الذي يستر عيوب الشوق و يمنع اختلاس العيون نظرات الحب ثم توقف عن القول و أنهار على خده الدمع مثل قطر الندى الساخن أبكاني أوجعتني أحزانه انفطر قلبي عليه ثم تبسم و انصرف باكياً .
أتذكر أنه شارد العقل مغيب عن الوعي عجباً على أمر الراوى الذي أراد بمفرده الرحيل بغتة من غير وداع عاش فى عزلة كأنه يفر من قضاء سلطان الحب وإلهام الغرام وأنا فى حيرة من الأمر أقف صامتاً .
مهما كانت الأدوات التى يملكها البشر قد تضعف أنسجة الإرادة ويصبح الألم عادة تنهار القوة وهن على وهن أمام من نحب.
إن البعد أشد ألوان العذاب أبشع من جمرة تقبض عليها يمين اليد الرحيل بلا موعد أمر فى غاية المشقة حاد الشفرة يقطع بل يقتلع عنق الشريان يشبه مخلب فهد ثائر جائر نزع الأمان بعد رغد العيش وحلاوة اللسان إن الهجر قنبلة موقوتة بين أوردة ظمأ المشاعر تسجن الإحساس بلا سجان من يرى الفراق مثل سحابة صيف يعد ظالماً طاغية تسقط كلماته فى بئر الهاوية يدخل فى حالة عدم اتزان يعيش ليالي قاسية يموت بلاشك بداء الضربة القاضية .
ثم بكى مكث غير بعيد يستظل تحت فرع مكسور خاطره أراد أن ينعم بشيء من السلام .
فقد رحلت عنه يوماً غزال سكنت خيام العرب ثم ضاقت عليه الأرض والدنيا بما رحبت لم يستطع تحمل مرارة البعد اللعين تتبعت أثر خطاه حتى حدثني أن شفاءه يحتاج إلى ترياق لا يستخلص إلا من نار الحب التى لا تعرف المستحيل .
إذا غابت شمس الحنين اشتعلت النفس شوقاً فإن الفراق ينسف السعادة قهراً و حين المس ألوان الورد عن بعد استنشق ياسمينة الزهر استحضر روح الجمال استشعر معنى الغزل أنظف القلب من مفردات الحقد أقترب من مرآة الحب أتنفس الأمل ثم يطيب الألم فى لمح البصر .
إن بعد المسافة يشعل الصدر يمزق الأوتار يغلق الحدود تتغير معالم الوجوه و تعيش الروح فى جسد ميت بلا حياة .
مهلاً أيها القاضي أنا الراحل الباكي أبحث عن عهد الحبيب بين الوصايا فى سطور الأيام .
2026-08-03