بلاغة الخطاب السردي في الرواية السعودية للكاتب والباحث المغربي عزيز العرباوي(البلاغة والتداولية)
عزيز العرباوي
17 أغسطس، 2025
كتب – عزيز العرباوي
البلاغة والتداولية:
2-1- مفهوم التداولية:
قبل أن نتطرق للعلاقة بين البلاغة والتداولية ومدى تأثر إحديهما بالأخرى، ينبغي علينا أن نتعرف التداولية أولاً باعتبارها منهجاً حديثاً ظهر في الدراسات اللسانية واللغوية المعاصرة، ثم دخل مجالات الدراسات الإنسانية فيما بعد. فالتداولية هي منهج “يقوم على الاهتمام بكشف الدوافع النفسية للمتكلمين، وردود أفعال المتلقين، ويبيِّن الطابع الاجتماعي للكلام، أي أن التداولية لا تدرس الكلام، من حيث هو رسالة بين المتكلم والمتلقي فقط، بل تدرسه بوصفه نتاج ثقافة عصر معين، ويشتمل على سمات مميزة للشخص المرسل، وسمات مميزة للشخص المتلقي، وهو يخضع لزمن إنتاجه وزمن تلقيه كما يخضع لمكان إنتاجه وتلقيه أيضاً”.
ويرى صلاح فضل في الإطار نفسه، أنه إذا كانت التداولية، وهي فرع حديث من فروع العلوم اللغوية، والتي تُعنى بتحليل الكلام والكتابة ووصف وظائف الأقوال اللغوية، وخصائصها خلال إجراءات التواصل بشكل عام فيجعلها كل هذا ذات صبغة تطبيقية عملية، فإنها تعتبر، في هذا الإطار بالذات، أقرب ما تكون إلى حاجتنا من البلاغة الجديدة، لأنها تبحث في الشروط الضرورية لكي تكون الأقوال اللغوية، مقبولة وملائمة في كل موقف تواصلي يتحدث فيه المتكلم. فمفهوم التداولية هنا، “يغطي، بطريقة منهجية منظمة، المساحة التي كان يُشار إليها في البلاغة العربية بعبارة “مقتضى الحال”، وهي التي أنتجت المقولة الشهيرة: لكل مقام مقال”.
وينبغي علينا أن نعتمد الحكمة التداولية لبيرس (Peirce) الذي يعتبرها ذلك “الإنتاج الثلاثي للدلالة يتوجه نحو الفعل، وبأن الفكرة التي نكونها عن الأشياء، هي مجمل الآثار التي نرتئي إمكانيتها انطلاقاً من الأشياء”. بينما نجد أبيل (Apel) وهابرماس (Habermas) يرون في التداولية تلك “الأداة التقنية الملائمة لتعضيد فلسفة تعالي التواصل”، أو كونها تحتوي على “علاقة حوارية” كما هو الحال عند فرانسيس جاك (Francis Jacqes). وفي هذا الإطار، يمكننا أن نخلص إلى تعريف التداولية عند موريس (Morris) عام 1938: “التداولية جزء من السيميائية، التي تعالج العلاقة بين العلامات ومستعملي هذه العلامات”. أما آن ماري ديير (Anne-Marie Diller) وفرانسوا ريكاناتي (François Récanati) فيعرفانها بكونها “دراسة استعمال اللغة في الخطاب شاهدة في ذلك على مقدرتها الخطابية”.
أما برونو أومبواز فيرى أن غرايس (Grace) فيعطي تصريفاً راديكالياً للتداولية مركزاً على الدراسة الخاصة بأفعال الكلام المحققة التي لم تعدْ إلا كأفعال تواصلية…
إن مهمة التداولية تتأسس حسب ستالناكر (Stalnaker) على أمرين مهمين هما: أولاً: تعريف أفعال اللغة المهمة، أي تحليل الأفعال الانفعالية وببساطة واضحة الإنجاز العادي لفعل اللغة (مقاصد المتكلم، والمعرفة، والاعتقادات، والانتظارات والاهتمامات المشتركة بالمتكلم والاستماع إليه،…). وثانياً: طبع خطوط السياق الملفوظ الذي يساعد على تحديد نوعية القضية التي تعبر عنها جملة ما، فلا يصيب سياق التلفظ القوة التي تعبر بها هذه القضية فقط، وإنما يصيب القضية في حد ذاتها.
فالتداولية، حسب موريس، تقتصر، إضافة إلى كونها تُعنى بالعلاقات بين العلامات ومستخدميها، على دراسة ضمائر التكلم والخطاب وظرفي المكان والزمان (الآن، هنا) والتعابير التي تستقي دلالتها العميقة من معطيات تكون جزئياً خارج اللغة ذاتها، بمعنى آخر، المقام الذي يجري فيه التواصل. أما أوستين فقد انطلق من ملاحظة عادية تقول إن الكثير من الجمل الاستفهامية والأمرية والتعجبية لا يمكنها أن تصف أي شيء ولا يمكن الحكم عليها بمعيار الكذب أو الصدق حيث “لا تُستعمل هذه الجمل لوصف الواقع بل لتغييره، فهي لا تقول شيئاً عن حالة الكون الراهنة أو السابقة، إنما تغيِّرها أو تسعى إلى تغييرها. مثل آمرك بالصمت، أو أعدك بـأن آتيَ غداً… ففي هذه الجمل لا نقول شيئاً عن حالة الكون إنما نسعى إلى تغييره”.
ولقد خلص أوستين أن من ضمن الجمل الخبرية، توجد بعض الجمل من قبيل القط فوق الحصير، أو ينزل المطر، والتي تعمل على وصف الكون والعالم، ويمكن تكذيبها أو تصديقها، وبعض الجمل الأخرى لا تفيد الأمر نفسه، حيث سمى هذا النوع الأول من الجمل بالجمل الوصفية (الخبرية)، والنوع الثاني بالجمل الإنشائية، حيث ميز هذه الأخيرة بعدد من الخصائص باعتبارها تُسند إلى ضمير المتكلم في زمن الحال وتتضمن فعلاً (أمر- وعد- أقسم…) ويفيد معناه إنجاز عمل معين، وأنها لا تقبل الحكم بالتعذر حتى لو كانت لا تقبل الحكم عليها بمعيار الصدق أو الكذب، بل ما يمكن استحضاره في إطار الحكم عليها هو معيار التوفيق أو الإخفاق.
ومن أجل تجاوزه لهذه المرحلة الأولية في التمييز بين نوعي الجملة المذكورين، كشف أوستين مفهوم العمل المتضمن في القول بوضوح ما يقصده بالإنشائي، حيث أقر “بأن كل جملة بمجرد التلفظ بها على نحو جاد توافق على الأقل إنجاز عمل قولي وعمل متضمن في القول، وتوافق كذلك أحياناً القيام بعمل تأثير بالقول”. ومن هنا، عمل على تصنيف مختلف الأعمال المتضمنة في القول.
وتستحضر آن روبول وجاك موشلار أن سبيربر وويلسون يعتبران أن التداولية “تهتم بكل المظاهر الملائمة لـتأويل الجمل تأويلاً كاملاً في سياقات معينة، وهذه المظاهر قد تكون مرتبطة بالشفرة اللسانية أو غير مرتبطة”، في حين أن بال هيليل فيرى أنها “تهتم بالرابط الأساسي للتواصل في اللغة الطبيعية، كما تهتم بالمتكلم والمستمع، وبالسياق اللغوي، والسياق الخارج لغوي… وجاهزية المساهمة في الفعل التواصلي”.
وتؤكد آن روبول أن سبيربر وويلسون يحاولان أن يحددا مفهوماً خاصاً للتداولية ضمن نظام مركزي خاص باللغة حيث تقول إن الباحثين يعتبران أنه في هذا الإطار يمكننا “أن نتصور علاج المعلومة اللغوية على الشكل التالي: أولاً: تترجم المحولات إدراك المخاطَب الذي يعكس التحفيز اللغوي الذي ينتجه المتكلم؛ ثانياً: يتوافق جهاز النظام اللغوي تقريباً، مع المجالات التي يغطيها علم الأصوات، التركيب وعلم الدلالة، معالجاً البيانات التي يقدمها المخاطَب ويوفر للنظام المركزي الشكلَ المنطقيَ للفكرة؛ وأخيراً: يعمل النظام المركزي بآلية استدلالية على مجموعة من الافتراضات المؤلفة، من ناحية، من خلال الشكل المنطقي للفكرة، ومن ناحية أخرى، من خلال السياق، الذي يقدم تفسيراً شاملاً للفكرة. فحسب سبيربر وويلسون، تعيد التداولية دراسة العملية التفسيرية كما يحدث في مستوى النظام المركزي. وتجدر الإشارة إلى أن في هذا القياس، تشعر تداولية سبيربر وويلسون بالقلق تجاه الاستخدام الخاص للغة، للتواصل، وللمظهر الخاص لاستخدام تفسير هذه الأفكار”.
من هنا نخلص مع الباحث سعيد جبار إلى أن كل هذه التعريفات تعتبر بمثابة مبادئ أساسية ومهمة في موضوع التداولية، حيث يقول عنها إنها “تؤكد على أن التداولية تتجاوز الجوانب اللفظية والتركيبية والدلالية للغة، لتهتم بالجانب التواصلي، وهو الذي يستدعي المرور من الدلالة التي تقدمها الجملة مباشرة إلى الدلالة التي يمكن استنتاجها من خلال السياق الذي يربط المتكلم بالمستمع. كما أن السياق هنا يتجاوز معناه اللساني الضيق الذي ينحصر في السياق اللغوي، ليشمل سياق التواصل بصفة عامة فيتجاوز ما هو لساني إلى ما هو خارج لساني؛ وقد يتضمن الخارج لساني ما هو اجتماعي أو نفسي في العملية التواصلية”.
ويضيف الباحث أنه يمكن استخلاص فكرة أساسية انطلاقاً من هذه التعريفات وهي أن التداولية “نظرية دلالية تدمج إلى جانب الشفرة اللسانية المظاهر المرتبطة بالتلفظ نفسه معتبرة أن الملفوظ هو ناتج عن اجتماع المعلومات اللغوية المنتمية إلى المكونات اللسانية للجملة (المورفيمات، الوحدات المعجمية)، والمعلومات الخارج لسانية التي تنتمي إلى المكونات التداولية أو البلاغية المندمجة في الدلالة”.
2025-08-17