الاستاذ ماءالعينين بوية يكتب المتصوف و الحداثة
ذ.ماء العينين بوية
31 مايو، 2026
بقلم / ماءالعينين بوية
الصوفي كلمة تتماشى مع اللفظ الروحي،في حين يتماهى المتصوف مع اللفظ العلمي كمن جعل التصوف صنعة أو علما….الصوفي أو المتصوف أو الطرقي… كهوية عقائدية أو مذهبية أو اجتماعية، يطرح سؤال من نحن و أين يجد هذا المجتمع نفسه، و حين يشكك أحدهم في هوية مجموعة عرقية كانت أو دينية ترتكن إلى إرث تاريخي و علمي ….دون أن ترتقي به أو إن فعلت ذلك فعلى مكث…فما جواب المدافع عنها؟
بما معناه الصوفي هوية للبعض ضد ما يسمعه من عناوين سلفي وهابي شيعي ملحد…هذه الخرقة الهوياتية تمثل السجن الكبير الذي يحرص البعض أن يجد نفسه محصورا فيه، بل على أساسه بات يحكم و يحتكم من الغير، و حتى و إن ترقى كإنسان وظيفي فحمولته من ترسبات الهوية القاتلة كما سماها معلوف تجده محاطا بنوع من المحذورات يدعي بها إما الفوقانية أو المظلومية…..
صوفي اليوم داخل سجن التشخيص أشبه بالدرويش….إنه يمتهن الدروشة و يحاجج بالدروشة و يلبس عمامة الدروشة….هي دينه و قبيلته و أمته……
الدروشة انحطاط الصوفي انتعشت مع انحطاط الدولة و انحطاط المجتمع….من العباسية للمملوكية، و يكفي أن نعي رمزية التغيير من الخلافة إلى حكم المماليك….و هي رمزية ترتفع لتظهر كيف أصبح الصوفي بعد سبحه …مملوكا لاسم و مهنة و طريقة عائلية….
سؤال الواقع المجتمعي الذي لا يمكن الانسلاخ منه ( سجن القبيلة و الدروشة) و سؤال الحداثة، يفرضان على العضو الفرد التفكير في مشروع يجمع بين ما يسمى بالتراث مجازا و بين واقع التغريب و التحديث، أو التجديد كما يقول دكتور محمد عمارة.
يتحدث المفكر طه عبد الرحمان في كتابه روح الحداثة، عن حداثة الفعل و عن أخلاق الحداثة: “….ولمّا كان الزمن الذي يحصُل فيه هذا التعقيل للعالم هو بالذات الزمن الأخلاقي الخاص بالإسلام، فقد صار واجب هذا الدين الخاتم أن يرتقي بالتعقيل المادي المضيق الذي أخذ به أرباب العولمة إلى تعقيل موسَّع يعيد الاعتبار للأخلاقية في العلاقات التي تقيمها العولمة بين أفراد البشرية، عاملة على توحيد نمطهم في الحياة”.
هنا تبادر إلى الذهن كيف نرقى بمجتمع دعائمه الدين و الأعراف و الأخلاق…مجتمع لا يمكن نكران عوالقه و لا يمكن القطيعة معه تحت أي سبب من الأسباب، لنواصل ركب الحداثة بين عوالم تخطت حاجزها إلى ما بعد البناء ماضية نحو التفكيك…؟
لنا في واقع الحال و من تجارب الماضي و شواهد التاريخ، أن للمتصوفة على خلاف ما يشاع عن دورهم السلبي، دور في حركية التطور بل في ميلاد حركات إصلاحية جهادية من شمال أسيا إلى السودان و تركيا العثمانية و غانا و المغرب الأقصى…..فلماذا لا تتكرر هذه الحالة اليوم؟
مع بروز تيارات أخرى في مجتمعنا و مع متغيرات العولمة و التغريب…يحتاج كل من يدعي أنه خلف لسلف ميزاته كذا و كذا…أن يبين ذلك؟ و غرابة الحال تؤكد أنه لا يملك مقومات ذلك فهو أشبه بالظاهرة الصوتية…إنها الصورة التي تنتقل كحالة استنساخ أو حلول من محب إلى آخر يجد نفسه ممثلا عن أمة فاضلة دون أن يكون ممتلكا لمقومات الاستخلاف…قبل أن نتحدث عن نهضة مجتمعنا و تجديده و آليات ذلك لنحدد أي هوية نملك، فالمقامات التي يرتقي و يعرج منها و إليها الصوفي…أو الخرقة التي يلبسها المتصوف لجذبه….قد تكون في غيبة صغرى و الخوف أن تميل إلى الكبرى….هذا في سؤال حداثة المتصوف؟
الصوفي هوية أخلاقية، حتى يتجرد من قفص الغيبيات و دوائر الخوارق، و الكرامات و الأوراد المعددة بالسبعين….. و يجعل سبيله الرشاد بين الأمم…يجد الصوفي نفسه في الخلق الذي هو خلق أفعال لا أقوال…..الأخلاق تكتسح الدين فما بالك بالمذهب….لقوله إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق…..
فقبل أن نبحث عن الصوفي في إحسانه و شطحاته…لنبحث عن الخلق السوي……ومن ثم لنبحث عن دواعي الترقي …آليات التحديث…سبل العيش و التعايش مع باقي الأمم….وللبحث عن الهوية الأخلاقية و معاييرها….علينا أن نشخص حالتنا أولا بسؤال من نحن؟
وفي متاهات التشخيص، قد نحتاج شرط العقلانية للتمحيص و التنقيح، موازنين بين ما قاله طه عبد الرحمان و ما قاله محمد عابد الجابري: ” “نحن نعتقد أنه ما لم نمارس العقلانية في تراثنا وما لم نفضح أصول الاستبداد ومظاهره في هذا التراث فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا، حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة “العالمية” كفاعلين وليس كمجرد منفعلين، هذه هي الهجرة المطلوبة التي يتطلبها مشروع بناء وعي عربي إسلامي معاصر بالحداثة” .
2026-05-31