أسعار الوقود بالمغرب: بين توترات مضيق هرمز وهشاشة أمننا الطاقي
هيئة التحرير
17 مارس، 2026
بقلم : الأستاذ عبد اللطيف الصافي
شهدت أسعار المحروقات في المغرب ارتفاعاً مفاجئاً حيث زاد سعر الغازوال (الديزل) بحوالي 2 درهم ليصل إلى قرابة 13 درهماً للتر، والبنزين الممتاز بنحو 1.44 درهم ليقارب 14.74 درهماً للتر.، ما دفع العديد من المواطنين إلى التوجه بسرعة نحو محطات الوقود لتأمين احتياجاتهم قبل أي زيادات إضافية محتملة. وقد أعاد هذا الارتفاع النقاش حول مدى تأثر السوق الوطنية بتقلبات السوق الدولية، كما أثار تساؤلات حول وضعية المخزون الاستراتيجي للمحروقات في البلاد.
لا يمكن فهم هذه الزيادة بمعزل عن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الخليج، وخاصة في محيط مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. فحوالي خُمس الإمدادات النفطية العالمية تمر عبر هذا المضيق، ما يجعل أي تهديد لإغلاقه أو اضطراب الملاحة فيه كفيلاً بإحداث هزة فورية في أسواق الطاقة الدولية.
لقد ازدادت حساسية السوق المغربية لتقلبات الأسعار الدولية منذ قرار تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، حين رفعت الدولة يدها عن تحديد الأسعار وتركَت لشركات التوزيع مهمة تحديدها وفقاً لتكلفة الاستيراد وتقلبات السوق العالمية. ومنذ ذلك الحين أصبحت أسعار الوقود في المغرب تتغير بوتيرة أسرع ليس فقط تبعاً لتحركات الأسعار الدولية ولكن أيضا بفعل المضاربات و تواطؤات الشركات المعنية.
إن هذه الزيادات التي لن تتوقف ما لم تنتهي الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أعادت إلى الواجهة السؤال الجوهري عن مدى جاهزية المغرب لمواجهة أي اضطراب طويل في سوق الطاقة العالمية. فالقانون المغربي ينص على ضرورة توفر مخزون استراتيجي من المحروقات يكفي لتغطية نحو ستين يوماً من الاستهلاك الوطني. غير أن تقارير رسمية وبرلمانية سابقة أشارت إلى أن هذا الهدف لم يتحقق دائماً، إذ يتراوح المخزون الفعلي في كثير من الأحيان بين ثلاثين وخمسة وأربعين يوماً فقط.
وقد زادت هذه الإشكالية تعقيداً منذ توقف نشاط مصفاة “سامير” بالمحمدية سنة 2015، ما أفقد المغرب قدرته على تكرير النفط محلياً وجعله يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الوقود المكرر من الخارج. وهو ما يجعل مسألة الأمن الطاقي أكثر ارتباطاً بتقلبات السوق الدولية وبسلامة طرق الإمداد العالمية.
ومن زاوية تحليلية أوسع، قد يشكل الارتفاع الحالي في أسعار المحروقات مؤشراً على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في سوق الطاقة العالمية. فإذا استمرت التوترات في منطقة الخليج أو تصاعدت المواجهة حول مضيق هرمز، فمن المرجح أن تشهد أسعار النفط موجة ارتفاعات إضافية قد تنعكس مباشرة على السوق المغربية. وفي هذه الحالة قد يجد المغرب نفسه أمام معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على استقرار الأسعار داخلياً وحماية التوازنات المالية للدولة. وهو ما قد يعيد فتح النقاش العمومي حول سياسات تسعير المحروقات، وسبل تعزيز المخزون الاستراتيجي، وتسريع الانتقال نحو مصادر طاقة بديلة تقلل من هشاشة الاقتصاد الوطني أمام تقلبات السوق الدولية.
في النهاية، يكشف الارتفاع الأخير في أسعار الوقود بالمغرب مدى ارتباط الاقتصاد الوطني بالتوازنات الجيوسياسية في العالم. غير أن التحول التدريجي نحو الطاقات المتجددة وإعادة تشغيل ” لاسامير” و فرض احترام قاعدة التنافس النزيه على شركات التوزيع، قد يشكل، على المدى المتوسط والبعيد، أحد أهم المفاتيح لتعزيز الأمن الطاقي للمغرب وتقليل هشاشته أمام تقلبات سوق النفط العالمية.
2026-03-17