شخصيات لآلئ متألقة للاعلامي والكاتب المصري محمد ابراهيم الشقيفي ( الحلقة 16 عن الواعظة الأستاذة/ نفيسة خليل )
هيئة التحرير
11 نوفمبر، 2025
شخصيات لآلئ متألقة للاعلامي والكاتب المصري محمد ابراهيم الشقيفي (الحلقة 16 الواعظة الأستاذة/ نفيسة خليل )
كتب / محمد ابراهيم الشقيفي
وسام الصبر على جبين أرملة
العواصف الفجائية أقدار حتمية ، وإن كانت تتشكل على هيئة تستنسخ وجود الأشباح بين رحايا الظلمات المرعبة ، ذات الظلال الداكنة المستوحشة فى مخيمات ضبابية مخيفة ، لكن استوجب الحال الإمساك بفنون القتال واتخاذ قرار النزال بكل أدوات المباغتة ، لأجل بقاء الكرامة شامخة تبارز دون أن يسقط حلم البقاء من على جواد عقل المحارب .
قد تفاجئنا الدنيا بنوبة فراق قاسية وجراح فى العمق دامية ، و ندبات تألمنا فى صمت ، وصفعات حزن متتالية ، فلا نستطيع حقا أن نلوذ بمأمن رغم أننا نتوجع على مضض ، تلتصق بنا أمور عضال فى مجملها تفسير غير متزن ، ولو صادف و انسكب حريق بتار فى مصباح الإيمان ، انقطعت بلا رجوع حبال غيث الوصال عن الروح .
لكن هناك على متن الطائرة التي تحلق فوق الغيوم ، سيدة من بين آلاف النساء اللواتي يعانين من فقاعات الهواء الساخن ، أو ربة بيت تشد على ازرها ، ترابط من أجل تعزيز موقعها فى عيون مجتمع لا يرحم الأرامل فى زحام خانق ، لقد أبصرت وجهتها عن بعد ورأيت وجه تلك السيدة وهى تبكي فى مرأتها رافضة كل بدائل الإنتصار ، تواجه المصرية المتوجة بشرف المحاولة أبشع لحظات الانحسار عن رمق الحياة وهى ممزوجة بدموع الإنهيار، لحظة فراق رجل احتواها بمشاعر الوفاء النادرة .
هيا نقترب إلى عقر دار المرأة القاهرية ، ونحلق بخفة غير معهودة ونحن منفردين بالحقائق فى فضاء المرأة الفاضلة كريمة المنشأ السيدة/ نفسية أحمد أمين خليل ، القاطنة مع تجربتها المليئة بالعطاء تحت سقف إحدى البيوت ذات العلاقات العامرة بالوفاء ، وهى تنير مثل النجم الفضي ، مركز أشمون التابع لمحافظة المنوفية .
و بكل ما تحمله الكلمة من معاني الوطنية إنها زوجه البطل ، عاشت رحلة مليئة بالحب والعطاء مع رجل من أبناء القوات المسلحة المصرية البواسل، والذي خطفه الموت من الحياة ، يلفظ أنفاسه الأخيرة ، داخل ثكنة الجيش العسكرية ،وهو يرتدي زي العزة والكرامة للجيش المصري . نعم ذاقت حلاوة الاحتواء الأسري مع زوجها العميد أركان حرب/ تامر عبدالشكور ، الذي علمها أولى دروس العسكرية المصرية ، ألا وهي الصبر حتي ينال المرء مراده ، وهو يدرك قيمة الحياة ، وإن كانت تفاصيل بيوت القادة وتيرتها كما يظنها البعض روتينية إلى أبعد الحدود ، إلا أن البيت التي تحمل جدرانه صوراً لجندي مقاتل يحمي الحدود البحرية مع الضفادع البشرية و النمور البرية ، يفصح عن سر قوة العيش برداء الكرامة .
عاشت فى بيت نقي لا يعرف اللون الرمادي ، لقد صارت السيدة الفاضلة التي تحمل وسام الصبر على جبين أرملة هى أم وأب فى توقيت حرج لثلاثة أطفال فقدوا على جبهة الدنيا ، راية الأمان . لست بصدد سرد يشبه القصص للتسلية فى لحظات الفراغ ، لكن الأمر أعمق من ذلك ، فكثير من النساء تعول ولو اختلفت الروايات المنقولة ، لكن بعض القيم تستخلص من تجارب الآخرين، أجزم أننا نتعلم من رحلة هذه السيدة ، كيف تسدد ركلات الترجيح ، في شباك معقدة بالألم ، خاصةً مع شدة إصرارها القوي على استكمال مسيرة الأب القائد ، والتي مازالت تزين عطور أنفاسه أركان البيت ذات الجدار الأخضر .
نحن ندرك النجوم رغم ابتعادها عن كوكب الأرض ، فلا ضوء يستعاض به عن نور البدر ، والمرأة التي نسرد بأسلوب سلس بعضا من زوايا حياتها قد أضحت وحيدة بين يوم وليلة ، لم تستسلم مطلقاً فى مكنة العقل شريدة تطلب المساعدة ، بل مكثت ترتدي فستان الحكمة بوقاره الأسود ، احتملت فاجعة الفراق ، احتضنت الأم المدبرة الحاصلة على بكالوريوس الخدمة الإجتماعية طلاب العلم بكل حلم وصبر على مشقة الأيام الصعاب .
إن الظروف المحيطة بجو من الرعب والتي تعيشها الأسر المصرية بشأن مرحلة الثانوية العامة ، والتي جاءت متزامنة مع رحيل الأب عن دنيانا ، لم تكن عائقا أمام حركة الأبناء والتي تبلورت في استكمال مسيرة الأب ، بكل عزم وحسم وحنين أم.
لم تكن السيدة/ نفسية خليل والتي تشغل منصب مدير عام المدن الجامعية للطالبات بجامعة الأزهر الشريف ، مجرد إمرأة عادية ، قد أبصرت الحقيقة فحسب ، لكنها وجدت ضالتها فى تربية جيل كامل على نهج تحمل المسؤولية ، لقد شهدت لها جامعة الأزهر الشريف بحسن إدارتها للمدن الجامعية وفضل رعايتها لطالبات جامعة الأزهر الشريف ، كرمت فى حفل إنساني ، تحت رعاية رئيس الجامعة ، بعد استضافة العالمين فى قطاع المدن الجامعية نظير جهودها المتصل مع فريق محترف في فن الإدارة وخدمة طلاب وطالبات الجامعة .
لم تكن كلمة أرملة تمثل خطراً عليها ، ولا عائقا يثقل كاهل عاتقها ، بل حرصت أن تكون الأسرة بأكملها ، تحمل وقار الدين الإسلامي الحنيف فى صدرها ، و تتقن فن التعامل بمبادئ الأخلاق والقيم المعتدلة.
إن الصبر كان شاهداً على إنجازها فرأت كيف امتدت سيرة زوجها في وجه ابنها الأكبر / ضابط القوات البحرية ، هدأت المرأة قليلاً والتقطت بعض أنفاسها من فوق سراب الماضي ، التفتت إلى مجال الدعوة الإسلامية بعد حلم ، قد راودها ووجدت فيه القدرة على العطاء ، كبحت جماح المهر الشارد ، وأصبحت بعد جهد متواصل و اعظة متطوعة بوزارة الأوقاف المصرية ، نالت شرف الحصول على شهادة المركز الثقافي الإسلامي ، التحقت بمعهد الدعاه ، لتكن بذلك أم وأب ، و داعية للحق داعمة لمن يحتاج فى مفترق الطرق إلى دليل النصح فى غابة يتصارع فيها كل شىء.
إن الطموح ليس مجرد حفنة كلمات تلتصق بعفوية الحلم ،بل هو سعي ووعي وإرادة لا تلين ،
وهذا واقع نراه تارة فى تجارتها الرابحة مع اولادها وخاصة بعد ارتداء ابنها الثاني ثوب ملائكة الرحمة وعلى كتفيه نجوم تلمع ، تقف عليها صقور السلام ، أصبح طبياً بعد أن تخرج من كلية طب القوات المسلحة ، و أخيراً حقق الفتى حلم والده .
وحتى يكون العالم منصف بالقدر الكافي لمن تعول ، فلو لا مثابرة هذه المرأة على لغط الضباب ما نجحت فى طريق الأخذ بالاسباب .
تنبهر النفس من روعة الغصن إن مال ظله وبه فواكه الصيف والشتاء طيبة المذاق ، هكذا حال تلك المرأة الحنون على أفكارها المستنيرة ، التي تعكف على تطويرها بالعلم ، وجدير أنها تدرس تمهيدي ماجستير الدراسات الإسلامية ، لتكن شمعة لا تنطفئ فى خندق حفرته مخالب الأيام .
لقد جمعت مابين ونس الأهل ، و الحفاظ عهد الوفاء التي قطعته على نفسها ذات يوم ، تبنت كل حلم مشروع ، لأنها تدرك القيمة الحقيقية لنقطة البدايات .
لم يهدأ لها بال حتي اكتملت رسالتها مع الإبن الثالث من رفيق الروح ، و الذي مات والده فى اخطر المراحل العمرية ، لكن شاء القدر أن تراه فى الصحراء الكاحلة والبحار العميقة ، ينتج الذهب الأسود مثل طلح الثمار ، صار خريج الجيوفزيا ، مهندساً للبترول ، لم تنحي تلك التي جمعت بين العلم والدين وحب الوطن ، وحين يشتد عليها الحمل ، تذهب فى سكينة من حين لآخر تجلس إلى جوار تلك الشجرة التي كانت بها تستظل ، تحدث روح زوجها بحرارة الاشتياق ، تغادر عفيفة الفكر تعطر قلبها بالذكر، تري وجه الدنيا الصبوح ، تنعم بسكينة الصبر ومعها ثلاثة فرسان .
2025-11-11