بلاغة الخطاب السردي في الرواية السعودية للكاتب المغربي عزيزالعرباوي (بلاغة السرد وآليات إنتاج المعنى)
عزيز العرباوي
31 أغسطس، 2025
كتب : الباحث والكاتب المغربي عزيز العرباوي
الفصل الثاني: بلاغة السرد وآليات إنتاج المعنى:
تقديم:
تمثل اللغة في النص الروائي الوسيط الرمزي بين إكراهات المعنى والرغبة في تحديد أهم خصائصها ومميزاتها على المستوى السياقي، وهنا يأتي التحليل الأدبي كسلطة معرفية للبحث عن هذا المعنى وتحديد آليات إنتاجه، وهذا لا يتأتى بسهولة كما يعتقد البعض، بل إنه مرتبط بمدى فهم وإدراك غايات المؤلف وتحديد السياق الذي كتب فيه نصه، بل ينبغي البحث في عن هذا المعنى ليس فقط في إطاره اللغوي العام، وإنما من خلال الوقوف على أهم الاستدلالات المساعدة في تحقيق هذا المعنى. إن الباحث مدعوٌّ، في هذا الإطار، إلى اقتناص أهم المواقف والمحطات في النص الروائي التي تسعفه في الوصول إلى غايته، وهي تحيد تلك الآليات التي تساهم مساهمة فعالة في تحقيق المعنى داخل النص. وفي هذا الصدد سنحاول فيما سيأتي أن نقف على أهم هذه الآليات ومنها: أفق انتظار المتلقي من النص، التخييل، الذاكرة، السخرية وأدواته في تحقيق المعنى…
الرواية وأفق انتظار المتلقي:
يمثل مفهوم أفق الانتظار نوعاً من التكامل بين علم الجمال وبين التاريخ، حيث يقول ياوس فيه: “إن تحليل التجربة الأدبية للقارئ تفلت من النزعة النفسانية التي هي عرضة لها لوصف تلقي العمل والأثر الناتج عنه، إذ كانت تشكل أفق انتظار جمهورها الأول، بمعنى الأنظمة المرجعية القابلة للتشكل بصورة موضوعية والتي تكون بالنسبة لكل عمل في اللحظة التاريخية التي يظهر فيها نتيجة عوامل أساسية وهي أربعة:
-
التجربة السابقة التي اكتسبها الجمهور من الجنس الذي ينتمي إليه.
-
الخبرة القرائية للقارئ وما تولد عنها من دراية.
-
شكل وموضوعية الأعمال السابقة التي يُفترض معرفتها.
-
التعارض بين اللغة الشعرية واللغة العلمية، أي التعارض بين العالم التخييلي والواقع المحض”.
ويمكننا أن نفهم من كلام ياوس أنه يركز على معرفة القارئ المسبقة لمجموعة من التقاليد والأعراف والأفكار التي تميز الأجناس الأدبية عن بعضها، هذا التميز الذي لا يمكن أن يكون إلا بالممارسة التي تمكِّن القارئ المتلقي من معرفة التشويشات التي تصيب التقاليد والأعراف الفنية بين الوقت والآخر، فحين يشرع المتلقي في قراءة عمل أدبي حديث الصدور، فإنه ينتظر منه أن يستجيب بالضرورة لأفق انتظاره، أي أن ينسجم مع المعايير الجمالية التي تكوِّن تصوره الخالص للأدب، في حين يسعى المؤلف إلى انتهاك هذه المعايير ومخالفتها ما أمكن، مما يجعل طريقته في الكتابة تدخل في صراع مع أفق انتظار هذا المتلقي، ويسمى هذا الفارق بين كتابة المؤلف وأفق انتظار المتلقي بالمسافة الجمالية.
يقوم أفق انتظار المتلقي على التعارض الذي يمكنه أن يحصل للقارئ وهو يقوم بعملية القراءة للنص الأدبي، باعتباره مجموعة من المحمولات الموصوفة بالفنية والثقافية، وبين عدم استجابة هذا النص لتلك الانتظارات والتوقعات التي ينتظرها القارئ نفسه، حيث يتأثر القارئ فيقف وقفة أخرى ليدبر أفقاً مختلفاً عن طريق اكتساب وعي جديد قد يكون مقياساً خالصاً يعتمد عليه في التأريخ للأدب كما يرى ذلك أحمد بوحس. ويبني ياوس هذا المفهوم المركزي من خلال ثلاثة ردود فعل عند عملية القراءة، وهي:
-
الرضا والارتياح: ويكون ذلك حين يقتحم القارئ عالم النص فيجد فيه انسجاما مع أفق انتظاره.
-
الخيبة: يُحس القارئ بالخيبة أساساً حين يحاول أن يقرأ عملا أدبيا انطلاقا من شروط ومحددات كونّها من خلال قراءته لعمل أدبي مغاير.
-
التَغْيِير: ويكون عندما يُذعن القارئ للجنس الأدبي الذي يقرأه ويستطيع أن يُكون رؤية أو نظرة خاصة بالجنس الذي يقرأه وهذا يعني أن يُكيّف أفق انتظاره مع العمل الجديد.
إن مهمة المتلقي في هذا الاتجاه لا تقف عند مسألة قبول العمل الأدبي أو رفضه، وإنما مهمته تتجلى في البحث والاجتهاد وإعمال عقله واكتشاف أدوات الفكر لديه. ورغم أن ليس كل متلقٍ قادر على اكتشاف الدلالات التي تحتويها النصوص التي يقرأها ويتفاعل معها، لكن الضرورة تتطلب منه على الأقل الحصول على قدرة أو معرفة تمنحه إمكانية إدراك العلاقات بين الصور المستخدمة داخل النص، وفهم مغزاها. فمعرفته وخبرته الخاصة في مجال القراءة المسبقة تقوم في الأصل على المعرفة الذاتية وعلى الذوق الجمالي الخاص به، وإلا يصعب عليه في النهاية الوصول إلى اكتشاف حقيقة المكونات والعناصر الجمالية في النص الأدبي. ومن هذا المنطلق يمكننا القول إن عملية التلقي وأفق انتظارها هي في الأصل عملية مشتركة بين المؤلف والقارئ، فالأول من خلال تجربته وأدواته الكتابية والإبداعية واللغوية التي تحتمل التحول والانفتاح الدلالي، والثاني من خلال خبرته الفنية وذوقه وتأويله الجمالي للنص.
تنزع الروائية رجاء عالم في روايتها “طوق الحمام” إلى نهج أسلوب جديد في الكتابة الروائية وتقنيات سردية مختلفة شيئاً ما عما هو رائج في الكتابة الروائية العربية، مما جعل قارئها في حاجة إلى معرفة خاصة تساعده على تلقي النص الروائي. هذا النزوع كان بمثابة الطريق السالكة للمتلقي نحو أفق للقراءة مثير للارتياح والرضا بالنص، وهذا من السمات التي أسهمت في نضوج السرد في النص إلى جانب القضايا المطروحة والموضوعات المعالجة وحتى الأسئلة المثارة والمثيرة لذهن القارئ وفكره.
يتميز نص الرواية بكونه حقلاً معرفياً وإنتاجاً أدبياً سردياً يعالج قضايا معقدة ثقافياً وإيديولوجياً واجتماعياً، من خلال ابتعاد المؤلفة عن التصريح والمباشرة، بل الرمزية والإيحائية التي ساعدتها في تقديم نصها وجعله ينفتح على فضاءات متعددة للتلقي. فكان رهانها الإبداعي هو الوقوف على قضية اجتماعية من خلال طرح قضية جنائية تتعلق بالعثور على جثة عزة، ومن ثمة البحث عن قاتلها والتحقيق في الجريمة لابد أن يمر عبر مراحل مختلفة يحاول فيها المحقق أن يتفاعل مع القضية ومع المتهمين، وهذا لن يتأتى له إلا إذا انخرط في المجتمع وتوغل في جيداً في الفضاءات والأمكنة المحتملة التي تفيده في بحثه وتحقيقه.
ويمكننا القول هنا أن رجاء عالم قد استطاعت من خلال هذه الرواية الممتعة أن تغذي قارئها فكرياً، وتثير شهيته إلى القراءة، فروايتها تنساب بالسرد الجميل، من خلال غزارة الأفكار والمعارف التي تعتمد على لغة سردية تستنجد بالرمز والإيحاء، وعلى بلاغة لغوية ضاربة في الإبداع، وعلى مهارات تفكيرية واستدلالية تساعد المتلقي على معالجة المعلومات ووفرتها في النص… فرجاء عالم دأبت في إبداعاتها الروائية هذا الأسلوب وخاصة في روايتها الجميلة “ستر” التي تركت أثراً طيباً لدى القارئ العربي. وما يثير القارئ لرواية “طوق الحمام” كونها تستحضر عوالم مدينة مكة المفعمة بالثراء والامتداد عبر الأزمنة والأمكنة والأذهان، عوالم غير مقبولة أو مرغوبة من طرف الذين لا يؤمنون سوى بالأبيض والأسود كلونين للحياة، ويصعب عليهم النفاذ إلى العمق والبحث عن ألوان أخرى وبالتالي أنماط أخرى للحياة والتفاعل معها…
يصل القارئ المتأمل للنص الروائي إلى أن رجاء عالم قد رسمت صورة خاصة للواقع باستدعاء التخييل، وذلك بمحاولة المزج بين التاريخ والحاضر والمستقبل والأسطورة والتراث والخيال الواسع والأدب والتقاليد والعادات والقناعات الشخصية… وهذا ما بوأ الرواية المذكورة جائزة البوكر في نسختها العربية عام 2010 مناصفة مع الروائي والكاتب المغربي الشهير محمد الأشعري. وليست مصادفة أن تحصل على هذه الجائزة، فالرواية تستحق ذلك، نظراً لمستواها الإبداعي، وللغتها الباذخة، ولبلاغة أسلوب الروائية في الكتابة من خلال وقوفها على أهم القضايا التي كانت معلومات استدلالية على العديد من الأحداث والوقائع سواء كانت تاريخية أم آنية…
وتبقى رواية “طوق الحمام” في اعتقادي تجربة سردية حديثة، تنفعل مع قارئها أثناء تواصله معها في أفق من الانتظار طابعه الدهشة والمتعة ولذة القراءة، إذ يصير النص في موقف يسمح بتوسيع واقع المتلقي وأفقه من خلال الانتقالات المتعددة من صورة إلى أخرى دون اتباع خارطة مشهدية محددة، مما يجعل أهم أدوار القارئ هي محاولة ربط هذه المشاهد والصور، انطلاقاً من قراءته لمقاصد النص وأسراره الجمالية من خلال سياقات جمالية وأسلوبية جعلتها المؤلفة خطابات سردية تؤسس للحدث المشترك بينه وبين المتلقي.
يصبح قارئ الرواية في مواجهة نص تتحقق من خلاله حالات من المتعة والرغبة في القراءة، حيث يشعر بجمالية التلقي المقترنة بالدهشة الفنية التي يحصل عليها قارئ النص، فيتأثر به ويتفاعل معه في الآن ذاته– جماليا- بمعزل عن العملية الإدراكية… ويعمل على الاستنجاد بالتأويل الاسترجاعي الذي يتحقق لديه وفق قراءة استرجاعية تهدف إلى إعادة تحقيق الفهم الذي يحقق للقارئ متعته القرائية، ويكشف له الأسرار الخفية في النص السردي. فالتلقي باعتماد التاريخ والذاكرة مسارين أساسيين لعملية التأويل، وذلك من خلال الاعتماد على إيجاد عناصر التأطير الزمني والموضوعي للنص الروائي، خاصة وأن النص يراهن على رؤية وموقف أدبي ومعرفي وثقافي في آن واحد، يمتزج فيه الخيالي بما هو واقعي، والاجتماعي بما هو سياسي، والأسطوري بما هو ديني محض، حيث يجعل من تداخل الأحداث والشخصيات وتكرار الصور والمشاهد وتباين المواقف لدى شخصيات الرواية من أهم العناصر الجمالية التي تخدم علاقة التواصل بين النص ومتلقيه. كل هذا يثير لدى المتلقي رغبات نفسه وميولاته وأحاسيسه المتنوعة تجاه مواقف حياتية ومعيشية مثل القتل والحب والسلطة والموت والتيه والضياع، بلغة سردية مثيرة، وبأسلوب سردي ممتع…
تجعل رواية “طوق الحمام” قارئها يشعر بدهشة كبيرة من خلال تفاعله معها وتواصله مع الشخصيات، ويحس بمتعة ولذة، وهو يحاول توسيع أفقه في التلقي من خلال انتقاله السلس بين المقاطع وقسمي الرواية، والربط بينها وبين الأحداث المتتابعة في الزمن أو المتداخلة مع المناصات المستحضرة في النص. إن ربط القارئ للمشاهد، وبالتالي لأحداث الرواية يمر عبر خلق مسار خاص به واتباع طريق محدد للوصول إلى مقصدية النص التواصلية والإخبارية اللتين تساهمان بطريقة أو بأخرى في التشكل الخطابي العام لخطاب الرواية. حيث يحرص السارد بالضرورة من خلال المقصدية الإخبارية على وضع المتلقي في الإطار العام للرواية وأحداثها، “وتوجه المقصدية التواصلية وعي السارد في تأثيث خطاب معرفي مضبوط يهدف من خلاله إلى تمرير معرفة معينة للمتلقي، والاستدلال على صدقيتها بطرق مختلفة بهدف التأثير فيه وإقناعه بها”.
2-1- المقصدية الإخبارية:
يرى الدكتور سعيد جبار أن هذا النوع من المقصدية يرتبط بالمستوى الأول للدلالة، فالمرسل يمرر للمتلقي عبر عملية التلفظ مجموعة من الأخبار يفترض في الغالب عدم علمه بها، ويشكل الإخبار الممر الأساسي الذي يربط جسور التواصل والتفاعل بين المرسل والمتلقي، “حيث يساهم في خلق سياق معرفي مضبوط يتصرف المرسل ضمنه لتمرير أخباره ومعلوماته، ويستغله المتلقي في إعادة بناء دلالات هذه الأخبار التي يستقبلها عبر ملفوظ كتابي أو شفوي”.
يتعلق الإخبار لدى المتلقي في الرواية من خلال حصول الفهم الأولي للعنوان والاستهلال الذي يقدم له بعض الأفكار حول النص الروائي وعوالم النص الروائي وعناصر السرد المتعددة، حيث يلجأ السارد، وبالتالي المؤلفة، في الرواية إلى تقديم العديد من المعلومات والأخبار والمعارف التي تحتاج منه إلى تنظيم وإعادة ترتيبها منطقياً وفق رؤية معينة تجدها ملائمة لتقديم الرواية في صورتها النهائية. ومن هنا، يمكن القول إن المؤلفة قد اعتمدت في هذا الإطار على استراتيجية معينة لتحديد معالم خطابها الروائي من حيث كونه خطاباً سردياً بالدرجة الأولى حيث تقديم الأحداث والوقائع والمسارات، وخطاباً وصفياً بالدرجة الثانية كونه يعتمد الوصف في بعض المحطات من خلال وصف الشخصيات والأمكنة والفضاءات الروائية، وخطاباً معرفياً ثقافياً باعتباره يتناص مع العديد من النصوص والخطابات الأخرى التي تثريه وتغنيه…
يحقق السرد في الرواية معنى عاماً جامعاً يمكن له أن يتضمن كلاماً خاصاً ذا صبغة إخبارية سواء كان قصة أم حكاية أم خبراً… وبالتالي فإنه يتضمن فعلاً إخبارياً حكائياً أو سيرياً من حيث كونه مفهوماً يحيل على وحدات قصصية بسيطة أو مركبة.
ومن خلال هذه الصيغة تتحقق المقصدية الإخبارية، حيث تهدف إلى إصابة الغاية لدى المتلقي الذي يصبح مدعواًّ إلى اكتشاف القضايا التي تحاول المؤلفة تمريرها عبر المعلومات والأخبار الموجودة في النص الروائي، خاصة تلك المعلومات المدرجة في ثنايا السرد والمستمدة من التاريخ أو من الدين أو حتى من ذاكرة المؤلفة ومعارفها الخاصة… فرجاء عالم وعبر المقصدية الإخبارية حيث تعمل على رسم الصورة التي قدمها السارد لفائدة المتلقي، حيث يمكن لهذا الأخير أن يستوعبها ويتقبلها من خلال قراءته لأحداث الرواية وتتبعها وتأطيرها.
إن المؤلفة لم تتوقف عند تقديم الأخبار والمعلومات والأحداث لقارئها بصورة موضوعية وجافة، بل تحاول سردها بأسلوب شيق معتمدة على تنظيمها في إطار من التخييلية والإبداعية، حيث تؤسس معرفة محددة المعالم ومضبوطة المعلومات تعتمد على قضايا وأحداث وأفكار مرتبطة بالضرورة بالمقارنة والاستدلال والتأويل والتفسير والتحديد. من خلال كل هذه المسائل تحاول المؤلفة أن تصل إلى توجيه القارئ إدراكياً وتأويلياً، والوقوف على أهم الحالات التي يمكنها أن تضبط من خلالها معرفته وتعيد توجيهها نحو وجهة تريدها، بل تهدف، من خلال التمثيل الذي يحدد العوالم التخييلية في الرواية وتفصل الوقائع التي تبنى داخل ممكنات التخييل المفتوح، إلى تحقيق المقصدية التواصلية من النص.
2-2- المقصدية التواصلية:
تتحقق المقصدية التواصلية في النص الروائي من خلال الانتقال السلس من مستوى الإخبار والإعلام إلى مستوى التمثيل، وذلك من خلال تجاوز الدلالة الطبيعية إلى الدلالة غير الطبيعية، حيث يحضر الطابع التأويلي الذي “يفرض بالضرورة آليات مغايرة، ومقاربة دقيقة تضع يد القارئ على العناصر الضرورية التي تسمح بتجلية هذه الدلالة الخفية للخطاب”.
يهدف المتكلِّم إلى ربط ميثاق تواصلي مع القارئ من داخل الخطاب نفسه. حيث إن أغلب التداوليين يشترطون في عملية التواصل مع القارئ مقصدية تواصلية مسبقة، فلكي يسهل على القارئ فهم دلالة الخطاب ينبغي عليه أوّلا أن يدرك المقصدية التي تنظمه وتوجِّه مغزاه. و يرى التداوليون أنّ َالضمني الذي يمكن أن يكون عائقاً أمام القارئ في التأويل، ليس من باب الاقتصاد في القول أو الترف الأسلوبي، وإنما هو من الوسائل التي تقوِّي عملية التواصل بين الكاتب والقارئ وتحقِّق مبدأ التعاون، وذلك أنَّ مجهود القارئ في الفهم والتأويل لا يولِّد لديه شعوراً بالمتعة فقط، بل يجعله يشعر بمشاركة المؤلِّف في إنتاج دلالة النص ولا يكتفي بالكشف عن دلالة النص الكامنة فيه، وهذا ما ذهب إليه جيرار جينيت، حسب فرناند هالين، من اعتبار دلالات النص الأدبي نتاجاً لالتقاء مقصدية المؤلف واهتمام القارئ، بل إنَّ فان ديك Van Dijk يذهب إلى أنَّ الدور الذي يلعبه القارئ أكبر من دور المؤلف نفسه، فـ”بينما يبدو المؤلف حرّاً في تحديد بناء ملفوظه فإنَّ القارئ هو المطالب بالتعاون بالشكل الأقصى (يتعرَّف على معلومة إضافية- يقدِّم تفسيرات جديدة- ويفترض فرضيات)”.
تؤسس المؤلفة تصورها للفعل التخييلي والواقعي في روايتها على مبدأ “المقصدية” الذي يمثل المستوى التعبيري المرتبط برؤية تجريدية تجمع بين مزيج متنوع من الشخصيات يجمعهم فضاء واحد وفي إطار مسار قصصي متصل، يمثلون حالة اجتماعية تعبر عن فلسفة موحدة تقوم على السخرية من الواقع ونقده، بما فيها اللغة الأدبية، موجهة لخدمة الأفكار والتواصل بها، إذ تمثل المعنى المسبق في ذهن المؤلفة. وإذا كان لاستعمال مفهوم المقصدية حدوداً في الرواية، بسبب الأصل اللساني القائم في اللغة الطبيعية، فإن المؤلفة تحاول تجاوزها- باعتبارها مأزقاً نظرياً تختلف من منظورها فاعلية توظيف مفهوم المقصدية بين اللغتين: المتداولة والأدبية- بتحوير الإشكالية إلى تساؤل مفتوح عن الفرق بين أن يكون “الأدب ذا مقصدية متصلة بالتخطيط الواعي للمبدع وبين أن يكون للتجربة الأدبية ناتج لا تسبقه دلالة مضبوطة وواضحة المعالم في ذهن الكاتب”.
هنا تتجلى بحق الفاعلية الوظيفية للمقصدية التواصلية التي تشتغل عليها المؤلفة في الرواية، حيث توجه لغتها الروائية في النص لخدمة الأفكار والمواقف داخله، وبالتالي التأثير على المتلقي وتوجيهه فكرياً وذهنياً…
تحمل الرواية مجموعة من المؤشرات السابقة التي لها دلالات معينة تخبر بمعلومات تهم رغبة المرسل في توجيه خطاب معين يتعلق بحادثة قتل شخص، وبالعثور على جثة المقتولة، حيث تشير الرسائل الواردة في النص إلى تاريخ مرجعي يتعلق بتواريخ تحيل على أحداث مهمة وقعت في زقاق أبوالرووس وبالتالي في مكة، تتعلق بما تعرضت له المدينة عبر تاريخها الطويل، وما عرفته البشرية أيضاً… فتضمين النص عناوين فرعية تتعلق بالعنوان الرئيس، يجعلنا نفترض أن هذه الرسائل متعددة بدلالة العلاقة بين (طوق الحمام) باعتباره عنواناً للرواية، وبين (أحداث الرواية وشخصياتها التي حاولت المؤلفة تحديد عناوين فرعية لها شارحة أو مفسرة)، وعلاقة بالمتخيل الروائي نفترض أن التركيب السردي سيخضع لمواصفات خاصة تستحضر وجهات نظر المرسلين، ما يجعلنا نبحث عن الحكاية في سياق تعدد الأصوات التي تريد إبلاغ الرسالة الخاصة بالنص.
إن المؤلفة، تحاول توجيه المسارات السردية بعبارات ومواقف ذات بعد توجيهي من جهة، وبعد فكري تربوي من جهة أخرى، حيث توجه متلقيها إلى أخذ العبرة من الأحداث الروائية، ومن المواقف التي تعالجها الرواية على مستوى الشخصيات، وذلك باعتبارها نماذج يمكن للمتلقي أن يتمثلها، من خلال الأثر الذي ترغب المؤلفة إحداثه فيه وهو يتلقى الأحداث التاريخية وغيرها. فعناوين مثل: “أبوالرووس، الثوب، ما قبل الجثة، الجثة، غيابة الزير، بنات ملائكة، مصادرات، قراءة قدم، عائشة: احتمال أولي لجثة، شذرات، الأمير، نافذة لنافذة، عزة: احتمال قوي لجثة، الواحد، ضلع يوسف، حية السكينة، الطيار، أبو براقع بمواجهة أبو رنان، نساء عاشقات، وسواس، المرشحون للنار، الذين يلتقون عزرائيل، يابس النزاح، دخان تفاح، معاذ/ مستقبل غيبي، أبراج البيت،….” هي في حد ذاتها عناوين لوقائع وأحداث ارتبطت بشخصيات الرواية التي توحدت جميعها لتشكل البعد الرمزي للخطاب الروائي المرتبط بالمقصدية التواصلية التي يدرك المتلقي من خلالها الأبعاد التاريخية البعيدة والقريبة المسجلة في مدونة التاريخ وفي كتب الأولين. فغاية المؤلفة لم تكن هي دفع المتلقي للاعتقاد بصدقية أحداث الرواية ومطابقتها للواقع، وإنما كانت غايتها الأولى والأخيرة هي تحقيق الأثر في المتلقي من خلال أخذ العبرة من هذه الأحداث والوقائع ومحاولة الإفادة من مواقف شخصيات الرواية وانفعالاتهم وسلوكاتهم…
-
من الدلالة إلى المعنى: التخييل والذاكرة:
يعيش الإنسان حاضره فيتذكر ماضيه، وإذا لم يرتحْ لهما، وشعر بشيء معين يفقده الثقة فيهما، فإنه يحرك خياله من أجل إعادة بناء هذا الحاضر وتكييف الماضي حسب رغباته وحاجاته النفسية والاجتماعية، حيث يحاول إبداع أدوات وأساليب يستحضر بواسطتها الأشياء والصور والمشاهد وتركيبها وترتيبها ترتيباً خاصاً في ذهنه المتوقد. فالتخييل هو القدرة الإبداعية على التحكم في الصور والمشاهد بالتفسير والتأويل وحتى بالتركيب. فهو يختلف عن الذاكرة لأنه لا يتعلق باسترجاع الماضي بكل تفاصيله ومتعلقاته، بل إنه يتعلق بالمستقبل، ويتجاوز الواقع في صورته الدلالية المحضة. وهو نوعان: تخييل تمثيلي يتم فيه استرجاع الصور والمشاهد شبيه بالذاكرة الحسية المتعلقة بالانطباعات الشخصية. وتخييل إبداعي يتعلق بالضرورة بتركيب وترتيب صور بشكل غير واقعي وبدلالات إبداعية يستخدم فيه اليقظة الذهنية للفرد المبدع وديناميته الفكرية والذهنية…
ويمكن القول إن التخييل والذاكرة يقومان بوظيفتين مترابطتين ومتداخلتين هما وظيفتا التخيل والتذكر، ولا يمكن أن نستغني عن بعض من التخيل ونحن نمارس فعل التذكر، ولا أن نستغني عن بعض من التذكر ونحن بصدد التخيل. فالتخييل يضيف إلى الذاكرة ويعيد إحياءها ويبعث فيها الحيوية والنشاط على مستوى الذهن، كما أن الذاكرة قد تساعد التخييل باعتبارها مرجعاً أساسياً له.
فالنص الروائي يمثل، من حيث كونه نصاً أدبياً متخيلاً، في عمومه الصور التي تعكس الواقع بتفاصيله وتجلياته حيث يقوم بتمثيل مكونات الواقع الاجتماعي الذي يعتبر في النهاية ثمرات ممتزجة للعناصر الثقافية والاجتماعية والسياسية والتاريخية والفكرية دون حصول الانفصال أو الانقطاع فيها. فأي فعل يروم استبعاد هذه المكونات يؤثر على الإبداع الروائي سلبياً ويمنعه من تحقيق مصداقيته الأدبية فيفقد الرواية دورها الحقيقي، والمتمثل في نقل الواقع بحذافيره لكن مع تدعيمه بعنصر التخييل ليتعارض مع التاريخ ووقائعه المضبوطة…
3-1- التخييل والعوالم الممكنة في الرواية:
لقد تعددت تعريفات “التخييل” واختلفت حسب المدارس الفكرية والأدبية، وما يهمنا في هذا البحث هو تحديد هذا المفهوم من منظور التداولية ومحاولة تطبيقه على نص روائي حديث يتأسس في أغلب عوالمه وعناصره السردية على التخييل. فالفعل التواصلي بين مرسل ومرسل إليه يتم عن طريق ما يسميه سبيربر إنتاج مؤشرات ينبغي حلها والوصول إلى تفكيكها لغوياً، حيث إنها تعكس القدرة الميتا-تمثلية للكائنات البشرية، وهذه الشفرات قد تكون لغوية أو غير لغوية، غير أن ما يميز اللغة هو أنها مؤشر غني يسمح لمستعملها بوضع إمكانات متعددة في التواصل، وهذا ما يمنح اللغة إمكانات الاستعمالات العادية أو المجازية. ومن هنا فالتخييل لا يقوم على اللغة وإنما على السياق التواصلي، ويرتبط بالعوالم والكيانات التي يخلقها المبدع.
ارتبط مفهوم التخييل الأدبي، حسب الدكتور سعيد جبار، بما أتت به التداولية التي لم تغفل جانب التخييل، حيث يعتبر “تجلياً من تجليات التواصل الإنساني، وحاول التداوليون أن يجدوا لخطاب التخييل أرضية تداولية لمقاربته، وتعرف حقائقه وأهدافه، والنتائج التي يحققها على مستوى التطور المعرفي لفعل التواصل”.
فالتداولية، حسب الباحث دائماً، تهتم بالجانب الاستدلالي في التخييل، لأنه يعتبر المبدأ الأساسي الذي يميز الخطاب الجاد الصادق عن الخطاب التخييلي، وتؤكد من خلاله على لا كينونة الكيانات التخييلية، فوجودها يرتبط بالضرورة بتمثيلاتها التي تتجلى عبر الملفوظات. فهذه الخصائص لا تجعل خطاب التخييل يفقد خاصيته المعرفية التواصلية، باعتبارها خاصية تتمظهر من خلال المقومات السياقية والاستلزامات الخطابية التي يعيد المتلقي بناءها من أجل الوصول إلى الدلالة التي يهدف تحقيقها المرسل أو المتكلم.
إن التخييل في النص الأدبي عموماً، وفي النص الروائي خصوصاً، لا يمكن وصفه بكونه خطاباً زائفاً أو كاذباً أو محرفاً، بل إنه خطاب يلجأ إلى الواقع لكنه لا يقدمه كما هو بصوره وحقائقه، ولكنه يحاول إفراغه من دلالاته المرجعية الحقيقية وملئه بدلالات أخرى مختلفة توافق السياق الخطابي التخييلي. وتكون هذه الدلالة الجديدة متجاوزة بالضرورة للأحداث الواقعية فتستدعي أحداث متخيلة تتخلل الأولى تدعيماً لها، أو توضيحاً أو حتى تفسيراً لبعض منها، ولا يمكن استحضار هذه الأحداث المتخيلة إلا لغاية التأثير في المتلقي وتوجيه فكره وتأويله وفهمه نحو فهم آخر مقصود، ونحو اتجاهات معرفية أخرى…
تحاول مؤلفة الرواية رجاء عالم أن تنتج تخييلاً يبحث في أغلب الأحيان عن ماضيها وتاريخها الرسمي وغير الرسمي، وذلك من خلال استحضارها للوقائع التاريخية التي قرأت عنها في كتب التاريخ، أو وصلتها بالتواتر والحكي، فالتخييل في الرواية ناتج عن فكر المؤلفة نفسه، وعما تختزنه ذاكرتها الشخصية، وعما تدركه فكرياً وثقافياً، ولذلك يصعب على الناقد أن يحدد إطاراً عاماً لهذا التخييل وعلاقته بالواقع في الرواية، لكنه قد يضع مسافة معينة بينهما من خلال ما يدركه بدوره من معارف تاريخية ويفهمه. فآن روبول تحدد هذه العلاقة بين الواقع والتخييل في ثلاث أمور هي: الاتحاد، التقاطع والمفارقة، حيث تعتبر أن كل تخييل يمكن له أن يكون أقل أو أكثر واقعية، كما أن أمر تحديد واقعية الأحداث وحقيقتها في نظرها يلزم المرء البحث في المستندات والوثائق، في المقابل يبقى تأويلها طريق سالكة إلى التخييل.
يظهر من القراءة المتأنية لرواية “طوق الحمام” أنها تمدنا بمجموعة من الأحداث والوقائع التي ترتبط بالواقع سواء تعلق الأمر بأزمنتها أم بشخصياتها أم بفضاءاتها المتعددة، فمن السهل أن ندرك واقعية هذه الأحداث ونربطها بالواقع في أي بقعة من العالم، ونحدد إطارها الاجتماعي الخاص، خاصة إذا ما انتقلنا إلى الأمكنة والفضاءات المستحضرة في الرواية، لكننا لن نعثر على كل هذا حقيقة وفي الواقع، لأن المؤلفة لن تجازف بالتصريح بشخصياتها وبأسمائهم الحقيقية، أو تبادر إلى التعبير عن الأحداث بحذافيرها وكأنها تؤلف كتاباً في التاريخ، بل إنها تهدف إلى كتابة رواية تخييلية على مستوى الأحداث والشخصيات على الأقل، رغم تصريحها الأول في الاستهلال بكون هذه الرواية هي قراءة لكتاب جدها الأول يوسف العالِم المكي، “أقرأ هذا الكتاب لجدي الأول يوسف العالم المكي، الذي كان يجسد الخبز تحت سجادة صلاته بالحرم، الأمر الذي قد يبدو لنا الآن (كسلاً مثالياً)، هذا إذا سلمنا بأن ضغط زر لبعث رسالة من مكة إلى الصين (كسلا)، نعم جدي كان من أولئك الذين يقطعون بلاداً بلمحة بصر”.
في ظل القراءة التي تصرح بها المؤلفة منذ البداية، يمكننا القول إن القراءة معرضة للتأويل وللتدخل في الأحداث والوقائع وتحويرها، بل إلى تغيير الأسماء التي قد تثير بعض المشاكل في حالة الكتابة عنها أو تقديمها على حقيقتها. ومادامت الرواية هي قراءة في كتاب قديم، أو بالأحرى قراءة في سيرة الجد الأول، فإنه يصعب علينا تحديد تجليات الواقعية والتخييلية في النص، لأن النسق السردي المتبع في الرواية لا يضمن خصائص كل نوع على حدة. فالمؤلفة في روايتها لا تقدم للقارئ أحداثاً تحاول من خلالها كسر الواقع وتمويهه أو حتى تزييفه بطريقة أو بأخرى، بل تعمل على تقديم أحداث ووقائع قد تكون تعيد تأسيس الواقع من خلاله أو مشابهة له، لكن من منظور متخيل يصعب نسخه فيما بعد، أو حتى اعتباره نسخة طبق الأصل منه.
لقد قام الاستدلال في الرواية على النص التاريخي والديني كاستراتيجية دفاعية عن أطروحة فكرية وجمالية ارتأت المؤلفة تمثيلها في النص. من خلال محاولتها التأكيد على الوقائع والأحداث المسرودة، والتأكيد على أن الأدب ومن خلاله الرواية مصدر مهم في التوعية الفكرية ونقد أطروحة أخرى، حيث الاستناد في ذلك على حجج استقرائية مبنية على وقائع وأحداث روائية تهدف من وراء ذلك إلى فهم الواقع ومحاولة تجاوز سلبياته وتبني إيجابياته عبر أساليب المواجهة والوعي بها.
إن أطروحة كون العمرة مثلاً مجال لغسل الآثام والذنوب والتهيؤ لاستقبال ذنوب أخرى، “من يجرؤ على كتابة زقاق كأبوالرووس غيري أنا، أبوالرووس نفسه، برؤوسه المتعددة. أنا الزقاق الصغير بطرف ميقات العمرة بآخر مكة، حيث يتطهر المعتمرون لأداء طقس العمرة التي هي: غسل آثام عام سابق للتهيؤ لعام لاحق من الذنوب”.
أو “ربما لم أكنْ زقاقاً طالعاً من عهد جرهم والعماليق، لكنني أتأكد بتاريخ يعبر من سقوط مملكة لقيام مملكة، ومحمَّل بحروب ودماء، استحققتُ عليه أن أُروى من أكبر وديان الحجاز (النعمان) الذي هو في المنجد اسم من أسماء ال(دم)، أو قناع من أقنعته”.
قلنا إن هذه الأطروحة قد استندت إلى تقديم حجج من التاريخ ومن الواقع والدين، حيث إن هناك استدلال بأحداث مرتبطة بالتاريخ الإنساني من خلال قدم الزقاق واستغراقه في الزمن رغم سقوط الممالك والدول. فزقاق أبوالرووس بقيَ صامداً عبر التاريخ ولم يتعرض للزوال أو للدمار فثبت رغم عاديات الزمن وتقلباته المتعددة من الناحية السياسية والعمرانية والاقتصادية…
تستغرق المؤلفة في وصف الزقاق والاستدلال على قدمه وثباته وصموده في الزمن، وكأنها تعبر عن أحداث ووقائع تحصل في الزقاق وتبررها من منطلقها الخاص الذي يعود لثقافتها ووعيها بالواقع والحياة. إنها تستهدف تمرير فكرة معينة تتحدد من خلال تبئير شخصيات الرواية وأحداثها ومواقفها وانفعالاتها تجاه العديد من القضايا الاجتماعية والدينية. فالعثور على جثة عزة ليست سوى منطلق للمرور إلى القضية الأساسية المتعلقة بواقع الناس المهمشين في المجتمع، والمحكوم عليهم باتباع التعاليم والقوانين والأحكام الدينية التي تسنها الجماعة باسم الشرع، وبالتالي تحميها باسم قوانينها التي سنتها في إطار مصالحها الضيقة. فالمحقق ناصر مثلاً عندما يحقق في مقتل عزة، لا يستبعد من ذهنه أن مواطني الزقاق كلهم معرضين للتحقيق معهم، لكونهم متهمين منذ البداية، ولا يمكن استبعاد هذه القناعة لأنه يعتقد أن سكان الزقاق المهمشين والبسطاء يمكنهم أن يقترفوا الجريمة نظراً لكون أغلبهم يعملون على إفساد البلاد والعباد وبالتالي إفساد الأرض المقدسة المتمثلة في مكة، المدينة العامرة والمرتبطة بالمقدس الديني والتاريخي.
وفي هذا الإطار، يعتمد المحقق ناصر على الاستدلال بالاستنباط لحل لغز الجريمة ومعرفة سر جثة عزة، حيث يقوم بالبحث في حيثيات العثور على الجثة، ثم يفحص المحيط، ويضع نصب عينيه أن كل سكان الزقاق أو على الأقل بعض الأشخاص الذين يشك فيهم، متهمون حتى تثبت براءتهم: “قلتُ إن هذه الحكاية تبدأ بجثة، ولأنها حكايتي فإنني أختار أن نهمل الجثة، فلن نعبأ بالأموات هنا بقدر ما سنطارد الأحياء، فلقد واظبتُ أخفي حبكات العشق والانتقام جيداً وراء الأبواب، حتى فضحتنا هذه الجثة. وحين أورد ذكر عزة أو أفسح مجالاً لفضح عائشة لغرامياتها، فلستُ أتساهل وأحصر فيهما هوية تلك الجثة التي تصلح أن تترشح لها كل بنات أبوالرووس. يجب أن أكون دقيقاً فلا أخلط الأسماء والأطراف والمسميات وأتعجل بتوجيه الاتهام لقاتل بعينه، ليس قبل أن نفصِّل الحكاية، ونوثقها بما جرى في عينة الرؤوس الأربعة التي تراوحت بينها الشبهة، الرؤوس المشمولة بفحم، بهذا (الحجاب) بيني وبينها: فهناك يوسف الموسوس بالتاريخ…. وهناك معاذ الذي تدرب ليخلف أباه في إمامة المسجد…. وخليل بشهادة طيرانه الموقوتة…. وهناك تيس الأغوات ربيب العشي الطباخ….”. فهو يحاول أن يستنبط من الوقائع والأفكار التي يحملها حول كل شخصية متهمة ما يساعده في حل لغز الجريمة والانتقام من هؤلاء الذين لا يروقونه:
-
الجثة التي تمَّ العثور عليها: مشكوك في أمرها، أما نسبتها لعزة لم يكن إلا لأنها غابت عن الأنظار منذ مدة.
-
الجثة مرمية في الشق بين البيتين: معاذ المصور الذي عثر عليها كان منهمكاً في عمله بطريقة غير لائقة من خلال قفزه بين السطوح.
-
عري الجثة: التقاط الصورة يعني عدم ستر عورة القتيلة.
-
الزقاق أبوالرووس: اجتياح إعصار التحقيق لأركانه وبيوته.
-
الطبيب في الزقاق: القيام بتحرير شهادة الوفاة وإعلانها على الملأ…
-
المحقق ناصر: الشك في بعض الأشخاص الذين يتحين الفرصة للإيقاع بهم…
يمكن للمحقق ناصر أن يعتمد عليها في تحقيقه وبحثه عن القاتل، لا يمكنها أن توصله إلى شيء إذا لم يحاول أن يتجاوز أحاسيسه الشخصية تجاه المتهمين، وإلا فإنه سيسقط في الفشل. فالتحقيق البوليسي يحتاج إلى حقائق ومستندات تدين المتهم، أما محاولة البحث عن بعض السقطات الأخلاقية التي قد تدين المتهم فإنها لا تقدم ولا تؤخر شيئاً اللهم إن كانت لها علاقة بالضحية… لكنه مدعو في النهاية إلى استناده إلى أشياء أخرى قد تساعده في ذلك ومنها ذاكرته التي قد تدفعه إلى الاستدلال على اتهاماته.
3-2- الذاكرة وآليات بناء المعنى:
إن الذاكرة أو التذكر هما الاسترجاع للأحاسيس أو الأفكار أو الأحداث السابقة. ويتم ذلك بواسطة القدرة على تسجيل الدلالات والمعلومات التي تمكن الفرد من استرجاعها أو استرجاع ما يشبهها، ويتم ذلك بالاعتماد على خصائص وقدرات الدماغ .وهذا ما يساهم في تقوية القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات حول وقائع العالم الخارجي والداخلي، وبالتالي إدخالها المتعدد في وشائج الإدراك والمعرفة والسلوك الفردي والإنساني. وذلك بتحقيق الربط بين الوضعيَّات السابقة للحالة النفسية، والوضعيَّات الراهنة، وبين عمليات التحضير للأوضاع المستقبلية التي يحاول الفرد أن ينفتح عليها. فالذاكرة تساعد في إنشاء المعنى، وبالتالي للمعنى والأحاسيس والانفعالات تأثير قوي على بناء الذاكرة. حيث يتم بناء ذاكرة قوية لحادثة ما مرة واحدة، ودون التكرار اللازم لبناء الذاكرة، وذلك نتيجة المعنى الهام لها. فالإنسان يتعلم ويتذكر الحالات والأوضاع المحزنة أو المفرحة أو ذات المعنى القوي ببساطة، لأنها مسجلة بشكل جيد ومرتبة ضمن إطار معين وترتيب محدد.
ويمكن تعريف الذاكرة: “بأنها جزء من العقل البشري، وهي مستودع لكل الانطباعات والتجارب التي أكتسبها الإنسان عن طريق تفاعله مع العالم الخارجي، وعن طريق الحواس وهي انطباعات توجد على شكل صور ذهنية، وترتبط معها أحاسيس ومشاعر سارة أو غير سارة للإنسان”.
كما يمكن تعريفها أيضاً الذاكرة الوحدة الرئيسية للتعامل مع المعلومات عند الإنسان فهي التي تمر بها محل القرارات التي يتخذها الشخص سواء كانت قرارات معرفية، نفسية، اجتماعية أو حركية . وهي: عبارة عن نسق لمعالجة المعلومات، وذلك مثل الحاسوب تماما، إلا أن المعالجة للمعلومات تكون على أساس ديناميكي تدخل فيه عوامل فيزيولوجية نفسية وغيرها، بل إنها عند أندرسون “على أنها دراسة عمليات استقبال المعلومات والاحتفاظ بها واستدعائها عند الحاجة”.
يستند السارد “أبوالرووس” إلى الذاكرة الموغلة في الماضي لاستحضار بعض الأحداث التاريخية التي عرفها الزقاق، وبالتالي المدينة من خلال الحرم المكي، منها بعض الوقائع التي تعرض لها الحرم، وذلك من خلال سياقات مختلفة ومتنوعة، حيث يقوم السارد باستخدام مثيرات خارجية تدفعه إلى التعبير عن هذه الوقائع وإغناء الحكاية، كل هذا يساهم في التعبير الرمزي عن مجموعة من المؤشرات التلفظية، باعتبارها تساهم في بناء الذاكرة من الداخل، يقول السارد: “ربما الأموات هم الأولى بتكوين جبهة معارضة، لأن الموت في مكة جبهة، ولقبور مكة تاريخ في الخروج على الإتاوات، وأشهرها ثورة القبوري، حين بويع السلطان محمد الخامس (محمد رشاد) وظفر الاتحاديون، وأقر الدستور في مكة والحجاز…”.
يحاول السارد هنا أن يقدم للمسرود له (القارئ) أحداثاً معينة تقنعه اعتماداً على ذاكرته، بل إنه يحاول أن يقدم نتفاً قليلة من هذه الأحداث التي تسعفه في توجيه التعبير عن مجموعة محددة من الملفوظات السردية السابقة على هذه الملفوظات. فمن خلال تقديمه لهذه الأحداث من خلال ثورة القبوري، يكون السارد قد قدم كمية مهمة من الأخبار والمعلومات التي يفترض مسبقاً أن القارئ قد عرف عنها شيئاً أو سبق له أن مرَّ بها في قراءاته.
ويظهر من توظيف السارد للذاكرة وهو ينوع من حضورها على شكل صيغ متعددة من خلال تقديمه لمجموعة من المعلومات التي تلعب وظيفة الإخبار عن أفكار معينة وجديدة، من أجل تحقيق الإغناء في المسار السردي، وذلك باستخدام مؤشرات تدفع القارئ إلى تجاوز فرضيات سابقة وبناء خلاصات جديدة أو بالأحرى فرضيات مختلفة عن السابقة. فالسارد يتبين المؤشرات الزمنية التي في الرواية من أجل تشكيل مؤشرات استرجاعية تعود بالقارئ إلى فترة تاريخية معينة من تاريخ مكة، حيث يركز فيها بالدرجة الأولى على مجموعة من الوقائع والأحداث التي قرأ عنها أو سمع بها. ومن هنا يمكن القول إن التوالد الذي تعرفه المسارات السردية ضمن هذا الإطار، ينتج عبر الذاكرة التي تسترجع الأحداث وترتبها ضمن ترتيب معين، وتنظمها تنظيماً خاصاً يحقق المقصدية التي يريدها السارد ومن خلاله المؤلفة. وفي هذا الصدد يقول السارد:
“آخر ما صور اللبابيدي من هذه العدسة ساحة المسجد الحرام حين أوصد جهيمان أبوابها بانقضاء صلاة فجر الأول من شهر محرم للعام الهجري 1400، 1979م، معتصماً بالمسجد الحرام، ومانعاً صلوات الجماعة. لدينا صور نادرة للجنائز التي هرَّب بها جهيمان أسلحته للحرم… لا يعرف معاذ متى بدأت الكلام ومتى أنهته، ‘تحت أقفاص جنائز النساء تسللت ذخيرة كاملة إلى خلوات الحرم، وأكياس تمر كمؤونة للمتمردين في اعتصامهم ببيت الله…’ هبط يوسف مع معاذ يقودهما شبح ماري…”. هنا يوظف السارد ذاكرته أو بالأحرى ذاكرة أحد المصورين لاستدعاء أحداث معينة ومؤثرة، حيث يتم من خلالها التعبير عن رؤية خاصة به، يهدف من خلالها إلى تمرير معرفة معينة إلى القارئ، وبالتالي بالمؤلفة. هذه الأحداث المستدعاة تحقق أمرين اثنين هما: الإخبار والإقناع. فمن خلالها يدفع السارد القارئ إلى الاقتناع بفكرته والتدليل عليها بما هو تاريخي وواقعي حدث في الماضي ولا يمكن التشكيك فيه لأنه مدعوم بالوثائق والمستندات، فلحظات الاستذكار تصبح لحظات عندها لحظة للتحقق، وهذا بدوره يمكنه أن يجتاز كل الدرجات من إعادة التذكر المضمرة إلى الذاكرة التصريحية، الجاهزة مرة أخرى من أجل السرد.
إن استذكار الهجوم الإرهابي على الحرم المكي الذي ترك آثاره السلبية على السارد وعلى القارئ في الوقت نفسه، بل على المجتمع عامة، جعلت المؤلفة تستدعي عبر ذاكرتها هذه الآثار، حيث يربط السارد الواقع المعاش بالماضي ويؤكد على تشابههما في الحال والمآل، وذلك من خلال تجاوز السلبيات التي تحدثها هذه الذاكرة لصالح ذاكرة جديدة تتجاوز سلبيات الأولى وتحاول التقليل منها وذلك عندما يستمر السارد في استدعاء الذاكرة التي تخبر بنتائج الهجوم الإرهابي التي أثمرت نتائج كارثية على مستوى الضحايا، لكنها في الوقت نفسه أثمرت نتائج إيجابية كالقضاء على الإرهابيين وقتلهم، يقول السارد: “هنا جثث ما بقي من العصاة… التقطتها ماري زوجة شيخنا اللبابيدي كفاتحة للدمار أو يوم القيامة الذي هبط علينا في هذا القرن عوضا عن المهدي”.
إن المعنى الذي تحققه الذاكرة في الرواية، وتعيد بناءه من جديد، جعل المؤلفة رجاء عالم تكتب لتنفتح على المستقبل وتنقل كل الأفكار والأشياء التي تشعر بها إلى حياة قادمة ترتبط بمشاعرها وأحاسيسها الخاصة. حيث تهدف من كل هذا إلى أن تكتب نصوصاً أخرى من حيث كونها تستمد إبداعيتها بما تختزنه ذاكرتها: “هل تذكر وداعنا الأخير بحجرة المستشفى ببون؟ مررتُ بأهدابي عليكَ، بذقني وأنفي؟ بكل ملامحي تتبعتُ البياض الناصع لصحنكَ، أتعرف عبق اللحم الحي؟ لا يزال يملأ حواسي حتى الآن؟”.
هناك نوع من الاستشراف على المستقبل، أو على الأقل من الارتباط بالحاضر واستعادة الماضي للانفتاح على المستقبل، يقول السارد: “في فراشي الآن يسترجع أنفي الملمس، وأطراف أهدابي، يجسدكَ حقيقة. لم تستقطب أحمد رائحتي وإنما رائحتكَ، بطارية تمَّ توصيل قطبيها، سرَت الطاقة وبُعثَ الضوء الذي تتهاوى إليه الحشرات…”.
إن الانتقال بالذاكرة هو في حد ذاته انتقال مشوب بالمعاناة، بالحزن، أو بالأحرى بأشياء ومشاعر يصعب على السارد أن يتحكم فيها، لأنه يدرك أهمية الذاكرة في استرجاع أهم لحظات الحياة السابقة. إضافة إلى كونه في حاجة إليها لأنها تساعده في تجاوز المشاكل والمصاعب والمثبطات التي يمكنها أن تعترضه في مسار حياته. هذه الذاكرة يصعب تجاوزها وبالتالي فهي صادقة ولا يمكنها أن تكون كاذبة، فالسارد عندما يهرب إلى ذاكرته بصدق، يدرك معناها الذي تفيده، فهذا الأمر يمكن اعتباره بمثابة استدلال ضمني خفي لأنه يعرف معناها في حدود إدراكه، أما عندما تنتقل الذاكرة من كونها فقط استرجاعاً للأفكار والمعلومات دون التحكم في هذه المعلومات وترتيبها وتنظيمها، فإنه يصير معها جاهلاً بمعناها نظراً لتجاوزها لقصديتها. يقول السارد: “سيظل الانتقال يرتبط بذاكرتي بمكعب أصفر محشو بسواد، أبوسعكَ تخمين ما هذا المكعب؟”.
-
السخرية وأبعادها الدلالية:
يتمثل البعد البلاغي للسخرية في علاقة التضاد بين اللفظ ومعناه وتعدِّيه لما وُضع له في أصل اللغة، حيث يمكن لها أن تقع أيضاً في المعنى المجازي، بل يمكنها أن تكون من خلال علاقة التوتر الناتجة عن تلاقي المعنيين الحقيقي والمجازي والحدين المبنيين على الذم والمدح. في حين يكون بعدها التداولي في إظهار القرائن الشفوية الدالة على الاستفهام أو الإنكار أو التعجب من الفعل أو القول، إضافة إلى عناصر سياقية أخرى مختلفة، وخاصة في جانبها الهزلي المحض.
يجعلنا المسار التواصلي للسخرية، إلى أن نقول إن الخطاب الساخر يتكون في أغلبه في منطقة التوتر الواقعة بين شطريْ تلقي العارف والخالي الذهن، ومن المواقف التعارضية بين الساخر نفسه والقيم التي يمثلها الشخص المتعرض للسخرية، لذلك كان هذا الأمر جامعاً بين الكلام الذام المادح أو المادح القادح… فالسخرية من حيث كونها “حجة مفارقة مبنية على العلاقات العقلية الباحثة عن الحقيقة، وتعدد صوتي غائب عن علامات النص ومناقض لها، وحجة شبه منطقية، قادرة على البحث في أصل المفاهيم والظواهر لتقصي خصائصها الجوهرية، من جهة، واستكشاف مواطن التعرض في قضايا وظواهر لتبيين عدم انسجامها، من جهة أخرى، بما يسمها بطابع المواجهة لمعتقدات وأنماط من التفكير تعمل على قلبها وإن كانت في الغالب لا تذهب إلى حد إعادة صوغها”.
وتبقى السخرية أسلوباً أدبياً يعالج الأشياء بطريقة المواربة وفيها كثير من الفن اللاذع الذي يثير الدهشة وفي بعض الوقت الضحك والهزل، وفي أكثر الأوقات الحزن ويحاول بكل ما يملكه من قدرة لغوية وبراعة أدبية محاربة الظواهر السلبية والأخطاء الرائجة في المجتمع. فالكتابة الساخرة تحتاج إلى مصارحة الذات أولاً قبل مصارحة المجتمع وتعمد إلى تكسير جميع الحدود اللغوية والأدبية لتكون الرسالة أقوى من طلقات الرصاص أو القتل الرحيم… إن الأدب الساخر كوميديا سوداء تعكس أوجاع الإنسان السياسية والاجتماعية وحتى الدينية حيث يقدمها بقالب ساخر يرسم الفرحة والضحكة على الوجه ويضع حسرة في القلب، ويشتمل هذا الأدب على كافة أنواع الإبداع الأدبي الذي يطرح موضوعاته بسخرية والكاتب الساخر هو من يحول المعاناة الإنسانية إلى بسمة، والحزن إلى إبداع. ولابد لنا أن نوضح أيضا أن الأدب الساخر ليس هجاء بينما الهجاء هو من قلب الأدب الساخر، حيث يعتبر الهجاء خارج القالب الأدبي تهجماً واعتداء على الخصم والطرف الآخر دونما هدف أو غاية أخلاقية أو قيمية أو حتى تربوية….
4-1- توظيف السخرية في الرواية:
تحكم العلاقة الساخرة تراكيب مفارقة دلالياً، بل عناصر لسانية ذات طبيعة استخفافية، وأخرى سياقية، ينتجها التعارض المحتمل بين الملفوظ والمرجع أو بين القول وصاحبه. وهذا ما يؤكد العودة بالسخرية إلى مقاصدها الخطابية الأولى، باعتبارها “ممارسة للتهكم، أو طريقة للإقصاء، أو الاستهزاء من شخص أو شيء معين”. ويمكن استنتاج أن السخرية من حيث اعتبارها تقنية بلاغية استدلالية تحتكم إلى كون:
-
أن مقاربتها في ضوء المستوى اللساني المحض قد يقلص طاقتها الإيحائية. بل إن قصرها على المقاربة البلاغية سيكون على حساب تحليلها خطابياً ووصلها بقصدها الإقناعي والاستدلالي…
-
أنها شكل خطابي متفرع عن النوع التقويمي، وجنس من أجناسه الصغرى. حيث يتميز ببنية خطابية خاصة، يتخذ المتكلم من خلالها، مسافة تفصله عن ملفوظه وعن واقع معين…
-
أن قيام الفعل التواصلي على التنكر المفارق، فالمتكلم يخفي مراده ويساعد على الوصول إليه. حيث يجد في ذلك متعة لمن يستهويه كشف قناع المعنى، وخيبة لحركة المسحور منه، وحس انتقادي من لدن الساخر، ذي بواعث تحفيزية للفت الانتباه إلى قضية معينة يدعو إلى تأملها وإعادة التفكير بها…
إن النص الأدبي الساخر أو بالأحرى النص الأدبي الذي يحتوي على مواقف ساخرة ومفارقة لغوياً، يمكنه أن يكون بياناً سريّاً بين المؤلف والقارئ، بين الهمِّ والضحكة، بين الألم وصاحبه، بين القلم الذي لا يخاف ردة الفعل وما يمكنه أن يقف ضد ذلك، مثل رسائل العشَّاق والمحبين التي تكون سرية وغير معلنة. فالسخرية إرادة إبداعية في النص الأدبي، وإمكانية للتعبير عن المشاعر والأحاسيس والمواقف بأسلوب مختلف. ونود أن نركز على أهمية القراءة الساخرة التي تساعد المبدع في أن يستمر في إبداعه، حيث يجد نفسه أمام دعم ومساندة منقطعة النظير، حيث يسلك دروباً ضيقة ومجاهل خطيرة تهدف التغيير والإصلاح وضرب المألوف والمتعارف عليه. فبدون القراءة المساندة يبقى الوصف مفتوحاً والاستعارة غامضة في موقف السخرية، لأن القراءة الساخرة حالة ثانية للانزياح اللغوي والدلالي للكلام. فالأدب الساخر هو في معناه العام، يعبر عن حالة رفض للواقع الاجتماعي السائد يتطلب من المبدع أن يكون ذكياً في التعبير به، وأن لا يسقط في صراع معين مع سلطة معينة داخل المجتمع، والتي قد تقوض عمله وتبخس إبداعه وتحاربه فيما ينتج ويبدع…
تشي الرواية بعيوب الشخصية الدينية في المجتمع العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، الشخصية التي تنجح في إثارة حفيظة الآخرين ضدها، وبالتالي السخرية من اجتهاداتها وأفكارها حتى فتاواها ومواقفها. فرغم الكاريزما الدينية التي قد تتصف بها هذه الشخصية، لكنها لا تحصل على الإجماع، خاصة من قبل المثقفين والمفكرين الذين يحاولون جاهدين مواجهة مثل هذه المواقف ونقدها. وها هي المؤلفة تزعم أن الأفكار الدينية الغريبة والفتاوى التي تلقى السخرية من قبل المجتمع: “الشيخ مزاحم هو باختصار تاجر أرزاق، ومصاب بإمساك مزمن، لا تريحه إلا تحميلة السبابة بزيت اللوز، الأمر الذي يتحرج منه في رمضان فلا يُرصد هلال شوال إلا ويكون قد تقرح شرجه وتحجرت أمعاؤه، حتى صار همه البحث عن فتوى (بأن زيت اللوز في فتحة الشرج لا يفطِّر أو يجرح صيام الصائم)”.
إن الملاحظة في هذا المقطع من الرواية، تحيلنا على رؤية نقدية معينة ضمنية أرادت منها المؤلفة أن توجه نقدها اللاذع لأفكار بعض شيوخ الدين الذين لا همَّ لهم إلا بطونهم وشهواتهم. فالخطاب الساخر هنا، ينسج استراتيجيته الإقناعية بقضية المؤلفة الأساسية، وذلك انطلاقاً من صورة الشخصية المسخور منها (الشيخ مزاحم)، وذلك استناداً إلى تقنية خاصة تتمثل في وصفها بأوصاف معينة مثبتة عليها في الظاهر والباطن. فاختيار الصفة المعروفة على الشخصية يساهم في إسناد النتائج المترتبة على السخرية، والتي قد تكون نتائج سلبية ضد الشخصية في حد ذاتها، كأن تلصق بها صفات معينة مدى الحياة، وتصير كالعلامة التجارية أو الثقافية التي تسمها.
إن تتبع الخطاب الروائي في النص، وبالتالي ما يبرز مظهره الساخر، يحيل على وجود نوع من الاختيار المنطقي والاستدلالي لهذا الخطاب، نظراً لأهميته في توجيه القارئ وجذب انتباهه، بل التأثير في موقفه وتوجيهه نحو غاية معينة تريدها المؤلفة. وها هي توظف السخرية اللاذعة الممتزجة بنقد الفكر المتخلف المرتبط بالخرافة والشعوذة، من أجل فتح أبواب اكتشاف المعقول بدءاً من تقديم صور معينة ثابتة في العقل المتخلف للبعض وقيم تنهل من الشعوذة والأسطورة لتحقق وجودها وراهنيتها واستمراريتها في الثقافة الشعبية. يقول السارد: “وحتى لو راودت إخوتها الشكوك، من يجرؤ فينقب عن كنز في هكذا مخبأ؟ من يملك أن يقتحم عفة شقيقته ومباشرة رحمها؟ يا لها من بنت جبارة! اجتاح أبوالرووس إعصار تلك الفضيحة، قالوا إن أم السعد سقطت من فك عزرائيل راجعة من الموت بغنائم لا تخطر على بال، وتوجوها بصفتها أكبر مهبل بالزقاق. وكرشوة لإسقاط التهمة رضخ الإخوة لتزويجها من منقذها العشي، متنازلين لها عن الشقة بالطابق الأول بعمارة الجامعة العربية. ليعاودوا محاولة نهب تلك الحصة، مراقبين بفزع كيف تُغرق أم السعد الزقاق بصناديق التفاح التي توزعها كل حول، تلقي للزقاق باللب لتلهم القشور احتفالاً بصمودها البطولي، تتفاقم صلابتها وجوعها”.
هذه الصور الساخرة تفيد النقد، نقد علاقة المؤلفة بالمجتمع وتفكيره السائد، من خلاله تتعرض لأهم المواقف والسلوكات الثقافية والدينية والاجتماعية السائدة، حيث الترويج لثقافة معينة من خلالها تتم السيطرة على عقول كثير من الناس من أجل تحقيق غايات أخرى، وبالتالي إغراقهم في الشعوذة والخرافة والالتفات إلى ما يعود عليهم بالمصلحة. فالمؤلفة عندما تستدل بذلك، فإنها تذهب إلى غاية تحقيق نوع من التغيير الثقافي والاجتماعي الذي يذم مثل هذه المواقف والسلوكات ويفضحها أمام الناس الذين يؤمنون بخوارقها وبقدرتها على تحقيق الأهداف والمصالح…
لقد وجهت المؤلفة خطابها ليعبر عن قيمتيْ الخفاء والتجلي، الظهور وعدم الظهور، حيث يتم قيامهما على المفارقة بين الواقع واللاواقع. فالقوى الفكرية الناتجة عن التركيز على الأهواء والمشاعر والأفكار والصور المألوفة، من محددات التعبير عن القضية التي تهدف من خلالها المؤلفة أن تحقق نوعاً من الاحتجاج على ادعاءاتها ووصفها لواقع مكة والكعبة وكل ما يحاط بهما بأوصاف غير مقبولة في عرف الكثيرين، لأنها تجاوزت، حسب منظورهم، المقبول والسائد، يقول السارد في ذلك: “(البارحة حين دخلتُ صحن الطواف بالحرم لم أجد الكعبة، للحظة تلفتُّ حولي باحثاً عن الساحر ديفيد كوبرفيلد الذي غيَّب برج إيفل وتمثال الحرية، شاكاًّ بوجوده يخدع الطائفين بالصحن، لكني وبتحسس طريقي لمستها بأصابعي، مخترقة الطبقة الكثيفة من أنفاس المعتمرين بيني وبينها، وما من نسمة جبلية تقشعها! وحين انزلقتُ لشوط الطواف الأول ورفعتُ عيني للسماء ما كان فيها من مكان للقمر، والذي كان يزاحم أبراج البيت ليغمرني، ويغمر الصحن بفضته لم يكن من فضاء، ليس غير الأبراج الناشبة في لحمة الجبال البركانية العارية…)”.
يساعدنا السارد في النص في عملية البحث عن آثار النقد الساخر لبعض المواقف والسلوكات الاجتماعية المتعددة، فحينما يعلق على مسألة اختفاء السكاكين من الأسواق المكية، وكذلك السواطير والأدوات الحادة، بل إن هناك إقبال عظيم على شرائها من العمالة الإفريقية التي تبيعها، فلا يمكن استحضار هذه الأحداث إلا إن كانت لها ما لها من أثر على القارئ الذي يحاول ربطها بما هو حاصل في المجتمع وبروز جماعات إرهابية متطرفة تعمل على زعزعة الأمن العام وإحداث بلبلة في المجتمع من خلال مثل هذه السلوكات أو حتى من خلال إقدامها على تفجير بعض الأماكن وقتل من فيها. لكن مؤولي الإمارة المكية لم يهتموا بالأمر واعتبروه أمراً مثيراً للسخرية لا يستحق الاهتمام، يقول السارد: “حلت الثمانينات المكية بامرأة هاتفت مكتب الإمارة بمكة تبلِّغ عن ظاهرة طريفة: قالت: (أنا مكية بنت مكي، ولاحظت وزوجي اختفاء السكاكين من الأسواق. واستفسرنا لنكتشف الغياب المتعاقب للسواطير، والأدوات الحادة، وأن هناك إقبالاً منقطع النظير على شرائها من العمالة الإفريقية) ذلك التعليق الذي أثار سخرية موظفي الإمارة فجَّر حدثاً كان يجري بصمت مميت تحت السطح، اكتشف نائب الأمير أن وكيله (با عالي) ضالع في قضية إخلاء باسمه للأرض الممتدة بالرصيفة والمملوكة لعائلة القبوجي التي عجزت عن إخلائها من شبكة المقيمين الطفيليين بها،…”.
4-2- الخطاب الساخر ودلالته:
يساعد الخطاب الساخر القارئ في اقتفاء أثر النقد الاجتماعي حيث يساعده هذا الأمر في تأكيد عدم ثقته في كل السلوكات والمواقف الاجتماعية السائدة والثقافة التي تنهل من الخرافة والأسطورة والشعوذة التي تجد تعالقها مع ما هو ديني وشعبي حاضراً في ثقافة المجتمع الشعبية. إن الاستدلال على ذلك يدفع السارد إلى إعادة تقويم قيم المجتمع وإصلاحها اعتماداً على خطاب ساخر يثير حفيظة المسخور منهم، ويجعلهم في موقف الصدمة يعيد بناء فهمهم للأمر وإدراك خطئهم وانزياحهم على الصراط المستقيم وبعدهم عن القيم الدينية الصحيحة.
إن إفراط المؤلفة في الخطاب الساخر هو تعبير رمزي وإيحائي يحيل القيم السائدة والمتخلفة إلى حقيقتها المرفوضة دينياً وثقافياً، وذلك من خلال إقناع القارئ بكونها تنافي العقل والدين والثقافة، دون مراعاة منها لمسألة المقام والمقال. فالهجوم على هذه القيم المتخلفة هو ضرورة خطابية استدعتها المؤلفة لتؤكد أطروحتها، وبالتالي توجه قارئها نحو فهم معين وقناعة مفادها أن هذه السلوكات والمواقف والقيم المجتمعية السائدة هي محض تخلف ورجعية وبعد عن الدين الحقيقي، يقول السارد في ذلك: “يمشي في ذلك الزقاق بحثاً عن كارثة تستدرج الشنقيطي للظهور من مخبئه الغيبي، شعر ناصر بالترقب في الهواء لطلة الشنقيطي لإعادة كراماته، كما حدث في حكاية الأب الذي انعجنت يد طفله حين أغلق باب سيارته عليها، وبين العويل ظهر الشنقيطي وقرأ ونفث على اليد فرجعت سليمة، أو حكاية صاحب الدراجة النارية التي تهشمت ساقه تحت العربة التي صدمته، ليظهر الشنقيطي ويقرأ وينفث فتلملمت الجروح وجبر العظم وقام الشاب ليجرجر حطام دراجته لأقرب ورشة! يفكر ناصر أن الشنقيطي يصلح لبرامج الفضائيات المشغولة بقراءة الطالع والتداوي بالأسحار وعمليات تحويل الأرز القبيح إلى بجعات بعمليات تجميل خرافية”.
يبدو هنا أن هناك وعياً من المؤلفة بوجود حالة سذاجة تتصف بها الشخصية المسخور منها، فالمواقع السياسية الإيديولوجية والدينية والمبادئ الأخلاقية القيمية ذات الطابع الفكري التقليدية تظهر هذه السذاجة، وتحدد معالمها الدلالية الخالصة، حيث يبدو على مثل هذه الشخصيات نوع من التأرجح الفكري والتراجع القيمي عندما يتعلق الأمر بمسألة ذات طابع ديني، لأنها لا تستطيع مواجهة من يدعي الدفاع عن الدين وتمثيله شرعياً وتطبيق شرائعه وحدوده على الناس. فجوهر القضية قيمي وأخلاقي محض يبحث في تحديد المواقف والقناعات الفكرية التي يمكن لها أن تنضم إلى قناعة المؤلفة التي ترتبط بنقدها للواقع الاجتماعي وسلوكات هذه الجماعات. يقول السارد: “(لا، هي تعرف أنني أنفذ شرع الله، أنا كأبي في البيت رقيقاً ولا نخافه لا قبل التنفيذ ولا بعده… يخرج للقصاص على وضوء وطهارة، كأنه ذاهب للمسجد… في ثوب مغسول وغترة وعقال… آخر مرة قطع سبعة رؤوس في سبع ثوان، كل رأس بضربة بلا حاجة لتكرار الضربة…)”. يأخذ هذا الخطاب مشروعيته من خلال كونه خطاباً هزلياً، وذلك من خلال تحويل الكلام الباطل إلى حق، ومجاوزة المعقول، واعتباره واقعاً سائداً بقوة القانون والدين والأعراف والتقاليد ورواجه وقبوله من الناس.
نخلص من هذا المقطع إلى أن المخاطب فيه جاهل بالحقيقة وبالقضية المتحدث عنها هنا، بعيد عن إدراك حقيقتها وقيمتها المجتمعية في ردع المخطئين ومعاقبة المذنبين، وما استدعاؤها من طرف المؤلفة إلا لتؤكد أن هذه الحقيقة التي يعتبرها المتكلم شرعية ولها مشروعية دينية قوية، إنما لتقول إنها حقيقة زائفة لا أساس لها من الصحة، وبعيدة كل البعد عن الشرعية والمشروعية الدينية، ولا يوجد أي شيء يفيد ذلك في الشريعة، فكل ما يروج باسم الدين والشريعة ما هو إلا للسيطرة على عقول الضعفاء والأميين والذين يصعب عليهم رد القرار وبالتالي الخضوع له.
وتعْرف السخرية غالباً، وتتميز بالتغيير التأويلي الذي تثيره أثناء القراءة. إنها تنشأ في مجموعة تبيح لها أن تنكشف، بالتقابل مع سياق ينتج تأثيراً معيناً. فالسخرية هي آلية خطابية. وبذلك فكل حكي يمكن منذ البداية أن يعتبر لدى القارئ أن السارد وهو يحكي الحكاية إنما يفعل ذلك بنية حسنة وغير مراوغة، فالقارئ يمكن له أن يطرح التساؤل حول تمسك السارد بما يقوله من دونه. فيبدأ اللبس لدى القارئ عندما يعترف السارد بكونه لا يلتزم بقوله، حيث يمكن للقارئ، في هذه الحالة، أن يعيد النظر في حالة وجود سخرية في الكلام، أو تعبير عنها، فيبحث من جديد عن معناها.
وتنكشف السخرية في الرواية في تحقيقها الجيد للبعد الأدبي المتميز في النقد الاجتماعي والسياسي والديني لبعض المواقف. فهي تخدم بطريقة جيدة تجديد الفكر السياسي بوصفها تنتج حكماً نقدياً. فهي لا تعمل على تفسير المعرفة المشتركة، بقدر ما تقوم على المراهنة على كل ما هو ضمني وخفي، ففي رواية “طوق الحمام” تنقل المؤلفة رجاء عالم قارئها إلى عوالم متخيلة من الناحية القيمية والثقافية في مجتمع تحكمه التقاليد والأعراف والإيديولوجيات المترتبة عن وعي ديني ضيق لا يتجاوز مصلحة الجماعة التي تتبناه. هنا بالضبط يظهر جلياً ذلك الإفراط الخطابي في السخرية من قبل المؤلفة من أجل تحقيق أثر واضح لدى متلقيها وتوجيه فكره ونقده لهذه المواقف والسلوكات والقناعات داخل المجتمع…
لقد ساعدتنا هذه المقاربة التحليلية لرواية “طوق الحمام” من خلال وقوفنا على المستوى السياقي والمقامي فيها، إلى إبراز العديد من المميزات التي ميزت النص كنص أدبي مكتوب، وكخطاب أدبي يهدف إلى التأثير في المتلقي، وتحقيق أثر إيجابي فيه. فالرواية كانت مساعدة على الوقوف على جوانب مهمة، يمكننا إجمالها في النقاط التالية:
-
نزوع الروائية رجاء عالم في “طوق الحمام” إلى نهج أسلوب جديد في الكتابة الروائية وتقنيات سردية مختلفة شيئاً ما عما هو رائج في الكتابة الروائية العربية، مما جعل قارئها في حاجة إلى معرفة خاصة تساعده على تلقي النص الروائي. هذا النزوع كان بمثابة الطريق السالكة للمتلقي نحو أفق للقراءة مثير للارتياح والرضا بالنص، وهذا من السمات التي أسهمت في نضوج السرد في النص إلى جانب القضايا المطروحة والموضوعات المعالجة وحتى الأسئلة المثارة والمثيرة لذهن القارئ وفكره. ولن يتأتى هذا إلا من خلال القراءة المتأنية للنص وبلورة العديد من عناصره السردية، بل والوقوف على بعض الخصائص التي تميزه وتحدد عوالمه المحكية. وبالتالي أحداث الرواية التي تمر عبر خلق مسار خاص بها واتباع طريق محدد للوصول إلى مقصدية النص التواصلية والإخبارية اللتين تساهمان بطريقة أو بأخرى في التشكل الخطابي العام لخطاب الرواية…
-
تنتج المؤلفة تخييلاً في الرواية يبحث في أغلب الأحيان عن ماضيها وتاريخها الرسمي وغير الرسمي، وذلك من خلال استحضارها للوقائع التاريخية التي قرأت عنها في كتب التاريخ، أو وصلتها بالتواتر والحكي، فالتخييل في الرواية ناتج عن فكر المؤلفة نفسه، وعما تختزنه ذاكرتها الشخصية، وعما تدركه فكرياً وثقافياً ودينياً، ولذلك يصعب على القارئ الباحث أن يحدد إطاراً عاماً لهذا التخييل وعلاقته بالواقع في الرواية، لكنه قد يضع مسافة معينة بينهما من خلال ما يدركه بدوره من معارف تاريخية وثقافية ويفهمه…
-
يستند السارد في الرواية إلى الذاكرة الموغلة في الماضي لاستحضار بعض الأحداث التاريخية التي عرفها الزقاق، وبالتالي المدينة من خلال الحرم المكي، منها بعض الوقائع التي تعرض لها الحرم، وذلك من خلال سياقات مختلفة ومتنوعة، حيث يقوم السارد باستخدام مثيرات خارجية تدفعه إلى التعبير عن هذه الوقائع وإغناء الحكاية الأصلية، كل هذا يساهم في إنتاج استدلال منطقي محض ينبني على مجموعة من المؤشرات التلفظية، باعتبارها تساهم في بناء الذاكرة من الداخل وتحديد معناها.
-
تشي الرواية بعيوب الشخصية الدينية والشعبية في المجتمع العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، الشخصية التي تنجح في إثارة حفيظة الآخرين ضدها، وبالتالي السخرية من اجتهاداتها وأفكارها حتى فتاواها ومواقفها وسلوكاتها. فرغم الكاريزما الدينية التي قد تتصف بها هذه الشخصية، لكنها لا تحصل على الإجماع، خاصة من قبل المثقفين والمفكرين الذين يحاولون جاهدين مواجهة مثل هذه المواقف ونقدها…
2025-08-31