رسائل من كتاب ( بسم المحب المحبة الكبرى) للكاتبة المغربية نوهاد منصوري : الفصل 10….للمحبة إيمان لازم بالنفس
هيئة التحرير
6 أبريل، 2026

كتب : نوهاد منصوري

للمحبة إيمان لازم بالنفس، لأن الإيمان بالنفس، من الإيمان بالله الذي سواها، فلا تكفر بنفسك، كي لا تكفر بالله.
أنت لا ثاني لك، ما دمت فردا، فلا تشرك بنفسك أحدا، ولا تتخذ شريكا لك، في ما أفردك الله به وحدك، فأنت بروحك متميز، لأنه بروحه ميزك، لكي لا تشبه إلا نفسك، وما فرزك أيها المحب وميزك، إلا لتتجهز فتنجز، بمحبتك، مهمتَك.
لا تكفر بنفسك ولا تشرك بها أحدا، تفردك هو طبيعتك، فابق على طبيعتك، ولا تكفر بنفسك، لأن إيمانك بنفسك، من الإيمان بالله، فإنك إن آمنت بنفسك، آمنت بقدرتك على تبليغ رسالة ربك، فلا تكفر بنفسك، كي لا تكفر بالله.
أنت فريد، وكل ما فيك فريد، لأن دورك فريد، في هذه الحياة. تشخص ولا تتقمص، دور أحد، وتفرد لتتعدد، مواهبك، وتتسع وتمتد، مواردك.
فأنت أَحَدُ الأَحَدِين، لكن ليس بأي أحد من الأحدين، بل بالواحد الأحد جل جلاله.
أنت لا ثاني لك، ما دمت فردا، فلا تشرك بنفسك أحدا، ولا تتخذ شريكا لك، في ما أفردك الله به وحدك.
أنت متميز ببصمتك، لأنه ميزك ببصمته، لكي لا تشبه أحدا إلا نفسك.
فأنت فرد من العالمين، لكن ليس بأي فرد أو أي عبد من العالمين، بل برب العالمين، ورب الخلق أجمعين.
وما فرزك أيها المحب وميزك، إلا لتتجهز فتنجز، بمحبتك، مهمتَك.
إنما أفردك بالمواهب، ولم يحددك بالموارد، لكي يمدك، بالمحبة اللازمة لحمل أمانتك، فتمتد
لأداء رسالتك، على أكمل وجه.
هباتك هي أمانتك، فاحمل أمانتك ولا تسأل، واصقل مواهبك ولا تبخل، علينا بصنائعك ومصادرك، لأنها صلب رسالتك، كما لم يبخل هو عليك، بمواهبه ولا موارده، لأنها روح رسالتك.
متى صحَت منك الروح، صحَت منك المحبة، فصحَّت صحوتها، ودفعتك إلى الاشتغال على مشاعرك، بدل الانشغال بها، وجعلتك تشغلها، كي لا تشغلك، وتهتم بها، كي لا تهمك.
صحوة المحبة، تستوجب منك القراءة، فهو لم يقل اسمع، بل اقرأ، فاقرأ، ولا تكتف بالسمع، الأمر واضح، ولا يحتاج إلا الطاعة والسمع.
عندما تسمع، فأنت تكتفي بفهم الآخرين، وما يدريك أن فهمهم سليم، وأن فهمك عنهم صحيح، أو أن كلامهم
أصلا، صادق صريح ؟
أما عندما تقرأ، فأنت تدرك بكل حواسك، لتقرأ المقروء وغير المقروء، وتعي المحسوس وغير المحسوس.
فلا تعتمد على الآخرين، كي يقرؤوا عنك أو يقرئوك، مضمون رسائلك.
وهل يستوي القارئ والسامع ؟ أم هل يستوي السامع والفاهم ؟ اِقرأ كل شيء، لأن كل شيء يُقرأ، ما دام قد شِيء له أن يُقرأ، ولو لم يكن قد شاءه، لما شُيِّء لك، أو هُيِّء لقراءتك.
اِقرأ أطراف المعمور، وغير المعمور، واقرأ المسطور، وما بين السطور، لتعلم أن الكون كله مسطور، للقارئ وغير القارئ.
بل اقرأ إن شئت، بالمحبة والنور، بين الكاف والنون، والقلم وما يسطرون.
اِقرأ فإن للقراءة لسكينة وراحة، تلفك بالنور والصراحة، وتحفك بالسرور والمساحة، لتمدك بالسَّمْح والسماحة، والرَّوْح والاستراحة، لتقرأ بروحك، فتبرأ من جروحك، وتذرأ بقلبك، لتتذكر عهد ربك.
اِقرأ، فإن للقراءة لطاقة، تقرئك بوضوح، ودون الحاجة إلى شروح، لتفتح لك الصروح، وتفيض عليك من الفتوح، بما تمليه عليك الروح، كي تجعل هلالك يلوح، وعطرك يفوح، في قمم الجبال والسفوح.
اِقرأ بصدرك المشروح، لترى المحفوظ في اللوح، وتذكر الملفوظ في الروح.
فتبلغ رسالة حبك، دون تجريح أو جراح، وتسلم أمانتها، دون سيف أو رماح، وتنتشي بها، دون قدح أو راح.
فأنت رسول، وكلنا رسل، أتدري أن لك رسالة سماوية على هذه الأرض ؟
رسالتك السماوية، هي أن تكون لك رسالة أرضية، والعكس صحيح، أي أن رسالتك الأرضية، هي أن تكون لك رسالة سماوية، تنشرها على هذه الأرض.
بل إن رسالتك الإلهية، هي أن تكون لك الأهلية، لحمل رسالتك، بأمانة ومسؤولية.
كن جديرا بالمسؤولية، سواء أسميتها سماوية أم أرضية، دنيوية أم أخروية.
المهم، هو أن تكون أهلا، لكسب تلك الثقة، وسهلا، لحمل تلك الأمانة، لتكون لك الضمانة، لحمل مشعلها دون غدر أو خيانة.
أما الرسالة، فهي بسيطة، لا تعقيد فيها ولا غموض، بل هي في منتهى البساطة، كي تكون سهلة التنزيل، من سماء إلى سماء، هينة التحميل، من أرض إلى أرض، على وجه هذه البسيطة، فكل منا ميسر لما خلق له، لأجل نشر المحبة الكبرى عبر يسره وتيسيره.
هي جد بسيطة، ما يدعو الكثير إلى الاستخفاف بها، فلا تكن ممن استهتروا بها ولم يقدروها حق قدرها، فاختاروا عدم القيام بمقتضى الأمانة، وفضلوا الغدر والخيانة، بل الاستخفاف والاستهانة، بكل ما يسر لهم من خَلْق وخُلُق، وصواب وحق.
فما الذي تختاره، أن تكون أمينا على رسالتك، أم أن تعيش بلا هدف أو غاية، ودون أي لواء أو راية ؟ قبولك أو رفضك، هو اختيارك، إن هو في الحقيقة إلا اختبارك.
وما أشقى وأتعس، من يرفض الحياة والعيش، في كنف المحبة وتحت لوائها، مفضلا حمل وزر خيانته، على نيل أجر أمانته.
الاختبار هنا، في اختيارك لجمع شمل المحبة ونشرها، فقط بمحاسنك ومناقبك، وبكل ما يسر لك من هبات وآيات.
وبما أن هذا ليس بالأمر الهين، لأنه يقتضي منك السلام الداخلي والخارجي، فلا بد لك من التخلي عن كل السموم والهموم، كي تصح منك المحبة وتسلم، وتسلم أنت وغيرك بها وتغنم.
لن تصل إلى بر السلام، إلا إذا تشافيت وتعافيت، من كل السموم التي تجرعتها خلال حياتك، فجعلتك سقيما مسموما، مهموما مغموما.
لأنها أثقلت كاهلك وأنقضت ظهرك، بأجساد معاناة ومعاداة، تجرها دون هوادة خلال مسيرتك.
لذا فإنك لن تمتثل للشفاء، إلا إذا تبرأت وبرئت، من حقدك على كل من أسقمك وسممك، ومن ضغينتك على كل من أهمك وأغمك، كي لا تنقلب بدورك إلى شخص سام، لأن الحفاظ على سلامة قلبك، أمر صعب، لا يتأتى إلا بالسلام.
وهذا أمر غير متاح، ما لم تتمكن من التخلص من جميع أجساد معاناتك ومعاداتك، لتتمكن من التنقل، شبرا شبرا، من أرض المرض والمعاناة، إلى أرض الشفاء والمعافاة، وتستطيع الانتقال، رمقا رمقا، من الجسد السقيم، إلى الجسم السليم.
لكن للانتقال من الجسد السامّ، إلى جسم السلام، لا بد لك من حرف لام. يمكنك أن تراها بوضوح، وسط كلمة سلام فهي تفتح لنا صدرها، لتشرح لنا صدورنا،وتنير لنا عقولنا، ومن ثم نصيد خواطرها، لنفقه أقوالها.
جد لامك، كي تجد سلامك، فالسامّ لا ينقلب إلى سلام، إلا إذا حصل على تلك اللام.
فهل لديك هذا الحرف اللامّ، قلب السلام ؟ جد لامك، كي تلم بقية أحرفك المبعثرة، وتلم باقي أوراقك المتناثرة، بل كل دفاترك المتفرقة، عن أصل أم الكتاب، كي تحقق الألفة والائتلاف، بين كل أوجه الاختلاف، فتلم نفسك المشتتة، وربما تلم شمل أمتك، ممن يعانون من تلك السموم القاتلة، من تشتت وتعصب، وفرقة وضياع، وتيه وضلال.
فما هي هذه اللام الملكية، التي تحتضن كل أحرفك وكلماتك، وتتضمن كل أوراقك ودفاترك ؟ ما هو هذا العنصر الجامع اللامع، روح رسالتك، الذي يسع ويشع، ويصف ولا يصنف، ويؤلف ولا يحرف ؟
إنه الحب الغير مشروط، الذي لا يفرق ولا يقصي أبدا، ولا يبعد ولا يستثني أحدا، ولهذا فالقليل من يسعه أو يعي سعته، لأنه قد يكون مصدر لمّ، أو مصدر ألم، خاصة عندما ينقلب الحب، على المحب، فيؤول إلى عدو لدود، يشن عليه الحرب.
متى استعملناه الاستعمال الصحيح، الحكيم المعتدل، كان الحب، ولا شك، مصدر لَمّ وسِلم، ومتى استعملناه الاستعمال الخاطئ، بتفريط أو بإفراط، كان ولا ريب، مصدر جزع ووجع، وألم وحرب.
فلا تتردد في إيجاد تلك اللام، لتنقلب من شخص سامٍّ، إلى شخص سامٍ، فتجتنب الشدة والألم، واللوم والملام، لتقيم الأمان والسلام، في دنيا الأحزان والآلام، قبل الرجوع أخيرا إلى دار السلم والسلام.
فتنتقل بذلك، من شخص تخلى عن كل مسؤولياته، إلى شخص أمين مسؤول، مستعد للإجابة عن كل الأسئلة والمساءلات، ومن موقد مؤجج للحرب، إلى راع مُمَوِّج للحب، داع مروج للأدب، فتنقلب بذلك، من محب بسيط، إلى داع واع، راع للحب والوئام، وربما من محب سام، إلى رسول للمحبة والسلام.
2026-04-06