خربشات الأديبة سارة طالب السهيل كل أربعاء : الذكاء العاطفي المهارة السرية للنجاح في العمل والحياة
ذة. سارة طالب السهيل
4 ساعات مضت
كتب / سارة طالب السهيل
في عالم يتسم بالسرعة والتعقيد، لم يعد معدل الذكاء التقليدي (IQ) هو العامل الوحيد الذي يحدّد فرص النجاح. ظهر عامل آخر مهم يمكن أن يؤثر بقوة على تقدمنا المهني وجودة علاقاتنا الشخصية: الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence — EI أو EQ).
كثير من الناس ما زالوا يجهلون هذا المصطلح ومعناه واستخداماته
ما هو الذكاء العاطفي؟
الذكاء العاطفي هو مجموعة من المهارات المتعلقة بالتعرّف على المشاعر (ذاتية واجتماعية)، فهمها، تنظيمها، واستخدام هذه المعرفة لتوجيه التفكير والسلوك وبناء علاقات فعّالة. يعرفه باحثون مثل Mayer وSalovey كنمط من القدرات، بينما طوّر دانيال جولمان نموذجاً شعبياً مؤلفاً من خمسة عناصر عملية.
جون د. ماير وبيتر سالوفي هما عالما نفس أمريكيين طورا نموذج الذكاء العاطفي (EI) في التسعينيات، وقد عرفا الذكاء العاطفي بأنه “القدرة على مراقبة مشاعر الفرد والآخرين وتمييزها واستخدام هذه المعلومات لتوجيه تفكير الفرد وأفعاله” كما قاما مع ديفيد كاروسو بتطوير اختبار الذكاء العاطفي (MSCEIT) لقياس هذا المفهوم.
ما هي مكونات الذكاء العاطفي؟
مكونات الذكاء العاطفي حسب (نموذج دانيال جولمان) • الوعي الذاتي: إدراك المشاعر وتأثيرها في التفكير والسلوك. • ضبط النفس: القدرة على التحكم في الانفعال والاندفاع والتكيّف دون قمع.
• الدافع الذاتي: الحافز الداخلي لتحقيق الأهداف لأسباب جوهرية تتجاوز المكافآت الخارجية.
• التعاطف: فهم مشاعر الآخرين والاستجابة لها بطريقة مناسبة.
• المهارات الاجتماعية: التواصل الفعّال، إدارة الصراعات، وبناء شبكة علاقات.
الذكاء العاطفي ليس مجرد مهارة شخصية، بل هو أداة استراتيجية تؤثر في كل جانب من جوانب الحياة تقريبًا.
مثل فهم الذات والتحكم في الانفعالات وتعزيز العلاقات
أين يفيد الذكاء العاطفي؟
• القيادة: قادة ذوو EI مرتفع يلهمون فريقهم أو اتباعهم، يقدّمون نقد بنّاء، ويتعاملون مع الضغوط بشكل متوازن.
• العمل الجماعي: فرق قادرة على التواصل العاطفي تعمل بانسجام، وتنجز بفاعلية أكبر.
مثلا …حين يختلف فريق حول طريقة تنفيذ مشروع، قد يرفع البعض أصواتهم. الشخص الذي يتمتع بذكاء عاطفي يتدخّل قائلاً: «أظن أن الجميع يريد نجاح المشروع، فلنسمع وجهة نظر أحمد أولاً ثم نناقش». هذا التصرف الصغير يعيد الانسجام بسرعة.
• خدمة العملاء: فهم الاحتياجات العاطفية يعزز تجربة العميل والولاء. مثلا …..عندما يتصل عميل غاضب بسبب تأخر الطلب، موظف خدمة العملاء الذكي عاطفياً لا يرد بجملة باردة مثل: «هذا ليس خطأنا»، بل يبدأ بالاعتذار الصادق: «أتفهم تماماً إحباطك، وسأبذل جهدي لحل الأمر بسرعة». هذا يكسب ثقة العميل حتى قبل حل المشكلة.
• التكيف مع التغيير: مرونة أكبر في مواجهة ضغوط العمل والتحولات التنظيمية. مثلا……. تخيل موظفاً تأخر في تسليم تقريره. المدير الذي يتمتع بذكاء عاطفي لا يوبخه علناً، بل يسأله أولاً: «هل واجهت صعوبة في البيانات أو ضيقاً في الوقت؟» ثم يقترح حلاً. بهذه الطريقة، يحافظ على احترام الموظف، ويضمن استمرار الإنتاجية.
يجب الانتباه أن الذكاء العاطفي وحده لا يكفي …لا يمكن للذكاء العاطفي أن يعوّض نقص الكفاءة التقنية. الطبيب الذي يتعاطف مع مرضاه دون امتلاك مهارات التشخيص الدقيقة، يظل غير مؤهل
رغم شيوع الادعاء بأن الذكاء العاطفي (EI) يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأداء الوظيفي، إلا أن نتائج الأبحاث في هذا المجال ليست متجانسة. فبعض الدراسات تشير إلى علاقة قوية، بينما تُظهر أخرى ارتباطًا ضعيفًا أو غير ذي دلالة. هذا التباين لا يعكس تناقضًا في جوهر الذكاء العاطفي، بل يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بمنهجية القياس والسياق المهني الذي تُجرى فيه الدراسة.
من الناحية النظرية، يُقدَّم نموذج Mayer & Salovey بوصفه أحد أكثر النماذج دقة، حيث يُعرّف الذكاء العاطفي كقدرة معرفية قابلة للقياس الموضوعي—تشمل إدراك المشاعر، فهمها، تنظيمها، واستخدامها في التفكير والسلوك. هذا النموذج يتيح اختبارات أداء تقيس فعليًا مدى كفاءة الفرد في التعامل مع المواقف العاطفية.
في المقابل، تعتمد نماذج أخرى على أدوات استبيانية ذاتية، تقيس كيف يرى الفرد نفسه من حيث التعاطف، ضبط النفس، أو مهارات التواصل. هذه الأدوات، رغم شيوعها وسهولة استخدامها، تعكس تصوّرًا ذاتيًا قد يتأثر بالتحيّزات الشخصية أو الرغبة في تقديم صورة مثالية، مما يضعف دقة النتائج، ويجعل من الصعب تعميمها.
إضافة إلى ذلك، يتأثر أثر الذكاء العاطفي بالسياق المهني: فوظائف الرعاية والتعليم مثلًا تتطلب تفاعلًا عاطفيًا عاليًا، بينما قد يكون الذكاء العاطفي أقل تأثيرًا في بيئات تقنية صارمة أو مؤسسات ذات ثقافة تنظيمية مغلقة.هناك نوعان رئيسيان في قياس الذكاء العاطفي
الاختبار الأول وهو MSC EIT (اختبار Mayer-Salovey-Caruso للذكاء العاطفي)
وهو اختبار أداء موضوعي.
يقيس القدرة الفعلية على معالجة المعلومات العاطفية، مثل التعرف على المشاعر، فهمها، وتنظيمها.
هذا المقياس لا يسأل الشخص عن رأيه في نفسه، بل يختبره بأسئلة تتطلب تحليل مواقف عاطفية، مما يجعله أكثر دقة من الناحية العلمية.
وهو يحتاج إلى تفسير متخصص، وغالبًا ما يُستخدم في الأبحاث أو التقييمات النفسية الرسمية.
وهو الاختبار الأكثر دقة، لكنه يتطلب تحليلًا متخصصًا لفهم النتائج.
الاختبار الثاني هو EQ-i (جرد الحاصل العاطفي.
وهو استبيان ذاتي يقيس السمات والسلوكيات المرتبطة بالذكاء العاطفي، مثل التعاطف، ضبط النفس، والوعي الاجتماعي.
يعتمد على تقييم الشخص لنفسه، أي كيف يرى نفسه من حيث المهارات العاطفية.
يعتبر هذا الاختبار غير منصف أو متحيز، لأن الناس قد يقيّمون أنفسهم بشكل مثالي أو غير دقيق. بالرغم من أنه الاختبار الأسهل، لكنه قد يعكس تصوّرًا ذاتيًا أكثر من قدرة فعلية. أي أنه من الممكن أن يعطي الشخص معلومات خاطئة عن نفسه إما عمدا، وإما تصورا منه أنه الواقع.
هناك الكثير من العوامل التي
يمكن عن طريقها تنمية الذكاء العاطفي، وذلك عبر الوعي الذاتي والممارسة المستمرة، فهو ليس سمة فطرية ثابتة، بل مجموعة من المهارات القابلة للتطوير. يشمل ذلك القدرة على تصنيف المشاعر بدقة، تنظيم الانفعالات، والتفاعل المتزن مع الآخرين. التدريب على التعاطف، ضبط النفس، والتفكير العاطفي النقدي يعزز هذه المهارات، خاصة حين يُرافقه نقد بناء بطريقة فاعلة وواعية على سبيل المثال.
إذا عبّرتِ عن رأيك في اجتماع بطريقة حادة، ثم أخبرك زميلك لاحقًا بأن نبرة صوتك أثّرت في تقبّل فكرتك، فهذه الملاحظة تساعدك على تعديل سلوكك مستقبلاً، دون أن تُشعرك بالذنب أو الإحراج.
. ومع أن الذكاء العاطفي لا يُغني عن الكفاءة الفنية أو الدعم المؤسسي، إلا أنه يُعدّ عنصرًا حاسمًا في بناء علاقات فعالة واتخاذ قرارات ناضجة في السياقات المهنية والاجتماعية.يمكننا أيضا اتباع بعض التمارين التي تساعدنا على تنمية وتغذية مهاراتنا العاطفية أو الذكاء العاطفي.
وبعضها بسيط وقصير، إلا أنه فعال
1. تسمية المشاعر (2–5 دقائق يوميًا
(تحديد المشاعر بدقة يقلل من شدتها، ويزيد الوعي الذاتي.
عندما نُسمّي مشاعرنا بدقة (مثل: “أنا أشعر بالإحباط” بدلًا من “أنا متضايق”)، فإننا نُفعل مناطق في الدماغ مسؤولة عن التنظيم العاطفي.
فهذا يقلل من شدة الانفعال، ويزيد قدرتنا على فهم أنفسنا والتصرف بوعي بدلًا من ردود فعل تلقائية.
2. إعادة التقييم المعرفي
ابحث عن تفسير بديل أقل سلبية.
وذلك
لتغيير طريقة التفكير تجاه موقف سلبي لتقليل أثره العاطفي.
حدّد الفكرة الأولى (مثلاً: “مديري يهاجمني”.
ابحث عن تفسير بديل (مثلاً: “ربما هو متوتر من ضغط العمل”.
جرّب استجابة جديدة (بدلًا من الانفعال، اختر التهدئة أو الحوار.
هذا التمرين يُقلل من التوتر ويمنع التصعيد، ويعزز التفكير المرن والناضج.
3. تقنية التنفس المتمركز (4–6 دقائق.
وذلك لتهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر الجسدي والعاطفي.
وذلك عن طريق الشهيق لمدة 4 ثوانٍ
ثم حبس النفس لمدة 2 ثانية
ثم زفير ببطء لمدة 6–8 ثوانٍ
هذا التمرين ينشط الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، مما يساعد على الاسترخاء وتحسين التركيز.
4. تمرين الاستماع الفعّال (5 دقائق لكل طرف)
أحد الطرفين يتحدث بلا مقاطعة، ثم يكرر المستمع ما فهمه.
وذلك لتعزيز التعاطف والتفاهم بين الأشخاص.
وذلك يكون عندما أحد الطرفين يتحدث دون مقاطعة.
• المستمع يعيد صياغة ما فهمه، دون الحكم أو تحليل.
مما يبني الثقة، ويقلل من سوء الفهم، ويُشعر الآخر بأنه مسموع ومُقدَّر.
5. منظور الآخر (مهمة يومية)
وهو تدريب العقل على التعاطف قبل إصدار الأحكام.
فقبل أن تحكم على تصرف شخص ما، اكتب جملة تعبّر عن شعوره المحتمل (مثلاً: “ربما يشعر بالإهمال أو القلق”.
مما يزيد قدرتك على فهم الآخرين، ويقلل من التسرّع في إصدار الأحكام.
6. مذكرة يومية (Journal)
وذلك
لتحليل التجارب العاطفية والتعلم منها.
دوّن يوميًا:
• الموقف الذي حدث
• مشاعرك ورد فعلك
• ما الذي ستجربه لاحقًا لتحسين استجابتك؟
مما يعزز الوعي الذاتي، ويخلق نمطًا من التعلم المستمر من التجارب اليومية.
يجب علينا أن نكون مدركين الفروقات بين الناس فالجغرافيا والديموغرافية والثقافة والمعتقدات وأسلوب الحياة والتعليم كلها تؤثر في تكوين الشخص وأفكاره؛ ومن هنا يجب أن ندرب أنفسنا ليس فقط أن نتقبل الآخر، وإنما نتفهم كيف تختلف طرق التعبير عن المشاعر بين الثقافات.
مثلا….في بعض المجتمعات الشرقية، قد يُنظر إلى التعبير المباشر عن المشاعر في مكان العمل كعلامة ضعف، بينما في بيئات أخرى يُعتبر الصمت بروداً أو عدم اهتمام. لذا على المدير الذكي عاطفياً أن يوازن حسب ثقافة الزملاء.
كما أن استخدام الذكاء العاطفي للتلاعب أو استغلال مشاعر الآخرين أمر غير أخلاقي.
فيجب أن نكون متفهمين، ولكن صادقين وغير مؤذيين.
من خلال عملي في التدريب والتأليف، كثيراً ما لمستُ كيف أن القادة الذين يملكون وعياً عاطفياً صادقاً يتركون أثراً دائماً في نفوس من حولهم. في إحدى الورش التدريبية عبّر مشارك عن ضغوطه بصوت مرتجف، فوقف المدرب بجانبه، استمع إليه باهتمام، واستمرّ المشارك في التعبير عن نفسه بكل أريحية لم يقدم المدرب حلولا في هذه اللحظات، وإنما استمع وتفهم وامتصّ ما بداخل المشارك؛ مما أشعره بأنه مقدر ومفهوم ربما يستطيع المدرب أن ينصحه لاحقا، ويقدم له بعض الاقتراحات، إلا أن ما احتاجه المشارك في الوقت الحالي هو أن يستمع إليه، ويشعر معه يقدره. هذا الموقف البسيط غيّر أجواء الورشة كلها، وأوجد ثقة متبادلة عميقة.
فالتعاطف والمساندة والشعور مع الآخر يجب أن تُوَضَّح أقوالا وأفعالا، ويجب أن يصل صوتك الداخلي بمختلف الطرق إلى من يشاركك بيتك أو عملك أو صداقتك.
الذكاء العاطفي مهارة قابلة للتعلّم والتطوير، ويمكن أن تحسّن جودة العمل والعلاقات. ومع ذلك، يجب أن نكون واقعيين في توقعاتنا، وأن نراعي السياق الثقافي والمهني. الممارسة اليومية البسيطة كفيلة بإحداث فرق ملموس ومستدام.“الذكاء العاطفي لا يعني أن نكبت مشاعرنا، بل أن نُحسن قيادتها.”
فإن القوة الحقيقية لا تكمن في تجاهل العاطفة، بل في فهمها، تسميتها، وتوجيهها نحو الفعل الحكيم. فالشخص الذكي عاطفيًا لا ينفجر غضبًا، ولا يتجمّد خوفًا، بل يصغي لما يشعر به، ويختار الاستجابة التي تخدمه وتُحسن علاقاته.
2026-08-05