نماذج من المعالجات والمفاهيم الخاصة بدراسة السيرة النبوية : مفهوم الكمال المحمدي أنموذجا
مولاي علي الخميري
10 أكتوبر، 2022
كتب / مولاي علي الخميري
دراسة السيرة النبوية على مر التاريخ كانت مجالا خصبا لكثير من الأفكار والمعالجات المنبثقة عما شاع في كل عصور التفكير الإنساني على المستوى المعرفي والمنهجي ، ويعتبر مفهوم الكمال المحمدي من المفاهيم الجديدة والمعاصرة ، نُظِر بواسطته في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام على أسس متعددة ومختلفة تبعا لقواعد ذاتية وعامة تتحكم في المدلول الدلالي اللغوي الذي دأبنا عليه في قراءتنا لأحداث السيرة النبوية ، وتحاول أن تكشف لنا عن ملامح شخصية رسولنا عليه الصلاة والسلام وهي تنعم وتتصف بالكمال الوجودي المتفرد في كل شيء ، والمؤدي في النهاية إلى حصول أو تبرير معاني الاصطفاء في الذات والأفعال المحمدية .
فالمفهوم في نظري وفي إطار الجِدَّة وتحقيق الرسالة الإنسانية لنبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام مصداقا لقوله تعالى في سورة الأنبياء : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )
يسمح لكل جهد دارسي وتصنيفي بالوجود ، ويمنح لكل المعالجات الأحقية الفكرية والمنهجية ، وبواسطته تتكامل جميع الدراسات والتحليلات المنجزة لحد الآن ، وتحقق معنى العالَمية في التناول السِّيرِي الفكري ، وتسهل علينا أمر الجمع بين زوايا النظر الكثيرة والمتنوعة التي تعاملت مع سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام واهتمت بالتتبع والإلمام ، ويمكن ومن باب الاختصار المفيد أن نميز بين الأصناف الثلاثة الآتية :
الصنف الأول : يخص المسلمين العرب ، ويمكن أن نقسمه زمنيا إلى قسمين كبيرين : القسم الأول يتكون من كُتَّاب السيرة النبوية القدامى ، وأبرزهم هو ابن هشام الأنصاري رحمه الله ، ومُؤلَّفُه في السيرة النبوية يتميز بتنوع تاريخي طويل عبر الأحداث التي صاحبت حياة رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام من يوم ولادته وإلى يوم وفاته ، وفيه تفصيل حثيث للحياة الاجتماعية والفكرية والإبداعية لذلك العصر ، وبسبب ذلك فهو يمثل عصر تأليفه أحسن تمثيل وعلى كافة الأنساق الملاحظة في الكتاب .
القسم الثاني هو ما كتبه المسلمون العرب من المحدثين بإيعاز من معطيات العصر المختلفة ، فأصحابه حاولوا أن يشذبوا وأن يقزموا مساحات المعلومات التاريخية ، ويركزوا بدلها على مجموعة من التأملات والاستنتاجات التي تساير العصر ، وتحاول أن تجيب عن الأسئلة المطروحة كما تحاول أن تجعل أحداث السيرة مواكبة لمختلف المستجدات الفكرية المتعلقة بمفاهيم الاعتقاد والانتماء والمحبة ، وحقائق التاريخ المختلفة ، ومن أبرز الأمثلة هنا نُذَكِّر بما كتبه البوطي والغزالي رحمهما الله .
الصنف الثاني : يهتم بما كتبه المسلمون من غير العرب ، ونجد ضمنه تركيزا على قيم الفعل والمعرفة والاكتشاف وسندات الإيمان الذي يؤدي إلى حدوث التغيير الكبير في مسيرة الإنسان الكونية بصفة عامة ، كما نجد مساحات إضافية لحركية العقل ، وتأثيرات الثقافات المحلية غير العربية في بلورة المعنى المحمدي ، وتجلياته الكونية الكلية ، وهي نظرة شاملة لمعاني الكمال المحمدي ، وتجسيد لمفهوم رسالة الإسلام العالمية على مستوى الفكر والوظيفة الوجودية ، ويعتبر ما كتبه الباكستانيون والهنود وغيرهم من أقوام العجم خيرَ مثال يمكن أن ندلي به على هذا المسار .
الصنف الثالث : ويتجه إلى فحص ما كتبه الغربيون المنصفون من أهل العدل والحصافة العقلية ، فهم يركزون على نتائج المنجز النهائي في مختلف أوجه الحياة ، كما يركزون على المقارنات بين أحوال وحالات تبدلت بشكل كبير ، وكان لها الأثر العظيم في إسعاد الإنسانية على مختلف مسارات الوجود البشري .
ولكي نبين أكثر من ناحية المضامين المتصلة بدراسة السيرة النبوية نشير إلى أمثلة وجيزة لخاصية التمايز المذكورة أعلاه ، فالعرب المسلمون المتأخرون اهتموا في جوانب من دراستهم على مفهومي : ( المحبة والتعظيم ) وهو مفهوم يجمع كما قلت بين دلالات الاعتقاد الصحيحة ، والمحبة الطافحة ، والإحساس بحظوة الانتماء ، وملاحم التاريخ المتلاحقة ( كتاب ” الشفاء ” للقاضي عياض رحمه الله أنموذجا ) .
أما الغربيون فيركزون على مفهوم : ( العظمة في التخطيط والإنجاز ) الدال على الحصيلة النهائية على أرض الواقع مما تأثرت به معاني الحياة المختلفة ، ولهذا يدرسون ويحللون بمفاهيم عقلية ومن بيئاتهم الفكرية الواقعية مثل مفهوم البطولة ، والعبقرية ، والقيادة ، والزعامة……وغيرها ، وكلها من آليات دراسة الإنسان في مواهبه وأفعاله وتأثيراته في حركية التغيير الملاحظة على مسرح تاريخ الإنسان بصفة عامة ، ويمكن أن نستشهد هنا بالمؤلفات التالية : كتاب : ( الأبطال ) لتوماس كارليل ، وكتاب : ( حياة محمد ) للامارتين ، وكتاب : ( العظماء المائة ) لمايكل هارت وهو أشهرهم في وقتنا ( راجع كتاب الأستاذ عمر ازدادو : الرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ) .
ويبقى الصنف الثاني الخاص بالمسلمين من غير العرب مسايرا للنهجين الملاحظين عند المسلمين العرب وعند الغربيين ، فمدار الأمر عندهم يرجع إلى التزود بالمعرفة ، وإعمال التأمل في صيرورة التاريخ والأحداث ، والاهتمام بالاستنتاجات المنسجمة مع مبادئ الاعتقاد والاكتشاف والمعرفة المنشودة .
والأهم من وراء كل ذلك وبالرغم من اختلاف الأزمنة والأمكنة ، وتنوع البيئات الفكرية ، ووسائل الدراسة والتحليل هو الإشادة بنبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام ، والاعتراف بما أسدى للبشرية جمعاء على درب التنوير والتطور والعمل….إنه الملمح الأساسي الذي ينبغي على المسلمين إحياؤه في النفوس ، وبَثُّه في الأرجاء لتعود الحياة متسمة بقيمها التي ضعفت ، أو فقدت بريقها في وقتنا المعاصر ، فالسيرة النبوية لا ينبغي أن نقف فيها عند معطى الأحداث وتتبعها في مساراتها المتنوعة ، بل علينا أن نبحث فيها عن أنفسنا وملامح عصرنا في كلياتها وجزئياتها ، وأن نتخذها نهجا مسترسلا لإثبات معاني الحياة والإنسان والوجود ، ومثالا حيا للعلاقات البشرية التي يجب أن تسود بين كل الآدميين بعدل وإنصاف واحترام للحقوق الفردية والجماعية ، مع المحافظة على كينونته ومركزيته الكونية ، وثقل وظائفه وأدواره الاجتماعية والفكرية لتبقى تلك الحياة مؤسسة على قيم العلاقات المتبادلة والمتداخلة على صعيد الحقوق والواجبات الضرورية لإقامة معاني الوجود المنشود ، ومعاني الاستخلاف الإيجابي الرباني .
وإذا رجعنا إلى مفهوم الكمال المحمدي لننظر إليه ولو من سلسلة الوفيات التي حدثت في حياة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وفي أوقات الشدة منها على الخصوص سنلاحظ أن عددها كان كبيرا ومتلاحقا ، وكانت في أوقات عصيبة جدا ، فقد مات أبوه وأمه وجده وعمه وزوجه ، وهذه هي أهم المستندات التي اتكأ عليها الرسول عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته ، واحتمى بها في وجه الجبابرة من أهله وعشيرته ، ولكن الأقدار المُسَطَّرة تَأْبَى إلا أن تجعله وحيدا متفردا إلا من عناية الله تعالى له لترتسم لنا واحدة من أكبر المعاني الدالة على الكمال المحمدي ، فطفل يافع مقبل على الحياة ، ويتطلع إلى ما يتطلع إليه الإنسان الحي المؤثر يجد نفسه بلا سند ، ولا قوة ، وهذا من أهم ملامح البناء الأولية لمعنى الكمال الذي يتجسد في العناية الإلهية أولا ، وفي مخالفة مقتضيات وقائع الحياة ، وفي إنشاء حالة خارجة عن القواعد المجملة والمشاهدة في التاريخ البشري ، تجمع ما بين السلب والإيجاب تبعا لنظرة الأرض المختلفة تماما عن نظرة السماء .
إن معنى الكمال لا يعني التميز الجسدي ، أو الحياتي بصفة عامة ، وإنما يعني مفهوم الوجود ووظائفه ووقائعه وتأثيراته الإنسانية المتواصلة ، ثم إنه يعني الإدلال على تلك العلاقة القائمة دوما بين الخالق والمخلوق ، الواهب والموهوب ، فعندما يعيش الإنسان في دائرة نفسه أو زمنه ومكانه الضيق ، ولا يأبه بحقيقة وجوده من ناحية الوعي والفعل يدخل في إطار العادة السائدة بين معظم الناس ، ويكون وجوده عبارة عن عدد ملاحظ بلا أي اعتبار أو تأثير ، وهذه الصورة تتغير عندما يُصطَفى الإنسان ، ويُمنَح هبة خاصة ، تُمَكِّنُه من العمل والتأثير في مجرى الحياة بشكل مختلف ومتميز تميزا أبديا ، وبمثل هؤلاء وفي مقدمتهم نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم تتميز الحياة كذلك ، وتُعطَى لها هُوِيتُها الأصيلة في المبدأ والصيرورة ، والنهاية ، وتُرَاجع أفعالُهم للاستدلال بها على حقيقة الإنسان ومعاني الحياة المطلوبة .
في فقرة وردت في آخر كتاب : ( الرحيق المختوم …..) لمؤلفه الشيخ صفي الدين المباركفوري ، وانطلاقا من الصفحة : 489 وبعنوان : كمال النفس ومكارم الأخلاق أحصى الشيخ المذكور لرسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام أنواعا كثيرة من الكمالات ، سأذكرها باختصار شديد وبمدلولات سهلة كما سنرى :
كمال اللغة – كمال الأخلاق – كمال الإقدام والشجاعة – كمال الذات – كمال العدل – كمال المعاملات – كمال العلاقات الاجتماعية – كمال الأوصاف – كمال الخضوع والخنوع لله تعالى…..
وختم تتبعه لمفهوم الكمال بقوله في الصفحة 493 : ( وعلى الجملة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مُحَلَّى بصفات الكمال المنقطعة النظير ، أدَّبَهُ ربه فأحسن تأديبَه حتى خاطبه مُثْنِياً عليه فقال : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وكانت هذه الخِلال مما قَرَّب إليه النفوس ، وحَبَّبَّهُ إلى القلوب ، وصَيَّرَهُ قائدا تهوَى إليه الأفئدة ، وأَلاَنَ من شكيمة قومه بعد الإباء حتى دخلوا في دين الله أفواجا ، وهذه الخِلال التي أتينا على ذكرها خطوط قِصار من مظاهر كماله ، وعظيم صفاته……) .
2022-10-10